عبد العاطي ودي مايو يناقشان اليمن وإيران وأمن الملاحة
تحرك مصري في نيويورك لبحث أزمات الخليج واليمن
في إطار النشاط الدبلوماسي المصري خلال اجتماعات الأمم المتحدة، عقد الدكتور بدر عبد العاطي وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، لقاءً في نيويورك مع لويجي دي مايو، المبعوث الأوروبي الخاص لمنطقة الخليج، على هامش الشق رفيع المستوى للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة. اللقاء جاء في توقيت إقليمي شديد الحساسية، مع استمرار التوترات المرتبطة بملف اليمن، والتصعيد المحيط بإيران، والاهتمام الدولي بأمن الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر.
وبحسب ما أعلنته وزارة الخارجية المصرية، تناولت المباحثات عدداً من القضايا الإقليمية، في مقدمتها تطورات الأوضاع في اليمن، والأزمة الإيرانية، والوضع في مضيق هرمز. كما شدد الوزير المصري على أهمية خفض التصعيد والعودة إلى المسار السياسي والمفاوضات، بما يدعم الأمن والاستقرار في المنطقة، مع التأكيد على ضرورة ضمان أمن وحرية الملاحة البحرية وفقاً لقواعد القانون الدولي.
من هو المبعوث الأوروبي الذي التقى وزير الخارجية؟
الشخصية الأوروبية التي شاركت في اللقاء هي لويجي دي مايو، وهو سياسي إيطالي يشغل منصب المبعوث الخاص للاتحاد الأوروبي لمنطقة الخليج منذ 1 يونيو 2023، بعد تعيينه بقرار من مجلس الاتحاد الأوروبي. وتتمثل مهمته في دعم بناء شراكة أوروبية أكثر انتظاماً مع دول الخليج، ومتابعة الملفات السياسية والأمنية ذات الصلة بالإقليم، وهو ما يفسر أهمية لقائه مع وزير الخارجية المصري في هذا الظرف الإقليمي المعقد.
اليمن في صدارة النقاش المصري الأوروبي
الملف اليمني احتل مساحة رئيسية في المحادثات. وتوضح المواقف الرسمية المصرية أن القاهرة ترى في استقرار اليمن جزءاً مباشراً من أمن البحر الأحمر والأمن القومي العربي، كما تعتبر أن استمرار التدهور الإنساني هناك يفرض تحركاً دولياً أكثر جدية. وفي بيان سابق لوزارة الخارجية المصرية حول اللقاء نفسه، أكدت القاهرة دعمها لوحدة الدولة اليمنية واستقلالها وسلامة أراضيها، مع الدعوة إلى دور أوروبي أكبر في الحد من الأزمة الإنسانية وتمويل برامج الإغاثة الأممية الموجهة للشعب اليمني.
هذا التركيز المصري ليس منفصلاً عن المصالح الاستراتيجية الأوسع؛ فالتوترات المرتبطة باليمن انعكست خلال الفترات الماضية على خطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر، وهو ما يمس مباشرة حركة التجارة العابرة وقناة السويس، التي تمثل مرفقاً حيوياً للاقتصاد المصري وللتجارة العالمية.
الأزمة الإيرانية ومضيق هرمز: لماذا تهتم القاهرة؟
الشق الآخر من المحادثات تعلق بالتطورات الخاصة بإيران، وهي قضية ترتبط بعدة دوائر في السياسة الخارجية المصرية، من بينها أمن الخليج، واحتواء التصعيد العسكري، والحفاظ على تدفق الطاقة والتجارة. كما أن مضيق هرمز يظل أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، وأي اضطراب فيه ينعكس سريعاً على أسواق النفط والشحن والتأمين البحري.
وخلال الأيام الأخيرة، أعادت القاهرة في أكثر من مناسبة التأكيد على أولوية التهدئة الإقليمية. ففي إحاطة موسعة عقدها الوزير بدر عبد العاطي لمسؤولي ومراسلي وسائل إعلام أجنبية وإقليمية في سبتمبر 2026، شدد على ضرورة ضمان أمن وسلامة الملاحة البحرية في مضيق هرمز بما يضمن انسياب التجارة وإمدادات الطاقة الدولية، وهو موقف ينسجم مع الرسائل التي حملها لقاؤه مع دي مايو في نيويورك.
