Akhbar Cairo

عباس شراقي يحذر من مخطط سدود إثيوبية جديدة على النيل

تحذير مصري جديد من أي تحركات أحادية على النيل

عاد ملف الأمن المائي المصري إلى صدارة النقاش العام بعد تصريحات للدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، حذر فيها من أن القاهرة لن تقبل بتمرير أي مخطط إثيوبي يوسع إنشاء السدود على مجرى النيل بما يضر بدولتي المصب. ويأتي هذا الجدل في توقيت حساس، مع استمرار الخلاف القائم أصلًا حول سد النهضة وغياب اتفاق قانوني ملزم ينظم الملء والتشغيل.

وبحسب ما أمكن التحقق منه من مواقف شراقي المنشورة خلال الشهور الأخيرة، فإن الخبير المصري يكرر في أكثر من مناسبة أن جوهر الأزمة ليس في التنمية داخل إثيوبيا بحد ذاتها، وإنما في الإدارة الأحادية للمشروعات المائية العابرة للحدود، من دون تنسيق أو تبادل منتظم للبيانات مع مصر والسودان، وهو ما تعتبره القاهرة تهديدًا مباشرًا لاستقرار إدارة المياه في دول المصب.

ماذا قال عباس شراقي؟

شراقي أوضح في تصريحات سابقة أن إثيوبيا لا تملك عمليًا تغيير مسار النهر أو منع وصول مياهه إلى مصر، بحكم الطبيعة الجغرافية والهيدرولوجية، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن التوسع غير المنسق في بناء السدود أو تشغيلها يمكن أن يربك تدفقات المياه ويضاعف الضغوط على دول المصب. كما أكد في حوار منشور خلال يوليو 2024 أن التعنت الإثيوبي في تشغيل السد دون مشاورة دولتي المصب كان من أبرز أسباب تعثر الوصول إلى تسوية توافقية.

وفي تصريحات أخرى خلال 2026، لفت شراقي إلى أن مصر استطاعت امتصاص جزء كبير من آثار الملء المتتابع لسد النهضة بفضل مخزون السد العالي وإجراءات إدارة الموارد المائية، لكنه أشار إلى أن ذلك لا يعني انتفاء الخطر أو انتهاء الأزمة، خاصة إذا استمرت أديس أبابا في فرض واقع تشغيلي منفرد.

ما الذي أمكن التحقق منه بشأن السدود الجديدة؟

لم يظهر في المصادر الرسمية المصرية المتاحة ما يثبت بصيغة تفصيلية ومباشرة إعلانًا موثقًا عن بناء ثلاثة سدود جديدة على مجرى النيل بذات الصياغة المتداولة في الخبر الأصلي، لذلك لا يمكن الجزم بالتفاصيل الفنية لهذا الطرح من دون وثائق أو إعلان رسمي كامل. لكن ما أمكن التحقق منه هو أن المسؤولين الإثيوبيين يواصلون الحديث علنًا عن التوسع في البنية التحتية المائية ومشروعات السدود والري ضمن استراتيجية أوسع للمياه والطاقة.

ففي مايو 2026، تحدثت وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية عن استكمال سدود ري ضمن مشروع «فينا أوروميا» في منطقة غومولي بإقليم بورونا، مع الإشارة إلى قدرة تخزينية تتجاوز 190 مليون متر مكعب في منطقة ديسي غورا وحدها، وري أكثر من 14,500 هكتار من الأراضي الزراعية. هذا التطور لا يخص وحده ملف النيل الشرقي، لكنه يكشف بوضوح أن سياسة التوسع في السدود والمنشآت المائية لا تزال حاضرة في الخطاب الرسمي الإثيوبي.

الموقف المصري الرسمي: لا لاتفاقات شكلية ولا لإدارة أحادية

الموقف المصري المعلن ظل ثابتًا: التمسك باتفاق قانوني عادل وملزم ينظم ملء وتشغيل سد النهضة، ورفض أي إجراءات أحادية من شأنها الإضرار بالمصالح المائية المصرية. الهيئة العامة للاستعلامات تؤكد في ملفها التعريفي عن الأزمة أن حصة مصر من مياه النيل تبلغ 55.5 مليار متر مكعب سنويًا، وأن القاهرة تعتبر أي تحرك منفرد في النيل الشرقي مخالفًا لروح القانون الدولي واتفاق إعلان المبادئ الموقع في 2015.

