Akhbar Cairo

عباس: غزة جزء لا يتجزأ من الدولة الفلسطينية

تمسك فلسطيني بوحدة الأرض ورفض الحسم بالقوة

يحمل تصريح الرئيس الفلسطيني محمود عباس دلالة تتجاوز الصياغة السياسية المعتادة؛ فحين يؤكد أن قطاع غزة جزء لا يتجزأ من الدولة الفلسطينية، وأن الفلسطينيين يرفضون التهجير وسرقة الأرض، فهو يعيد تثبيت واحدة من أكثر القضايا حساسية في النقاش الدائر منذ اندلاع الحرب: هل يمكن فرض واقع جديد على الفلسطينيين بالقوة العسكرية أو بالهندسة الديموغرافية؟ المعنى المباشر لرسالة عباس هو أن الإجابة الفلسطينية الرسمية لا تزال حاسمة: لا فصل بين غزة والضفة الغربية، ولا شرعية لأي ترتيبات تنتقص من وحدة الأرض أو تدفع السكان إلى الرحيل تحت وطأة النار والحصار.

هذا الموقف ليس جديدًا في الخطاب الفلسطيني الرسمي، لكنه اكتسب وزنًا أكبر مع تصاعد الحديث خلال عامي 2024 و2025 عن سيناريوهات “اليوم التالي” في غزة، واحتمالات إعادة تشكيل الإدارة أو الأمن أو الحدود. وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية “وفا” نقلت في أكثر من مناسبة عن عباس تأكيده أن غزة جزء أصيل من الدولة الفلسطينية، مع رفضه القاطع للتهجير القسري أو ضم أي جزء من القطاع أو إعادة احتلاله. كما شدد في خطابات ولقاءات لاحقة على أن أي ترتيبات انتقالية يجب أن تكون مؤقتة، وألا تمس وحدة الأراضي الفلسطينية.

لماذا يعود خطاب “رفض التهجير” بقوة؟

لأن التهجير لم يعد مجرد تخوف نظري في الخطاب الفلسطيني، بل بات عنوانًا ملازمًا لكل نقاش يتعلق بمستقبل غزة. في الأشهر الماضية، تجددت إقليميًا ودوليًا طروحات رُفضت عربيًا باعتبارها تمس جوهر القضية الفلسطينية، سواء جاءت في صورة نقل مؤقت للسكان أو إعادة توزيع ديموغرافي تحت مسميات إنسانية أو أمنية. مصر كانت من أوضح الدول التي أعلنت أن أي مقاربة من هذا النوع تعني عمليًا تصفية القضية الفلسطينية، وهو تعبير تكرر في بيانات رسمية مصرية خلال 2025.

ومن هنا يمكن فهم لهجة عباس بوصفها دفاعًا عن مبدأين في آن واحد: أولهما حماية الوجود الفلسطيني على الأرض، وثانيهما منع تحويل الأزمة الإنسانية في غزة إلى مدخل لتغيير الخريطة السياسية. فالحديث عن “سرقة الأراضي” لا ينفصل عن ملف الاستيطان والضم في الضفة الغربية والقدس الشرقية، ولا عن أي مساعٍ لفصل غزة عن مشروع الدولة الفلسطينية الأشمل. وقد أعادت الرئاسة الفلسطينية أكثر من مرة التأكيد على أن محاولات فصل القطاع عن الضفة مصيرها الفشل، لأن المرجعية النهائية، من وجهة نظرها، هي دولة فلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

الزاوية المصرية: لماذا يهم هذا الموقف القاهرة تحديدًا؟

بالنسبة إلى القارئ المصري، لا تبدو تصريحات عباس بعيدة عن المصالح المباشرة لمصر. فالقاهرة تنظر إلى ملف التهجير من زاويتين متلازمتين: الأولى مبدئية ترتبط بحقوق الفلسطينيين ورفض اقتلاعهم من أراضيهم، والثانية استراتيجية تتصل بالأمن القومي المصري، خاصة في ما يتعلق بسيناء والحدود ومعادلات الاستقرار الإقليمي. الهيئة العامة للاستعلامات في مصر أكدت في فبراير 2025 أن القاهرة ترفض تمامًا أي تصور يستهدف اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم التاريخية أو الاستيلاء عليها، سواء بصورة مؤقتة أو دائمة، معتبرة ذلك تهديدًا مباشرًا لتصفية القضية.

كما عكست البيانات المصرية اللاحقة ثبات هذا الخط؛ إذ شددت مصر على رفض أي محاولة لنقل الفلسطينيين إلى خارج أرضهم، ونفت رسميًا مزاعم تحدثت عن خطط لإعادة توطين أعداد كبيرة من سكان غزة في شمال سيناء. وفي الوقت نفسه، دفعت القاهرة باتجاه مسار آخر يقوم على وقف إطلاق النار، وإدخال المساعدات، ثم الشروع في التعافي المبكر وإعادة الإعمار من دون تهجير السكان.

