عبد العاطي: التفاوض هو المخرج لإنهاء نزاع السودان
مصر تجدد تمسكها بالحلول السياسية في أزمات الإقليم
جددت القاهرة تأكيدها أن المسار السياسي يظل الخيار الأكثر واقعية لإنهاء النزاعات المشتعلة في جوارها الإقليمي، وفي مقدمتها الأزمة السودانية. وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي بين الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، ومسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، يوم الجمعة 18 سبتمبر 2026، ضمن مشاورات مصرية-أمريكية متواصلة بشأن ملفات المنطقة. وأوضحت وزارة الخارجية المصرية أن الاتصال تناول تطورات الأوضاع في السودان وليبيا واليمن، إلى جانب الأزمة المرتبطة بإيران وانعكاساتها على أمن الملاحة الإقليمية.
الرسالة المصرية بدت واضحة: لا مخرج مستدامًا من الحرب في السودان إلا عبر الحوار والتفاوض، مع ضرورة وقف النزاع، وصون وحدة الدولة السودانية ومؤسساتها، ورفض أي مسارات من شأنها تفكيك الدولة أو تعميق الانقسام. هذا الموقف يتسق مع ما أعلنته وزارة الخارجية المصرية في بياناتها الأخيرة حول اتصالات عبد العاطي مع الجانب الأمريكي، وكذلك مع الخط العام الذي تتبناه القاهرة في الملفات الأفريقية المتصلة بالأمن والاستقرار الإقليميين.
السودان في صدارة المشاورات
بحسب البيان الرسمي لوزارة الخارجية، شدد عبد العاطي على أن تسوية الأزمة السودانية يجب أن تنطلق من دعم مؤسسات الدولة الوطنية والحفاظ على سيادة السودان ووحدة أراضيه. كما أكد أهمية تكثيف الجهود الهادفة إلى إنهاء القتال وتخفيف المعاناة الإنسانية المتفاقمة. ويكتسب هذا الطرح وزنه بالنسبة للقارئ المصري، لأن السودان ليس ملفًا خارجيًا عابرًا، بل قضية ترتبط مباشرة بأمن وادي النيل، وحركة التجارة والحدود، وأوضاع ملايين السودانيين المتضررين من الحرب.
وتظهر أرقام الأمم المتحدة حجم الكارثة الإنسانية بصورة قاطعة؛ إذ تصف منظمات الأمم المتحدة السودان بأنه أكبر أزمة نزوح في العالم حاليًا. وتشير خطة الاحتياجات الإنسانية والاستجابة للسودان لعام 2026 الصادرة عن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية إلى وجود 9.3 مليون نازح داخليًا، إضافة إلى 4.4 مليون شخص فروا إلى دول الجوار، وسط ضغوط هائلة على البنية الأساسية والخدمات. كما حذرت الأمم المتحدة من استمرار الانتهاكات وتصاعد المخاطر على المدنيين، خصوصًا في دارفور وكردفان.
من هذه الزاوية، يمكن فهم إصرار القاهرة على أولوية التفاوض: فاستمرار المعارك لا يهدد السودان وحده، بل ينعكس على توازنات القرن الأفريقي وشمال شرق أفريقيا بأكملهما. كما أن أي فراغ سياسي أو أمني مطول يفتح المجال أمام مزيد من التدخلات الخارجية، وهو ما تتحفظ عليه مصر بصورة معلنة في بياناتها الرسمية.
ليبيا: وحدة المؤسسات قبل أي تسوية دائمة
الملف الليبي حضر بدوره بقوة في الاتصال. وأكد وزير الخارجية أن التحرك المصري في ليبيا يقوم على الحفاظ على وحدة البلاد وسيادتها وسلامة أراضيها، مع دعم وحدة المؤسسات الوطنية، وتهيئة الظروف اللازمة لدفع العملية السياسية وإنهاء حالة الانقسام. كما شددت القاهرة على أن أي تسوية ينبغي أن تعبر عن إرادة الليبيين أنفسهم، بما يفضي إلى استقرار مستدام.
هذا الموقف يتطابق مع ما تكرره مصر منذ أشهر في اتصالاتها مع الشركاء الدوليين: ضرورة إنجاز تسوية سياسية ليبية-ليبية، تقود إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة، بدل إطالة المرحلة الانتقالية. وتؤكد بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا أن ولايتها الحالية تركز على دعم عملية سياسية جامعة، وتيسير الانتخابات، والمساعدة على توحيد مؤسسات الدولة ومنع تجدد النزاع. كما أشار تقرير أممي عن تطورات ليبيا حتى 31 مارس 2026 إلى استمرار الجهد الدولي لدفع خريطة طريق سياسية تستهدف توحيد المؤسسات الوطنية وإجراء انتخابات وإنهاء المرحلة الانتقالية الممتدة.