وفي 19 يوليو 2026، أعلنت وزارة الموارد المائية والري بقيادة الدكتور هاني سويلم أن التشغيل الإثيوبي غير الشرعي والمخالف للقانون الدولي وما يصاحبه من تغيرات في معدلات التصريف يفرض على مصر تحديث خطط تشغيل منشآتها المائية بصورة مستمرة. الوزارة أوضحت أن غياب قواعد واضحة للتشغيل وآلية منتظمة لتبادل البيانات يخلق حالة من عدم اليقين، وهو ما يضاعف أعباء الإدارة اليومية للموارد المائية داخل مصر.

كما شددت الوزارة في بيانات أخرى خلال يوليو 2026 على مواصلة تطوير منظومة تشغيل السد العالي وخزان أسوان ورفع كفاءة الرصد والتشغيل، بما يدعم مرونة الدولة في مواجهة أي سيناريوهات مائية مفاجئة خلال فترات الذروة والفيضان.

لماذا يثير هذا الملف حساسية خاصة داخل مصر؟

السبب واضح للمصريين: نهر النيل ليس مجرد مورد طبيعي، بل هو شريان الحياة الرئيسي لدولة تعتمد بصورة شبه كاملة على المياه العابرة للحدود. ووفق بيانات رسمية مصرية، تعتمد البلاد بنسبة تقارب 97% على مياه النيل، بينما تواجه في الوقت نفسه ضغوطًا مستمرة تشمل النمو السكاني، والتغيرات المناخية، وزيادة الطلب على المياه للزراعة والشرب والصناعة.

لهذا تنظر القاهرة إلى أي مشروع كبير على النيل الأزرق أو منظومة النيل الشرقي من زاويتين متلازمتين: الأولى حق دول المنابع في التنمية، والثانية عدم الإضرار الجسيم بحقوق دول المصب. ومن هنا تبرز حساسية التحذيرات الصادرة عن خبراء مصريين مثل عباس شراقي، لأنها ترتبط مباشرة بملف يمس الأمن القومي واحتياجات المواطنين اليومية.

كيف تدير مصر الضغوط الحالية؟

السنوات الأخيرة أظهرت أن الدولة المصرية تتحرك على أكثر من مسار بالتوازي:

  • دبلوماسيًا: الاستمرار في المطالبة باتفاق قانوني ملزم بشأن التشغيل والملء.
  • فنيًا: المتابعة اللحظية لإيراد النهر والتشغيل الديناميكي للمنشآت المائية.
  • داخليًا: التوسع في معالجة المياه، وإعادة الاستخدام، ورفع كفاءة شبكات الري والمنشآت.
  • استراتيجيًا: الحفاظ على جاهزية السد العالي باعتباره خط الدفاع الرئيسي في إدارة التقلبات المائية.

وفي هذا السياق، يقول شراقي في تصريحات حديثة إن مخزون السد العالي لا يزال عنصر أمان مهمًا لمصر، وإن أصعب الفترات كانت خلال سنوات الملء الأولى والمتتابعة بين 2020 و2025، بينما بات التركيز الآن أكبر على تذبذب التصريفات الناتج عن أسلوب التشغيل الإثيوبي.

الخلاصة

سواء ثبتت تفاصيل الحديث المتداول عن ثلاثة سدود إثيوبية جديدة كاملة أم لا، فإن الرسالة الأهم في النقاش المصري الحالي واضحة: القاهرة ترفض أي توسع مائي على النيل يتم بمنطق فرض الأمر الواقع. تصريحات عباس شراقي تعكس هذا القلق المصري المتجدد، بينما تؤكد بيانات وزارة الري أن المشكلة لم تعد نظرية، بل ترتبط بإدارة يومية شديدة التعقيد لمنظومة المياه في بلد يعتمد على النيل كمصدره الأساسي للحياة.

وبالنسبة للشارع المصري، تبقى القضية أبعد من مجرد خلاف فني؛ إنها مسألة أمن قومي وحق في الحياة والتنمية. لذلك يتوقع أن يستمر الحضور القوي لهذا الملف في النقاش العام، كلما ظهرت مؤشرات جديدة على توسع إثيوبي في مشروعات السدود أو استمرار التشغيل الأحادي بعيدًا عن اتفاق شامل وعادل.