Akhbar Cairo

عبد العاطي والنفطي: تنسيق مصري تونسي حول غزة وليبيا

مباحثات في القاهرة تعكس أولوية التنسيق المصري التونسي

جددت القاهرة وتونس تأكيدهما على متانة العلاقات الثنائية، خلال لقاء جمع الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، مع محمد علي النفطي، وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، على هامش أعمال المؤتمر السابع لوكالات التعاون بالدول الأعضاء في البنك الإسلامي للتنمية الذي استضافته القاهرة يوم الأحد 6 سبتمبر 2026. اللقاء حمل بعدين متوازيين: أولهما اقتصادي وتنموي يتعلق بتفعيل ما اتفق عليه البلدان في الأطر المشتركة، وثانيهما سياسي يرتبط بملفات إقليمية ضاغطة في مقدمتها غزة وليبيا والسودان.

ويأتي هذا التحرك ضمن مسار مصري ثابت يركز على توسيع دوائر التنسيق مع الدول العربية الشقيقة، لا سيما دول الجوار الإقليمي وشمال أفريقيا، في وقت تشهد فيه المنطقة تحديات أمنية وإنسانية متشابكة تتطلب مشاورات مستمرة ومواقف أكثر تقاربًا.

العلاقات المصرية التونسية: من الروابط التاريخية إلى الملفات التنفيذية

بحسب ما أعلنته وزارة الخارجية المصرية (@egyptmfa على إنستغرام)، شدد الوزيران على خصوصية العلاقة بين البلدين، وعلى أن الروابط التاريخية والشعبية بين مصر وتونس باتت مدعومة أيضًا بأجندة عمل تنفيذية أوسع في الاقتصاد والاستثمار والتنمية. كما ثمنا نتائج الدورة الثامنة عشرة للجنة العليا المصرية التونسية المشتركة التي عقدت في القاهرة يوم 11 سبتمبر 2025 برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي ورئيسة الحكومة التونسية سارة الزعفراني، وهي الدورة التي مثّلت محطة مهمة لتحديث ملفات التعاون بين الجانبين.

وتشير البيانات الرسمية المصرية إلى أن اجتماعات اللجنة العليا في سبتمبر 2025 ناقشت التعاون في مجالات التجارة والاستثمار والنقل والشباب وغيرها، كما شهدت توقيع وثائق وبرامج تعاون متعددة. هذا السياق يفسر حرص القاهرة وتونس في لقاء وزيري الخارجية على عدم الاكتفاء بالرسائل السياسية العامة، بل البناء على ما صدر سابقًا من تفاهمات قابلة للتنفيذ، خاصة في الملفات الاقتصادية التي تمس مصالح المواطنين والشركات في البلدين.

لماذا يهم هذا الملف القارئ المصري؟

من الزاوية المصرية، فإن تطوير العلاقات مع تونس لا يقتصر على البعد الدبلوماسي، بل يرتبط كذلك بفرص التبادل التجاري، وتعزيز حضور الشركات المصرية، والاستفادة من مسارات التعاون جنوب-جنوب داخل القارة الأفريقية والمؤسسات الإقليمية والدولية. كما أن انتظام اللجان المشتركة يفتح المجال أمام معالجة ملفات عملية تشمل الحركة القنصلية، وتسهيل التواصل بين رجال الأعمال، وتوسيع التعاون القطاعي.

وكانت الخارجية المصرية قد أشارت أيضًا في لقاء سابق بين الوزيرين يوم 10 سبتمبر 2026 على هامش اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري، إلى أهمية الحفاظ على دورية اللجان الثنائية ومواصلة التنسيق في القضايا الإقليمية، وهو ما يعكس أن التواصل بين الجانبين لم يكن مناسبة عابرة بل جزءًا من تشاور مستمر.

غزة في صدارة المشاورات السياسية

الملف الفلسطيني، وبالأخص تطورات قطاع غزة، حضر بقوة في المحادثات المصرية التونسية. فمصر تواصل منذ شهور تحركاتها الدبلوماسية والإنسانية المرتبطة بالسعي لخفض التصعيد، ودفع جهود وقف إطلاق النار، وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية. وفي لقاء 10 سبتمبر 2026، استعرض عبد العاطي أمام نظيره التونسي الجهود المصرية الهادفة إلى دعم التهدئة وضمان نفاذ الإغاثة إلى القطاع، وهو ما ينسجم مع الدور المصري التقليدي في هذا الملف.

كما أظهرت مباحثات أخرى معلنة بين الوزيرين في عامي 2025 و2026 أن القاهرة تعتبر التنسيق العربي حول غزة عنصرًا أساسيًا لتقوية الموقف الداعي إلى وقف الأعمال العسكرية، ومنع تفاقم الكارثة الإنسانية، وتهيئة المجال أمام ترتيبات الاستقرار وإعادة الإعمار. ومن منظور مصري، فإن أي تفاهم عربي أوسع حول غزة يكتسب أهمية مضاعفة بسبب اتصال القضية بالأمن القومي الإقليمي، وبالجهود الجارية في المحافل العربية والدولية.

