عبد العاطي: مصر ترفض عرقلة خطة غزة وتنسق مع تركيا بشأن السودان
مصر تؤكد ثوابتها في غزة وتوسع التنسيق الإقليمي
جدد الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والهجرة وشئون المصريين بالخارج، موقف القاهرة الرافض لأي سياسات أو ممارسات من شأنها تعطيل تنفيذ الترتيبات الخاصة بقطاع غزة، مشدداً على أن نجاح أي مسار سياسي أو إنساني يرتبط بوفاء إسرائيل بما عليها من التزامات، وبضمان تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق إلى سكان القطاع. ويأتي هذا الموقف في وقت تواصل فيه الدبلوماسية المصرية تحركاتها المكثفة على أكثر من ملف إقليمي متشابك، يتصدرها كل من غزة والسودان.
تصريحات عبد العاطي جاءت في سياق مباحثاته واتصالاته مع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، وهي اتصالات عكست تقارباً واضحاً في الرؤى بين القاهرة وأنقرة إزاء عدد من أزمات المنطقة، وفي مقدمتها الحرب في غزة والتطورات المتسارعة في السودان. وتُظهر البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الخارجية المصرية أن الجانبين بحثا بصورة متكررة خلال عامي 2025 و2026 سبل دعم الاستقرار الإقليمي، مع تركيز خاص على وقف إطلاق النار في غزة، والتعامل مع التداعيات الإنسانية، ودفع جهود إعادة الإعمار، إلى جانب العمل لمنع اتساع دائرة الصراع في السودان.
غزة في صدارة التحرك المصري
الطرح المصري في ملف غزة يرتكز على عدة محددات ثابتة: وقف إطلاق النار، النفاذ الكامل للمساعدات، إطلاق مسار التعافي المبكر، ثم إعادة الإعمار مع الحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية ورفض أي ترتيبات تنتقص من الحقوق الفلسطينية أو تغير الواقع الديموغرافي والجغرافي للقطاع. وفي اتصالات رسمية سابقة، شدد عبد العاطي على أن أي تقدم حقيقي يتطلب ضغطاً دولياً على إسرائيل لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، بما يسهم في تخفيف الكارثة الإنسانية التي يعيشها المدنيون الفلسطينيون.
كما أكدت الخارجية المصرية في أكثر من مناسبة أهمية الانتقال إلى مرحلة التعافي المبكر فور تثبيت وقف إطلاق النار، وهو ما تكرر أيضاً في المشاورات المصرية التركية. وبحسب بيان رسمي مصري، ناقش الوزيران الخطوات المقبلة لحشد الدعم الدولي للخطة العربية الإسلامية الخاصة بالتعافي المبكر وإعادة إعمار غزة، فضلاً عن ترتيبات مؤتمر القاهرة الدولي لإعادة إعمار القطاع فور التوصل إلى اتفاق لوقف النار.
ومن زاوية مصرية داخلية، يحظى هذا الملف باهتمام واسع لدى الرأي العام، لا سيما مع استمرار الدور المصري في الوساطة، واستقبال الجرحى، والتعامل مع الأبعاد الإنسانية والأمنية للأزمة. ولذلك تبدو تصريحات عبد العاطي امتداداً لرسالة مصرية متماسكة: لا حل عبر المماطلة، ولا استقرار من دون تنفيذ الالتزامات، ولا جدوى من أي خطة لا تضمن بقاء غزة قابلة للحياة.
السودان.. ملف حاضر بقوة في المباحثات المصرية التركية
إلى جانب غزة، أوضح عبد العاطي أن الأزمة السودانية كانت من الملفات التي نوقشت بكثافة وعمق مع هاكان فيدان. وهذه الإشارة تحمل دلالة مهمة بالنسبة لمصر، بحكم الارتباط المباشر بين أمن السودان والأمن القومي المصري، سواء على مستوى الحدود، أو الاستقرار الإقليمي، أو حركة اللاجئين، أو أمن البحر الأحمر، أو ملف المساعدات الإنسانية.
البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الخارجية المصرية تُظهر أن القاهرة تواصل التأكيد على دعم وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، وعلى ضرورة التوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار، بما يحفظ مقدرات الدولة السودانية ويضع حداً لمعاناة المدنيين. كما شددت مصر في لقاءات سابقة على تسهيل انتقال المساعدات عبر المعابر المرتبطة بالسودان، وعلى مساندة كل جهد جاد يستهدف استعادة الأمن والاستقرار هناك.
