طهران: قرار الحوثيين بشأن استهداف أمريكا مستقل
طهران تنفي توجيه قرار الحوثيين وتؤكد استقلال الجماعة
جددت إيران موقفها القائل إن جماعة أنصار الله في اليمن تتخذ قراراتها بنفسها، وذلك ردا على تساؤلات بشأن ما إذا كانت ستنضم إلى طهران في أي هجمات تستهدف الولايات المتحدة أو قواعدها العسكرية في المنطقة. ويعكس هذا الموقف مسعى إيران إلى نفي وجود قرار عملياتي مركزي تديره نيابة عن حلفائها، مع الإبقاء في الوقت نفسه على خطاب الدعم السياسي للجماعة اليمنية.
ووفق ما أوردته تقارير دولية استنادا إلى مصادر إيرانية، فإن طهران تقول إنها لا تريد الانخراط المباشر في مواجهة واسعة مع واشنطن، وإن الحوثيين هم من يحددون بأنفسهم خطواتهم الميدانية. هذا الطرح تكرر في أكثر من تغطية صحفية خلال الأشهر الماضية، بالتوازي مع تصاعد الهجمات في البحر الأحمر واتساع نطاق التوتر الإقليمي.
من هو المسؤول الإيراني المرتبط بالتصريحات؟
الشخصية الأبرز المرتبطة بالموقف الإيراني الإعلامي حاليا هي إسماعيل بقائي، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، والذي يشغل المنصب منذ أكتوبر 2024 بحسب بيانات تعريفية منشورة حول المنصب وظهوره المتكرر في المؤتمرات الصحفية الرسمية. وتبرز أهميته لأنه الواجهة الأساسية لشرح مواقف طهران من الملفات الإقليمية، ومنها اليمن والوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.
ورغم أن تفاصيل التصريح المتداول نُقلت في بعض الأحيان عن مصادر إيرانية طلبت عدم كشف هويتها، فإن المضمون يتسق مع الخط السياسي الذي تعلنه طهران منذ بداية التصعيد في الممرات البحرية، وهو أن الحلفاء الإقليميين لا يتحركون بأوامر إيرانية مباشرة، بل وفق حساباتهم الخاصة.
خلفية التصعيد بين الحوثيين وواشنطن
التوتر بين الولايات المتحدة والحوثيين تصاعد بصورة كبيرة منذ أواخر 2023 ثم خلال 2024، مع تكثيف الجماعة هجماتها على سفن في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن. ووفقا لبيانات القيادة المركزية الأمريكية سنتكوم ووزارة الدفاع الأمريكية، نفذت واشنطن وحلفاؤها عدة ضربات ضد مواقع للحوثيين بهدف تقليص قدراتهم على استهداف السفن التجارية والعسكرية.
القيادة المركزية الأمريكية قالت في بيانات رسمية إن الهجمات الحوثية طالت سفنا تجارية وممرات ملاحة دولية، بينما أعلنت واشنطن أن عملياتها العسكرية استهدفت حماية حرية الملاحة. كما أكدت بيانات أمريكية أن الضربات شملت منصات صواريخ ومسيّرات ومرافق تخزين أسلحة داخل مناطق يسيطر عليها الحوثيون في اليمن.
لماذا يهم هذا التطور مصر؟
بالنسبة للقارئ المصري، لا تتعلق هذه التطورات فقط بصراع إقليمي بعيد، بل تمس بصورة مباشرة قناة السويس وحركة التجارة العالمية التي تمر عبر أحد أهم شرايين الاقتصاد المصري. فاضطراب الملاحة في البحر الأحمر دفع عددا من شركات الشحن إلى تغيير مساراتها بعيدا عن القناة، ما انعكس سلبا على الإيرادات وحجم العبور.
