Akhbar Cairo

عبد العاطي: قناة السويس ركيزة أساسية في أي ممرات لوجستية جديدة

قناة السويس في قلب الحسابات المصرية

أكد الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، أن قناة السويس تمثل عنصرًا لا يمكن تجاوزه في أي مبادرات تتعلق بإنشاء ممرات لوجستية أو استراتيجية جديدة في المنطقة، مشيرًا إلى أن الدولة المصرية تتعامل مع هذا الملف باعتباره قضية ترتبط مباشرة بالمصالح الاقتصادية والأمن القومي. ويأتي هذا الموقف في وقت تتزايد فيه النقاشات الدولية حول سلاسل الإمداد وخطوط التجارة البديلة، على خلفية الاضطرابات التي أصابت الملاحة في عدد من الممرات البحرية الحيوية.

تصريحات الوزير جاءت خلال مداخلة تلفزيونية تناول فيها تطورات ملف الممرات الاستراتيجية، موضحًا أن القاهرة لا تتابع هذه التحولات من بعيد، بل تديرها عبر آليات مؤسسية متخصصة داخل وزارة الخارجية، إلى جانب لجنة وطنية تتولى التنسيق مع الجهات المعنية في الدولة.

تحرك مؤسسي داخل وزارة الخارجية

البيانات الرسمية المنشورة على موقع وزارة الخارجية المصرية تُظهر أن الوزارة شهدت خلال الفترة الأخيرة تطويرًا هيكليًا وتوسيعًا في ملفات المتابعة السياسية والاقتصادية، بما يعكس توجهًا أكبر لربط العمل الدبلوماسي بالأولويات التنموية والاقتصادية للدولة. كما يوضح الهيكل التنظيمي الحالي أن الدكتور بدر عبد العاطي يشغل منصب وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، فيما تواصل الوزارة العمل عبر قطاعات متخصصة معنية بالملفات الإقليمية والدولية والاقتصادية. ويمكن الإشارة هنا إلى الحساب الرسمي للوزارة على إنستغرام (@egyptmfa) بوصفه أحد منافذها المعتمدة لنشر الأنشطة والبيانات الرسمية.

حديث عبد العاطي عن وجود إدارة كاملة مختصة بالممرات الاستراتيجية داخل الوزارة، إلى جانب لجنة وطنية برئاسة الخارجية، يعكس أن القاهرة تتعامل مع التحولات الجارية باعتبارها ملفًا دائمًا لا يرتبط فقط برد فعل على أزمة عابرة، بل بمنظور استباقي يهدف إلى حماية موقع مصر في التجارة الدولية وربط السياسة الخارجية بالمصالح الاقتصادية المباشرة.

لماذا تركز مصر على هذا الملف الآن؟

السبب الرئيسي يعود إلى أن أمن الممرات البحرية لم يعد مسألة فنية تخص النقل فقط، بل بات جزءًا من توازنات السياسة والاقتصاد والطاقة. وخلال الأيام الماضية، أكدت الخارجية المصرية في اتصالات إقليمية أهمية حماية الملاحة عبر مضيق هرمز وضمان استمرار تدفق التجارة والطاقة دون انقطاع، وهو ما يوضح أن القاهرة تنظر إلى أمن الممرات البحرية باعتباره ملفًا مترابطًا يبدأ من الخليج العربي ولا ينتهي عند البحر الأحمر وقناة السويس.

هذا الربط مهم بالنسبة لمصر، لأن أي اضطراب واسع في حركة التجارة العالمية ينعكس بصورة مباشرة على القناة، سواء من حيث أعداد السفن العابرة أو من حيث الإيرادات الدولارية وخدمات التموين والإرشاد واللوجستيات المرتبطة بها. ولذلك فإن الرسالة الأساسية في تصريحات عبد العاطي تبدو واضحة: مصر لا ترى الممرات الجديدة بديلًا عن قناة السويس، بل تعتبر أن القناة يجب أن تكون جزءًا من أي تصور جاد لإعادة تشكيل شبكات النقل والتجارة.

قناة السويس بين الضغوط والقدرة على التكيف

الأرقام الرسمية الصادرة عن هيئة قناة السويس تؤكد أن المرفق الملاحي الأهم في مصر يمر بمرحلة إعادة تموضع وسط تحديات إقليمية كبيرة. ووفق الهيئة، سجلت القناة منذ بداية عام 2026 وحتى أوائل فبراير عبور 1315 سفينة بحمولات صافية بلغت 56 مليون طن، محققة إيرادات قدرها 449 مليون دولار، مقابل 1243 سفينة و47 مليون طن وإيرادات 368 مليون دولار خلال الفترة المقارنة من العام السابق، بما يعكس تحسنًا نسبيًا في المؤشرات التشغيلية خلال تلك المرحلة.