وفي هذا السياق، تبدو المشاورات مع تركيا جزءاً من مسار أوسع لتنسيق المواقف مع القوى الإقليمية الفاعلة. ووفقاً لما أعلنته الخارجية المصرية، فإن القاهرة وأنقرة تبادلتا التقديرات بشأن عدد من القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها السودان، مع التأكيد على ضرورة تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لدعم الاستقرار ومنع تفاقم الأوضاع الإنسانية والأمنية.
ما الذي يجمع بين ملفي غزة والسودان في الرؤية المصرية؟
رغم اختلاف طبيعة الأزمتين، فإن المقاربة المصرية في الحالتين تقوم على عناصر مشتركة، أبرزها:
- رفض الحلول العسكرية بوصفها سبباً في تعميق الأزمات لا إنهائها.
- أولوية البعد الإنساني من خلال تسهيل إدخال المساعدات وحماية المدنيين.
- دعم الدولة الوطنية والحفاظ على وحدة الأراضي ورفض محاولات التفكيك.
- تعزيز العمل الإقليمي المشترك مع دول مؤثرة مثل تركيا لدفع التسويات السياسية.
- التمسك بالقانون الدولي كأساس لتنظيم المسؤوليات والالتزامات.
هذه المحددات ظهرت بوضوح في أكثر من كلمة وبيان رسمي لوزير الخارجية المصري، سواء في ما يتعلق بفلسطين أو السودان، بما يعكس توجهاً دبلوماسياً يربط بين أمن الجوار المباشر ومصالح مصر الاستراتيجية.
زخم في العلاقات المصرية التركية
المباحثات بين عبد العاطي وهاكان فيدان لا يمكن فصلها عن التحسن الملحوظ في العلاقات المصرية التركية خلال الفترة الأخيرة. فقد أظهرت الأجندة الرسمية للقاءات والمؤتمرات الصحفية أن التواصل بين وزيري خارجية البلدين أصبح أكثر انتظاماً، سواء عبر الاتصالات الهاتفية أو اللقاءات المباشرة أو المؤتمرات الصحفية المشتركة. وتوثق وزارة الخارجية المصرية مؤتمراً صحفياً جمع الوزيرين في 9 أغسطس 2025، في مؤشر على استمرار التنسيق السياسي بين البلدين في ملفات المنطقة.
كما أشارت تقارير إعلامية موثوقة إلى أن الجانبين عملا على التحضير لاجتماعات أوسع ضمن آليات التعاون الاستراتيجي، بما يشمل ملفات إعادة إعمار غزة والقضايا الإقليمية الأخرى. هذا المسار يمنح القاهرة مساحة أكبر لبناء تفاهمات مع شركاء إقليميين مؤثرين، خصوصاً في القضايا المرتبطة بالأمن والاستقرار في الشرق الأوسط وشرق المتوسط والبحر الأحمر.
رسالة القاهرة: لا تهدئة بلا التزام ولا استقرار بلا تسوية
خلاصة الموقف المصري، كما تعكسه تصريحات بدر عبد العاطي وتحركاته الرسمية، أن القاهرة تنظر إلى ملف غزة باعتباره اختباراً حقيقياً لمدى قدرة المجتمع الدولي على فرض احترام الالتزامات الإنسانية والسياسية، فيما تنظر إلى السودان باعتباره ساحة لا تحتمل مزيداً من التفكك أو الفراغ. لذلك فإن مصر تتحرك على المسارين معاً: الضغط من أجل تنفيذ استحقاقات غزة، وتكثيف التشاور مع القوى الإقليمية من أجل دعم استقرار السودان.
وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذه الرسائل لا تقتصر على بعدها الدبلوماسي فقط، بل ترتبط مباشرة بمصالح مصر وأمنها القومي، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية تتطلب أعلى درجات التنسيق والحذر السياسي. وبين غزة والسودان، تواصل القاهرة تأكيد موقعها كطرف رئيسي في إدارة الأزمات الإقليمية والدفع نحو حلول سياسية قابلة للاستمرار.