Akhbar Cairo

عباس يلتقي نبيل فهمي في عمّان لبحث دعم فلسطين عربياً

لقاء في عمّان يعكس أولوية التحرك العربي تجاه فلسطين

استقبل الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الخميس في العاصمة الأردنية عمّان، الأمين العام لجامعة الدول العربية الدكتور نبيل فهمي، في اجتماع يحمل دلالات سياسية تتجاوز طابعه البروتوكولي، خصوصاً أنه يأتي في توقيت تشهد فيه القضية الفلسطينية ضغوطاً متصاعدة على المستويات الميدانية والسياسية والاقتصادية.

أهمية اللقاء لا ترتبط فقط بكونه يجمع رأس القيادة الفلسطينية مع المسؤول الأول عن الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، بل أيضاً بكونه يأتي بعد أسابيع قليلة من تولي فهمي منصبه رسمياً أميناً عاماً للجامعة اعتباراً من 1 يوليو 2026، عقب اعتماد تعيينه بالإجماع خلال الدورة العادية المستأنفة رقم 165 لمجلس الجامعة على المستوى الوزاري التي عُقدت في عمّان يوم 22 يونيو 2026.

نبيل فهمي بدأ مهامه رسمياً مطلع يوليو

التحركات العربية الحالية تكتسب زخماً إضافياً بعد انتقال نبيل فهمي رسمياً إلى موقع الأمانة العامة للجامعة العربية. وزارة الخارجية المصرية كانت قد أعلنت أن وزير الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج الدكتور بدر عبد العاطي التقى فهمي في مقر الأمانة العامة بالقاهرة يوم 6 يوليو 2026 لتهنئته بتوليه المنصب، مؤكداً دعم مصر الكامل لرؤيته الخاصة بتطوير آليات العمل العربي المشترك.

وبالنسبة للقارئ المصري، فإن هذا التطور يحمل وزناً خاصاً، لأن فهمي يعد من أبرز الأسماء الدبلوماسية المصرية خلال العقود الأخيرة؛ فقد شغل سابقاً منصب وزير الخارجية المصري، كما عمل سفيراً لمصر لدى الولايات المتحدة واليابان، وهو ما يضفي على تحركاته الحالية بعداً مصرياً وعربياً في آن واحد، خاصة في ملف فلسطين الذي يبقى في صدارة أولويات الأمن القومي العربي.

سياق اللقاء: فلسطين في قلب أجندة الجامعة العربية

اللقاء بين عباس وفهمي يأتي ضمن مسار واضح من التواصل السياسي بين الجانبين منذ اختيار الأمين العام الجديد. ففي 27 يونيو 2026، أجرى الرئيس الفلسطيني اتصالاً هاتفياً لتهنئة فهمي بمناسبة تعيينه، وأكد خلاله أهمية استمرار دور الجامعة العربية في دعم الحقوق الفلسطينية وتعزيز العمل العربي المشترك.

ثم تصاعد هذا التنسيق في 12 يوليو 2026، عندما وجّه عباس رسالة خطية إلى الأمين العام للجامعة العربية تناولت العدوان الإسرائيلي المستمر على الشعب الفلسطيني وآخر تطورات القضية، مع دعوة صريحة إلى تفعيل شبكة الأمان المالية العربية لدعم موازنة دولة فلسطين وتعزيز صمود الفلسطينيين في ظل الضغوط الاقتصادية والإنسانية المتفاقمة.

من هذه الزاوية، يبدو اجتماع عمّان امتداداً مباشراً لهذا الخط من الاتصالات، خصوصاً أن القيادة الفلسطينية تسعى إلى تحويل المواقف العربية الداعمة من مستوى البيانات السياسية إلى خطوات عملية تشمل التحرك الدبلوماسي والضغط الدولي والإسناد المالي.

لماذا عمّان تحديداً؟

اختيار عمّان مكاناً للقاء ليس تفصيلاً عابراً. العاصمة الأردنية تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى محطة مركزية لكثير من المشاورات المرتبطة بالقضية الفلسطينية، سواء بسبب الدور السياسي الأردني التقليدي في هذا الملف، أو بحكم قربها الجغرافي والسياسي من التطورات في الضفة الغربية والقدس. كما أن عمّان كانت نفسها المدينة التي شهدت اعتماد تعيين نبيل فهمي أميناً عاماً للجامعة العربية في يونيو الماضي.

هذا البعد يمنح اللقاء إطاراً إقليمياً أوسع، ويؤكد أن التحرك العربي المرتبط بفلسطين لا ينفصل عن التنسيق القائم بين الأطراف العربية الرئيسية المعنية بوقف التصعيد، وحماية حل الدولتين، والحفاظ على حضور القضية الفلسطينية في المؤسسات الإقليمية والدولية.

