Akhbar Cairo

طهران وبغداد تبحثان توسيع الشراكة الاستراتيجية

مباحثات في طهران لتعزيز مسار الشراكة بين إيران والعراق

في تطور سياسي يعكس أهمية الجوار الإقليمي في غرب آسيا، استقبل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، يوم الخميس 23 يوليو 2026 في طهران، رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي، في زيارة رسمية هي الأولى له إلى العاصمة الإيرانية منذ توليه رئاسة الحكومة العراقية في مايو 2026. وشكّل اللقاء محطة بارزة في مسار العلاقات بين البلدين، مع تركيز واضح على توسيع التعاون الثنائي ومناقشة ملفات سياسية واقتصادية وأمنية ذات اهتمام مشترك.

الرسالة الأساسية التي خرجت من اللقاء تمثلت في تأكيد الجانبين أن الروابط بين إيران والعراق لا تقتصر على المصالح السياسية الآنية، بل تستند أيضاً إلى عوامل تاريخية وثقافية ودينية وشعبية عميقة. هذا النوع من الخطاب يحمل دلالة مهمة في سياق إقليمي مضطرب، إذ تسعى كل من بغداد وطهران إلى تثبيت قنوات التواصل المباشر ومنع انعكاس التوترات الأوسع على العلاقات الثنائية.

الزيارة الأولى إلى طهران منذ تولي الزيدي منصبه

أظهرت المعطيات المنشورة عن الزيارة أن رئيس الوزراء العراقي وصل إلى طهران على رأس وفد رفيع المستوى، وذلك بدعوة من الرئيس الإيراني. وذكرت تقارير متابعة للزيارة أنه كان في استقباله في المطار وزير الاقتصاد الإيراني سيد علي مدني زاده، الذي يترأس أيضاً اللجنة المشتركة بين البلدين، وهو ما يعكس أن الشق الاقتصادي حاضر بقوة في هذه الزيارة، إلى جانب الملفات السياسية التقليدية.

وتكتسب هذه الزيارة وزناً إضافياً لأنها تأتي بعد أسابيع من اتصالات ولقاءات سابقة بين قيادتي البلدين، من بينها لقاء جمع بزشكيان والزيدي في العراق خلال يوليو 2026، حيث شدد الطرفان آنذاك أيضاً على ضرورة توسيع التعاون والعمل على ترسيخ العلاقات على قاعدة المصالح المشتركة وحسن الجوار.

ماذا نوقش في لقاء بزشكيان والزيدي؟

بحسب ما أُعلن عن فحوى المباحثات، تناول اللقاء سبل توسيع العلاقات الثنائية، مع التركيز على تطوير التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية. كما ناقش الجانبان عدداً من القضايا الإقليمية التي تمس البلدين بصورة مباشرة، في ظل استمرار حساسية المشهد الأمني في المنطقة وتأثيره على خطوط التجارة والطاقة وحركة الحدود.

الرئيس الإيراني شدد خلال المحادثات على أن إيران والعراق يتقاسمان مصالح وتطلعات مشتركة، وأن توثيق الصلة بينهما يمكن أن يخدم استقرار المنطقة بأسرها. أما الجانب العراقي، فدفع باتجاه تثبيت العلاقة ضمن إطار يحفظ المصالح الوطنية العراقية، وفي الوقت نفسه يستفيد من ثقل الجوار الإيراني في ملفات الطاقة والتجارة والمعابر الحدودية.

العلاقات بين بغداد وطهران: من الروابط التاريخية إلى المصالح العملية

بالنسبة للقارئ المصري، تبدو أهمية هذا اللقاء في أنه يتجاوز المجاملات الدبلوماسية المعتادة. فالعراق وإيران يرتبطان بحدود طويلة، وتداخل سكاني وتجاري وديني واسع، كما أن أي تقارب أو توتر بينهما ينعكس على توازنات أوسع في الإقليم، من أمن الممرات الحيوية إلى أسواق الطاقة وحركة التجارة البرية.

وخلال السنوات الماضية، احتفظ البلدان بمستوى مرتفع من التبادل التجاري، بينما ظل العراق واحداً من أهم الأسواق القريبة لإيران، خاصة في السلع غير النفطية وإمدادات الطاقة. وتشير تقديرات اقتصادية متداولة في ملفات التجارة الإقليمية إلى أن حجم المبادلات بين البلدين يدور حول مستويات بمليارات الدولارات سنوياً، مع طموح معلن لزيادته عبر اللجان المشتركة والمعابر الحدودية والمشروعات اللوجستية.

هذا الجانب الاقتصادي يفسر لماذا تحرص العاصمتان على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة حتى في أوقات التصعيد الإقليمي. كما أن العراق، بحكم موقعه الجغرافي، يمثل بوابة عبور مهمة للتجارة البرية والطاقة، وهو ما يجعل التنسيق مع إيران جزءاً من حسابات الاستقرار الاقتصادي لدى الطرفين.