وبالنسبة لمصر، تظل ليبيا ملفًا أفريقيًا ذا أولوية قصوى، ليس فقط بحكم الجوار الجغرافي، بل أيضًا لتداخل الأمن الحدودي مع فرص الاستقرار الاقتصادي وإعادة الإعمار في غرب الجوار المصري.
اليمن والأزمة الإيرانية: الدبلوماسية وأمن الملاحة
الاتصال تناول أيضًا الملف اليمني والأزمة المرتبطة بإيران، وهي نقطة تعكس اتساع نطاق المشاورات المصرية-الأمريكية من أفريقيا إلى الممرات البحرية الحيوية المرتبطة بأمن المنطقة. ووفق ما نشرته وزارة الخارجية المصرية ووسائل إعلام مصرية رسمية، شدد الجانبان على أهمية خفض التصعيد، والتعامل مع الأزمات عبر القنوات السياسية والدبلوماسية، مع حماية أمن الملاحة وحرية المرور البحري وفق قواعد القانون الدولي.
وفي ما يخص اليمن، ما زالت الأمم المتحدة تعتبر أن العملية السياسية يجب أن تبقى يمنية-القيادة وبرعاية أممية، مع استمرار المساعي التي يقودها المبعوث الأممي هانس غروندبرغ لاستئناف مسار تفاوضي شامل. كما أبلغ المبعوث مجلس الأمن في يونيو 2026 بأن الهدوء النسبي داخل اليمن، المستمر منذ هدنة 2022، ما زال قائمًا رغم التعقيدات الإقليمية التي أثرت سلبًا على فرص التقدم السياسي.
أما على صعيد الملاحة، فبرزت أهمية مضيق هرمز في ضوء التطورات الأخيرة. وكانت المنظمة البحرية الدولية قد دعت، في بيانات متتالية خلال 2026، إلى ضمان المرور الآمن وغير المعاق للسفن، والعمل على استعادة حرية الملاحة في المضيق، محذرة من تداعيات التوترات على البحارة وسلاسل الإمداد العالمية. وهذه النقطة لها أهمية مباشرة بالنسبة لمصر، لأن أي اضطراب ممتد في هذا المسار ينعكس على حركة التجارة والطاقة وأسواق الشحن، وهي ملفات ترتبط كذلك بقناة السويس والاقتصاد الإقليمي.
ماذا تقول هذه الرسائل عن المقاربة المصرية؟
قراءة مجمل الرسائل الصادرة عن الاتصال تكشف أن القاهرة تحاول تثبيت ثلاثة مبادئ رئيسية في تعاملها مع أزمات أفريقيا والمحيط الإقليمي:
- أولًا: رفض تفكيك الدول الوطنية أو القفز فوق مؤسساتها الشرعية.
- ثانيًا: تفضيل التسويات السياسية التفاوضية على الحلول العسكرية المفتوحة.
- ثالثًا: الربط بين أمن الإقليم وأمن الممرات البحرية، باعتبارهما وجهين للاستقرار نفسه.
ويظهر الدكتور بدر عبد العاطي في واجهة هذا التحرك الدبلوماسي بوصفه المسؤول المصري المعني بإدارة ملفات متشابكة تمس أفريقيا والشرق الأوسط معًا. ووفق السيرة الرسمية المنشورة على موقع وزارة الخارجية، يشغل عبد العاطي منصب وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، ويتولى منذ توليه الحقيبة إدارة اتصالات مكثفة تتصل بالأزمات الإقليمية الكبرى.
في المحصلة، لا يقدم الاتصال المصري-الأمريكي اختراقًا فوريًا في أزمات السودان أو ليبيا أو اليمن، لكنه يعيد تثبيت محددات الموقف المصري في توقيت بالغ الحساسية. فبالنسبة للقاهرة، يظل الحوار هو الطريق الأقصر إلى وقف النزيف السوداني، كما أن استقرار ليبيا لا ينفصل عن توحيد مؤسساتها، فيما لا يمكن فصل أمن البحر والممرات الحيوية عن جهود خفض التصعيد السياسي. وبين هذه الملفات جميعًا، تبقى أفريقيا — وبخاصة السودان وليبيا — في قلب الحسابات المصرية خلال المرحلة الحالية.