الزيارة التي مُنعت إلى فلسطين تضيف بعداً سياسياً

ويكتسب الاجتماع أهمية أكبر إذا وُضع في سياق تطور لافت حدث قبل أيام. فقد أعلنت وكالة الأنباء الفلسطينية أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي منعت زيارة كان نبيل فهمي يعتزم القيام بها إلى فلسطين يوم 8 يوليو 2026، من أجل دعم صمود الشعب الفلسطيني والالتقاء بالرئيس محمود عباس في رام الله.

هذا المنع يعني عملياً أن اجتماع عمّان قد يكون بديلاً سياسياً عن لقاء كان مقرراً أن يُعقد على الأرض الفلسطينية، كما يكشف في الوقت نفسه حجم القيود المفروضة على التواصل السياسي العربي المباشر مع القيادة الفلسطينية داخل الأراضي الفلسطينية. ومن ثم، فإن انعقاد اللقاء في الأردن يرسل رسالة مزدوجة: استمرار التواصل العربي مع السلطة الفلسطينية من جهة، ورفض عرقلة هذا التواصل من جهة أخرى.

ما الذي يمكن أن يخرج به اللقاء؟

رغم عدم صدور تفاصيل موسعة حول جدول الأعمال، فإن السياق العام يسمح بتحديد أبرز الملفات المرجح بحثها خلال اللقاء، وفي مقدمتها:

  • وقف العدوان الإسرائيلي والبحث في سبل تعزيز التحرك العربي على الساحة الدولية.
  • دعم السلطة الفلسطينية مالياً، خاصة في ظل المطالب الفلسطينية المتكررة بتفعيل شبكة الأمان المالية العربية.
  • تنسيق المواقف داخل الجامعة العربية بما يضمن بقاء الملف الفلسطيني في صدارة الاجتماعات والاتصالات الإقليمية.
  • دعم حل الدولتين ومواجهة الإجراءات التي تقوض فرص التسوية السياسية.

هذه الملفات لا تعني الفلسطينيين وحدهم، بل تمس مباشرة المزاج السياسي العام في مصر والمنطقة. فالقاهرة تنظر تقليدياً إلى استقرار القضية الفلسطينية بوصفه عنصراً أساسياً في استقرار الإقليم، كما أن أي تدهور إضافي في الأراضي الفلسطينية ينعكس على ملفات الأمن الإقليمي، والمساعدات الإنسانية، والتحركات الدبلوماسية العربية الجماعية.

البعد المصري حاضر بقوة

من منظور مصري، يلفت هذا اللقاء الانتباه لأن نبيل فهمي يتولى المنصب العربي الأرفع في لحظة إقليمية شديدة الحساسية. وقد رحبت القاهرة رسمياً، عبر وزارة الخارجية ووسائل إعلام مصرية، باعتماد تعيينه أميناً عاماً للجامعة العربية لمدة خمس سنوات، مع التأكيد على الثقة في خبرته الدبلوماسية وقدرته على التعامل مع التحديات الراهنة.

وجود شخصية مصرية في هذا الموقع في هذا التوقيت يمنح القاهرة، ولو بشكل غير مباشر، ثقلاً إضافياً داخل منظومة التحرك العربي المتصل بفلسطين، من دون أن يغير ذلك من الطبيعة الجماعية للقرار داخل الجامعة. كما أن متابعة الشارع المصري لأي تحرك يخص فلسطين تمنح هذا النوع من اللقاءات اهتماماً خاصاً، خصوصاً حين يرتبط بأسماء دبلوماسية مصرية معروفة مثل نبيل فهمي.

رسالة اللقاء: التنسيق العربي لا يزال قائماً

في المحصلة، يعكس استقبال الرئيس الفلسطيني محمود عباس للأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي في عمّان استمرار قنوات التنسيق العربي حول القضية الفلسطينية، في وقت تحاول فيه القيادة الفلسطينية حشد دعم سياسي ومالي أكبر لمواجهة ضغوط المرحلة الحالية.

ورغم أن البيان المقتضب للخبر لا يورد تفاصيل موسعة، فإن الوقائع المحيطة به تجعل من الصعب النظر إليه كاجتماع عابر. فهو يأتي بعد تعيين عربي جديد على رأس الجامعة، وبعد منع زيارة كانت مقررة إلى فلسطين، وبعد رسالة رئاسية فلسطينية تطالب بتفعيل الدعم العربي مالياً وسياسياً. لذلك، يمكن قراءة اللقاء باعتباره حلقة في مسار أوسع عنوانه: إبقاء فلسطين أولوية على الأجندة العربية، والعمل على ترجمة هذا العنوان إلى خطوات ملموسة في المرحلة المقبلة.