ليبيا: أولوية مشتركة لدول الجوار

في الملف الليبي، بدا التوافق المصري التونسي واضحًا. فقد أكد الوزيران أهمية الحفاظ على وحدة الدولة الليبية وسيادتها وسلامة أراضيها، مع دعم مسار التسوية السياسية الشاملة بقيادة وملكية ليبية. كما أعاد الجانب المصري التشديد على أهمية آلية دول الجوار الثلاثية التي تضم مصر وتونس والجزائر، باعتبارها إطارًا مهمًا لتنسيق المواقف ودعم الاستقرار في ليبيا.

هذا الطرح يحمل وزنًا خاصًا بالنسبة للقاهرة، لأن استقرار ليبيا يرتبط مباشرة بأمن الحدود الغربية المصرية، وبالحد من مخاطر الفوضى وانتقال التهديدات العابرة للحدود. كما أن تونس، بوصفها دولة جوار مباشر لليبيا، تشارك مصر القناعة بأن الحل المستدام لا يمكن أن يقوم إلا على مؤسسات وطنية موحدة، وتمهيد الطريق أمام استحقاقات انتخابية تنهي الانقسام القائم.

وفي لقاءات سابقة معلنة من وزارة الخارجية المصرية، شدد عبد العاطي على ضرورة استمرار انعقاد الآلية الثلاثية بانتظام، بما يحفظ دور دول الجوار في مقاربة الأزمة الليبية ويمنحها مساحة أكبر لدعم التسوية السياسية بعيدًا عن أي مسارات تزيد تعقيد المشهد.

السودان: دعم الاستقرار ووحدة الدولة

الوزيران تناولا أيضًا تطورات الوضع في السودان، حيث تبادل الجانبان الرؤى حول سبل دعم أمن السودان واستقراره ووحدته وسيادته والحفاظ على مؤسساته الوطنية. الموقف المصري المعلن في هذا الملف يقوم على دعم الدولة السودانية ورفض أي مساس بوحدة أراضيها، إلى جانب تشجيع الجهود السياسية والإنسانية التي تخفف من معاناة المدنيين وتدفع نحو تسوية للأزمة.

وبالنسبة لمصر، يظل السودان ملفًا ذا حساسية عالية على المستويات الإنسانية والأمنية والاستراتيجية، لذلك فإن إدراجه ضمن أجندة المشاورات مع تونس يعكس رغبة القاهرة في بناء أرضية عربية داعمة للحلول السياسية، وبعيدة عن منطق الاستقطاب أو إطالة أمد الصراع.

دلالة التوقيت ورسائل القاهرة

أهمية اللقاء لا ترتبط فقط بالموضوعات التي ناقشها، بل أيضًا بتوقيته. فانعقاده في القاهرة على هامش مؤتمر دولي للتعاون يعكس محاولة مصر الربط بين الدبلوماسية السياسية والدبلوماسية التنموية في آن واحد. بمعنى آخر، القاهرة تتحرك لتثبيت فكرة أن مواجهة أزمات المنطقة لا تنفصل عن دفع الشراكات الاقتصادية، ولا عن تنسيق المواقف داخل المؤسسات العربية والأفريقية والدولية.

  • رسالة أولى: العلاقات المصرية التونسية تتجه نحو متابعة تنفيذية أوسع بعد لجنة سبتمبر 2025.
  • رسالة ثانية: القاهرة تتمسك بالتشاور العربي في ملفات غزة وليبيا والسودان.
  • رسالة ثالثة: البعد الاقتصادي حاضر بقوة إلى جانب التشاور السياسي، وليس منفصلًا عنه.

خلاصة المشهد

في المجمل، يكشف لقاء بدر عبد العاطي ومحمد علي النفطي عن مسار متصاعد في العلاقات المصرية التونسية، يقوم على الجمع بين المصالح الاقتصادية والتوافق السياسي. فبينما تسعى القاهرة وتونس إلى تفعيل مخرجات اللجنة العليا المشتركة وتوسيع مجالات التعاون، فإنهما في الوقت نفسه تحرصان على تنسيق المواقف حيال أكثر الملفات سخونة في الإقليم، من غزة إلى ليبيا والسودان.

وبالنسبة للمتابع المصري، فإن أهمية هذه المباحثات تتجاوز البروتوكول الدبلوماسي المعتاد؛ إذ ترتبط مباشرة بمكانة مصر الإقليمية، وبإدارة ملفات تمس الأمن القومي، وبفرص تعاون عربي يمكن أن ينعكس على الاقتصاد والتنمية والاستقرار في المنطقة ككل.