اللقاء يأتي خلال أسبوع أممي مزدحم
انعقد الاجتماع على هامش أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، التي افتتحت رسمياً في 8 سبتمبر 2026، بينما تمتد فعاليات الأسبوع رفيع المستوى في نيويورك بين 22 و29 سبتمبر 2026، وفق البرنامج الرسمي للأمم المتحدة. وتُعد هذه الفترة من أكثر المحطات نشاطاً في الأجندة الدبلوماسية العالمية، إذ تشهد لقاءات ثنائية ومتعددة الأطراف حول النزاعات الإقليمية والطاقة والأمن الدولي.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة اللقاء المصري الأوروبي باعتباره جزءاً من تحرك أوسع تسعى من خلاله القاهرة إلى تثبيت موقعها كطرف رئيسي في جهود التهدئة الإقليمية، وخاصة في الملفات المرتبطة بالبحر الأحمر والخليج وطرق الملاحة.
خلفية أوسع: شراكة مصرية أوروبية تتجاوز السياسة
ورغم أن بيان اللقاء ركز بالأساس على اليمن وإيران ومضيق هرمز، فإن التحركات المصرية الأوروبية الجارية تُبنى على إطار أوسع من العلاقات الثنائية. فقد تم في 17 مارس 2024 الارتقاء بالعلاقات بين مصر والاتحاد الأوروبي إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية والشاملة، وهو تطور وصفته القاهرة وبروكسل بأنه خطوة مفصلية لربط قضايا الاستقرار الإقليمي بالتعاون الاقتصادي والاستثماري والطاقة.
كما أكدت وزارة الخارجية المصرية في سبتمبر 2026 أن العلاقات مع الاتحاد الأوروبي تشهد زخماً متصاعداً منذ هذا التحول، مع البناء على نتائج القمة المصرية الأوروبية الأولى التي عُقدت في بروكسل في أكتوبر 2025، والاستعداد لقمة جديدة تستضيفها مصر في 2027. ويشمل هذا المسار ملفات مثل الاستثمار، والطاقة، والهيدروجين الأخضر، والتعاون الفني، إلى جانب التنسيق السياسي حول أزمات المنطقة.
ماذا يعني ذلك بالنسبة لمصر؟
بالنسبة للقارئ المصري، لا تبدو هذه المباحثات بعيدة عن الشأن المحلي كما قد يُظن. فالتوتر في اليمن أو الخليج لا يبقى داخل حدوده الجغرافية؛ بل يؤثر على كلفة الشحن، وسلاسل الإمداد، وأسعار الطاقة، وأمن الملاحة، وحركة التجارة الدولية التي ترتبط بها مصر بصورة مباشرة. ولذلك فإن حرص القاهرة على الحوار مع الأطراف الأوروبية الفاعلة يعكس محاولة لتوسيع دائرة الدعم الدولي لمواقفها القائمة على خفض التصعيد، ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهات أوسع.
كذلك تكشف هذه اللقاءات عن استمرار الرهان المصري على الدبلوماسية كأداة لإدارة الأزمات الإقليمية، سواء عبر الأمم المتحدة أو من خلال الشراكات الثنائية مع الاتحاد الأوروبي والدول العربية والإقليمية. وفي ظل تشابك أزمات البحر الأحمر واليمن وإيران، تبدو القاهرة حريصة على تثبيت معادلة واضحة: لا استقرار إقليمياً من دون مسار سياسي، ولا ازدهار اقتصادياً من دون أمن الملاحة والطاقة.
أبرز ما خرج به اللقاء
- بحث تطورات اليمن مع تأكيد مصري على دعم وحدة الدولة اليمنية وخفض المعاناة الإنسانية.
- مناقشة الأزمة الإيرانية في سياق أوسع يتصل بتهدئة الإقليم والعودة إلى التفاوض.
- التشديد على أمن مضيق هرمز وحرية الملاحة البحرية وفق القانون الدولي.
- انعقاد الاجتماع في نيويورك على هامش الشق رفيع المستوى للدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة.
- استمرار التنسيق المصري الأوروبي في إطار الشراكة الاستراتيجية والشاملة المرفوعة منذ مارس 2024.
في المحصلة، يعكس لقاء بدر عبد العاطي مع لويجي دي مايو استمرار انخراط مصر في معالجة الملفات الإقليمية الأكثر حساسية عبر الدبلوماسية النشطة، مع ربط واضح بين الأمن السياسي من جهة، ومصالح الملاحة والطاقة والاقتصاد من جهة أخرى. وهو مسار يمنح القاهرة هامشاً أوسع للتأثير في نقاشات المنطقة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأزمات تمس مباشرة المصالح المصرية والعربية.