ووفقا لبيانات رسمية مصرية نُشرت عبر الهيئة العامة للاستعلامات، فإن إيرادات قناة السويس في 2024 تراجعت بأكثر من 60% مقارنة بعام 2023، بما يعني خسائر تقارب 7 مليارات دولار بسبب الأحداث في البحر الأحمر وباب المندب. كما نقلت تقارير مصرية عن الفريق أسامة ربيع، رئيس هيئة قناة السويس، أن الأزمة أثرت بقوة على حركة السفن والإيرادات خلال 2024.
هذه الأرقام تفسر لماذا تتابع القاهرة بحذر أي تصريح يتعلق بالحوثيين، أو بإمكانية اتساع الاشتباك بين إيران والولايات المتحدة. فأي تصعيد إضافي في البحر الأحمر يعني ضغوطا جديدة على التجارة، ورسوم العبور، وسلاسل الإمداد، وأسعار النقل والتأمين البحري.
بين الدعم السياسي والقرار العسكري
الفارق الذي تحاول إيران ترسيخه هو التمييز بين الدعم السياسي لحلفائها وبين التحكم المباشر في قراراتهم العسكرية. لكن هذا الطرح يبقى محل جدل دولي واسع، لأن الولايات المتحدة ودولا غربية تتهم طهران بتقديم دعم عسكري وتقني للحوثيين، يشمل الصواريخ والطائرات المسيّرة والمشورة العملياتية.
في المقابل، تصر طهران على أن اتهامها بإدارة كل تحرك ميداني لحلفائها يتجاهل الطبيعة المحلية للصراعات في المنطقة. ومن الناحية السياسية، يمنحها هذا الخطاب مساحة للمناورة: فهي تحتفظ بعلاقات وثيقة مع الجماعة، لكنها تسعى في الوقت نفسه إلى تجنب تحمل المسؤولية المباشرة عن أي هجمات قد تفجر مواجهة شاملة مع واشنطن.
ما الذي يمكن فهمه من الرسالة الإيرانية؟
- أولا: إيران تريد إظهار أن الحوثيين ليسوا مجرد ذراع تتلقى الأوامر حرفيا من طهران.
- ثانيا: الرسالة موجهة إلى الولايات المتحدة لتقليل احتمالات تحميل إيران المسؤولية الفورية عن أي هجوم جديد.
- ثالثا: التصريح يحمل بعدا ردعيا غير مباشر، لأنه يترك الباب مفتوحا أمام احتمال تحرك الحوثيين وفق تقديراتهم الخاصة.
- رابعا: مصر من أكثر الدول المعنية بمتابعة هذا الملف بسبب ارتباطه بحركة الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس.
انعكاسات إقليمية مفتوحة
حتى الآن، لا توجد مؤشرات مؤكدة على أن الحوثيين اتخذوا قرارا علنيا بالانضمام إلى أي هجوم إيراني مباشر ضد الولايات المتحدة. لكن بقاء المشهد على هذا القدر من السيولة يعني أن المنطقة ما زالت معرضة لمزيد من التدهور، خاصة إذا تعرضت القواعد الأمريكية أو خطوط الشحن الدولية لهجمات جديدة.
وفي ضوء الخبرة المتراكمة منذ بداية أزمة البحر الأحمر، فإن أخطر ما في هذا النوع من التصريحات ليس فقط مضمونه المباشر، بل ما يكشفه عن هشاشة التوازن الإقليمي. فمجرد التأكيد على أن جماعة مسلحة تملك حرية اتخاذ قرار استهداف مصالح أمريكية يوضح حجم التعقيد الذي يحيط بأمن الممرات البحرية، وبمستقبل التهدئة في المنطقة.
بالنسبة لمصر، تظل الأولوية مرتبطة بعودة الاستقرار إلى البحر الأحمر، لأن ذلك لا ينعكس فقط على الأمن الإقليمي، بل أيضا على الاقتصاد الوطني، من خلال حماية تدفقات التجارة العالمية وضمان تعافي إيرادات قناة السويس. ولهذا، فإن أي تطور في علاقة إيران بالحوثيين، أو في مستوى المواجهة مع واشنطن، سيبقى موضع متابعة دقيقة في القاهرة خلال الفترة المقبلة.