وفي الوقت نفسه، تُظهر بيانات أخرى صادرة عن الهيئة ومركز المعلومات التابع للدولة أن قناة السويس تعرضت لتأثيرات حادة بسبب التوترات الإقليمية في البحر الأحمر. فقد انخفضت إيرادات القناة في عام 2024 إلى نحو 3.991 مليار دولار، مقارنة مع 10.250 مليار دولار في 2023، وهو العام الذي سجل أعلى إيراد سنوي في تاريخ القناة. كما أشارت تقديرات رسمية لاحقة إلى توقعات بتحسن الإيرادات إلى 4.2 مليار دولار بنهاية 2025، مع تقديرات أكثر تفاؤلًا بالوصول إلى نحو 8 مليارات دولار في العام المالي 2026/2027 إذا استمرت عودة الاستقرار إلى المنطقة.

رسالة القاهرة: لا بديل عن الموقع المصري

من الناحية السياسية، تحمل تصريحات وزير الخارجية رسالة موجهة إلى الداخل والخارج معًا. فداخليًا، تؤكد الدولة أنها تتابع ملف الممرات الاستراتيجية عبر مؤسسات متخصصة، وأنها لا تنتظر ظهور مبادرات إقليمية أو دولية ثم تتحرك بعدها. وخارجيًا، تشير الرسالة إلى أن الموقع الجغرافي المصري، وفي مقدمته قناة السويس، لا يزال يملك ميزة يصعب تجاوزها مهما تعددت المشروعات أو الأفكار الخاصة بممرات بديلة.

هذا التقدير ينسجم أيضًا مع تصريحات متكررة لرئيس هيئة قناة السويس الفريق أسامة ربيع، الذي شدد في أكثر من مناسبة على أن القناة لم تعد مجرد مجرى ملاحي، بل منظومة لوجستية متكاملة تعمل على تطوير خدماتها، وتوسيع قدرتها التنافسية، ومواكبة التحول الرقمي، وتقديم حوافز تسويقية مرنة لجذب الخطوط الملاحية.

شبكة الممرات داخل مصر تعزز موقع القناة

وفي السياق نفسه، تواصل الدولة التوسع في إنشاء ممرات لوجستية داخلية تربط مناطق الإنتاج بالموانئ البحرية. وكان الفريق كامل الوزير قد أعلن في مارس 2026 أن وزارة النقل تخطط لإنشاء 7 ممرات لوجستية رئيسية تنفيذًا لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي لتحويل مصر إلى مركز إقليمي للنقل واللوجستيات وتجارة الترانزيت. ومن بين هذه الممرات: طابا–العريش، والسخنة–الدخيلة/الإسكندرية، وسفاجا–قنا–أبو طرطور، وطنطا–المنصورة–دمياط، إضافة إلى مسارات أخرى تستهدف رفع كفاءة حركة البضائع داخل البلاد.

أهمية هذه المشروعات أنها لا تنافس قناة السويس، بل تكمل دورها. فكلما تحسنت قدرة مصر على نقل البضائع من الموانئ إلى المناطق الصناعية واللوجستية، زادت قيمة القناة ضمن منظومة أوسع تشمل الموانئ والسكك الحديدية والمناطق الاقتصادية والخدمات البحرية.

  • قناة السويس تظل الشريان الملاحي الأهم في مصر.
  • الخارجية المصرية تؤكد وجود آلية مؤسسية لمتابعة ملف الممرات الاستراتيجية.
  • أمن الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر يرتبط مباشرة بمصالح القاهرة.
  • الممرات اللوجستية الداخلية تدعم تنافسية مصر ولا تنتقص من دور القناة.

خلاصة المشهد

في ضوء التصريحات الأخيرة، تبدو الرؤية المصرية قائمة على معادلة واضحة: الانفتاح على التحولات العالمية في التجارة والنقل، مع التمسك بأن قناة السويس ليست تفصيلًا يمكن تجاوزه في أي هندسة جديدة للممرات اللوجستية. وبينما تسعى القاهرة إلى تأمين الملاحة الإقليمية، وتطوير الدبلوماسية الاقتصادية، وتوسيع بنيتها اللوجستية الداخلية، فإنها تراهن في الوقت نفسه على أن القناة ستبقى ورقة استراتيجية رئيسية في الاقتصاد المصري وفي حركة التجارة بين الشرق والغرب.