الحدود والتجارة والطاقة في صدارة الأولويات

من الملفات التي تفرض نفسها على أي مباحثات عراقية إيرانية: الحدود المشتركة، التبادل التجاري، والتعاون في الطاقة. العراق يحتاج إلى إدارة مستقرة للمعابر وحركة السلع، بينما ترى إيران في السوق العراقية امتداداً اقتصادياً بالغ الأهمية، خصوصاً في ظل الضغوط التي تواجهها في التجارة الخارجية.

  • المعابر الحدودية: تسهيل حركة البضائع والمسافرين وتقليل التعطيل عند النقاط الحدودية.
  • الطاقة: بقاء التنسيق قائماً في ملفات الكهرباء والغاز والتجهيزات المرتبطة بالبنية التحتية.
  • اللجان المشتركة: دفع الاجتماعات الاقتصادية نحو نتائج تنفيذية بدلاً من الاكتفاء بالإعلانات السياسية.
  • التنسيق الأمني: تقليل أثر التوترات الإقليمية على المناطق الحدودية وحركة التجارة.

وفي هذا السياق، فإن استقبال الزيدي في طهران من جانب شخصية اقتصادية إيرانية تتولى كذلك رئاسة اللجنة المشتركة ليس تفصيلاً بروتوكولياً عابراً، بل إشارة إلى أن الجانبين يريدان ترجمة الخطاب السياسي إلى مسارات تعاون عملية وقابلة للقياس.

دلالات اللقاء في التوقيت الحالي

تأتي المباحثات في لحظة إقليمية شديدة الحساسية. فالعراق يحاول الموازنة بين علاقاته المتعددة في المنطقة، مع تجنب الانزلاق إلى محاور تصعيد قد تؤثر على أمنه الداخلي واقتصاده. وفي المقابل، تسعى إيران إلى تثبيت علاقاتها مع دول الجوار، وفي مقدمتها العراق، باعتبار ذلك أحد مفاتيح تخفيف الضغوط السياسية والاقتصادية المحيطة بها.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة اللقاء على أنه محاولة متبادلة لتقوية شبكة المصالح المشتركة. فبغداد تريد شراكة تضبط الحدود وتدعم الاقتصاد وتمنحها هامش حركة أوسع إقليمياً، بينما تريد طهران علاقة مستقرة مع جار محوري يجاورها جغرافياً ويتقاطع معها في ملفات أمنية وتجارية حساسة.

كما أن التذكير المتكرر بالعلاقات الثقافية والدينية والشعبية بين البلدين يحمل بعداً سياسياً مقصوداً؛ إذ يُستخدم هذا النوع من الروابط بوصفه أساساً داعماً للاستمرارية، حتى عندما تتبدل الحكومات أو تتغير الظروف الإقليمية. وهذه نقطة مهمة في فهم لماذا تظل العلاقات العراقية الإيرانية حاضرة بقوة في أجندة المنطقة.

ماذا يعني ذلك للمنطقة؟

أي تقارب منظم بين العراق وإيران يترك أثره على ملفات أوسع تمتد من أمن الحدود إلى التجارة الإقليمية. وبالنسبة لمتابعي الشأن الأفريقي والشرق أوسطي من مصر، فإن استقرار المشرق العربي يظل عاملاً مؤثراً في التوازنات الاقتصادية والسياسية المحيطة بمصر والمنطقة العربية عموماً، خصوصاً في ما يتعلق بالطاقة، وسلاسل الإمداد، واتجاهات التهدئة أو التصعيد.

وعليه، فإن لقاء طهران لا يمكن النظر إليه باعتباره اجتماعاً ثنائياً عادياً فحسب، بل كجزء من مشهد أوسع تسعى فيه العواصم الإقليمية إلى إعادة ترتيب الأولويات بعد أشهر مضطربة. وإذا نجحت بغداد وطهران في تحويل هذه التفاهمات إلى خطوات تنفيذية، فقد يشهد المسار المقبل مزيداً من التنسيق في الاقتصاد والأمن وحركة التجارة.

خلاصة المشهد

المؤكد أن لقاء الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ورئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي أعاد التأكيد على حقيقة ثابتة في الإقليم: العلاقة بين إيران والعراق تظل من أكثر العلاقات تأثيراً في غرب آسيا. وبينما يستند الخطاب الرسمي إلى التاريخ والثقافة والدين والجوار، فإن التحدي الحقيقي يبقى في تحويل هذا الرصيد إلى تعاون مؤسسي أعمق يخدم مصالح البلدين ويحد من آثار الاضطراب الإقليمي.

وبالنظر إلى توقيت الزيارة، ومستوى التمثيل فيها، وطبيعة الرسائل الصادرة عنها، يبدو أن بغداد وطهران تتجهان إلى مرحلة جديدة من اختبار قدرة الشراكة بينهما على الصمود والتوسع في آن واحد؛ وهي معادلة ستظل محل متابعة دقيقة في المنطقة خلال الأسابيع والأشهر المقبلة.