لهذا فإن التقاء خطاب محمود عباس مع الموقف المصري ليس مجرد تقاطع لغوي، بل يمثل أرضية سياسية مشتركة: وحدة غزة مع الضفة، ورفض التهجير، والتمسك بحل الدولتين. هذه الثلاثية باتت تمثل، عمليًا، الحد الأدنى العربي الرسمي في التعامل مع الحرب وتداعياتها. كما أن القمة العربية غير العادية التي استضافتها القاهرة في فبراير 2025 أعادت تثبيت هذا الإطار الجماعي، مع تأكيد رفض تهجير الفلسطينيين من غزة أو الضفة الغربية ودعم مسار إعادة الإعمار والاعتراف بالدولة الفلسطينية.

عباس في قلب معركة “اليوم التالي”

سياسيًا، يرتبط تصريح عباس أيضًا بصراع على تعريف من يملك شرعية التحدث باسم الفلسطينيين في مرحلة ما بعد الحرب. الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الذي تذكره بيانات “وفا” رئيسًا لدولة فلسطين، يستخدم خطاب وحدة الأرض ليؤكد أن أي إدارة أو ترتيبات تخص غزة لا يمكن أن تكون منفصلة عن السلطة الفلسطينية والإطار السياسي لمنظمة التحرير. في هذا السياق، تكرر حديثه عن تولي دولة فلسطين مسؤولياتها في القطاع ضمن حل سياسي شامل، لا كترتيب أمني مفروض من الخارج.

هذه النقطة بالغة الأهمية؛ لأن معركة “من يحكم غزة؟” ليست إدارية فقط، بل تتعلق بتحديد ما إذا كان القطاع سيظل جزءًا من مشروع الدولة الفلسطينية أم سيتحول إلى ملف إنساني وأمني منفصل. ومن زاوية تحليلية، يبدو أن عباس يحاول قطع الطريق على أي مقاربة تختزل غزة في الإغاثة وحدها، أو تعاملها باعتبارها مساحة يمكن عزلها عن الضفة الغربية والقدس.

البعد الدولي: اعتراف أوسع بالدولة.. لكن التنفيذ متعثر

رغم انسداد المسار السياسي، فإن الخطاب الفلسطيني يستند إلى تطورات دولية تمنحه بعض السند الرمزي والقانوني. ففي 10 مايو 2024 تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا يدعم أهلية فلسطين للعضوية الكاملة، ومنحها حقوقًا وامتيازات إضافية في الأمم المتحدة اعتبارًا من الدورة التاسعة والسبعين للجمعية العامة في سبتمبر 2024، مع دعوة مجلس الأمن إلى إعادة النظر إيجابيًا في طلب العضوية الكاملة. غير أن هذا التطور، على أهميته، لم يحل الأزمة على الأرض، وبقي أقرب إلى تعزيز المكانة الدبلوماسية من كونه اختراقًا سياسيًا ملزمًا.

من هنا، يصبح التشديد الفلسطيني على عدم قبول التهجير وعدم التفريط بالأرض محاولة لسد الفجوة بين الاعتراف السياسي الدولي وبين الوقائع الميدانية القاسية. فالسلطة الفلسطينية تقول، ضمنيًا، إن الاعتراف بالدولة يفقد معناه إذا جرى تقطيع أوصال هذه الدولة أو تفريغ جزء منها من سكانه.

ما الذي يعنيه هذا للمشهد العربي؟

بالنسبة إلى مصر والعالم العربي، يكتسب خطاب عباس أهمية إضافية لأنه يعيد تثبيت المفردات التي يمكن البناء عليها في أي تحرك دبلوماسي مقبل: وقف إطلاق النار، بقاء الفلسطينيين على أرضهم، وحدة غزة والضفة، ورفض الضم أو الفصل أو التهجير. كما يمنح العواصم العربية، وفي مقدمتها القاهرة، غطاءً سياسيًا فلسطينيًا واضحًا في مواجهة أي ضغوط أو تصورات بديلة.

ومن الناحية الرمزية، فإن ظهور محمود عباس في صدارة هذا الخطاب يعكس سعي القيادة الفلسطينية إلى الحفاظ على حضورها في لحظة إقليمية شديدة السيولة. وبالنسبة لجمهور يتابع من مصر، حيث ترتبط القضية الفلسطينية بالوجدان العام وبحسابات الأمن القومي معًا، فإن الرسالة الأوضح هي أن معركة الكلمات هنا ليست أقل أهمية من معركة الحدود: من ينجح في تثبيت تعريف غزة اليوم، قد يحدد شكل فلسطين غدًا.

  • الخلاصة الأولى: تصريح عباس يربط بين رفض التهجير ورفض فصل غزة عن الدولة الفلسطينية.
  • الخلاصة الثانية: الموقف المصري الرسمي يلتقي مع هذا الطرح في اعتبار التهجير تهديدًا للقضية وللاستقرار الإقليمي.
  • الخلاصة الثالثة: أي نقاش جاد حول “اليوم التالي” في غزة يبقى ناقصًا إذا تجاهل وحدة الأرض الفلسطينية والتمثيل السياسي الفلسطيني.

في المحصلة، فإن عبارة “نحن باقون على أرضنا” ليست مجرد شعار تعبوي، بل عنوان لمعركة سياسية وقانونية وديموغرافية مفتوحة. وبينما تتبدل المبادرات وتتزاحم التصورات، يبقى الثابت في الموقف الفلسطيني الرسمي، كما يقدمه محمود عباس، أن غزة ليست ملفًا منفصلًا ولا أرضًا قابلة للمقايضة، بل جزء من وطن يقول أصحابه إنهم لن يغادروه.