عبد العاطي وعطاف يؤكدان تنسيق مصر والجزائر بشأن ليبيا
مباحثات مصرية جزائرية في القاهرة تضع ليبيا والتعاون الثنائي في الصدارة
في تحرك دبلوماسي يعكس أهمية التنسيق المصري مع دول الجوار العربي والأفريقي، عقد وزير الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج الدكتور بدر عبد العاطي اجتماعًا ثنائيًا مع وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج في الجزائر أحمد عطاف، وذلك يوم 10 سبتمبر 2026 على هامش اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري في القاهرة. اللقاء حمل رسائل سياسية واضحة تتعلق بتوسيع مجالات التعاون بين البلدين، إلى جانب مواصلة التشاور حول القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها تطورات الوضع في ليبيا.
وبحسب ما أعلنته وزارة الخارجية المصرية (@egyptmfa على إنستغرام)، استهل عبد العاطي اللقاء بتهنئة الجانب الجزائري على الانتخابات الرئاسية الأخيرة في الجزائر، مع التأكيد على خصوصية العلاقة بين القاهرة والجزائر، وعمق الروابط التاريخية والسياسية التي تجمع البلدين. كما شدد الجانبان على أهمية البناء على الزخم القائم في العلاقات الثنائية خلال الفترة الأخيرة، بما يدفعها نحو مستوى أكثر استراتيجية على المستويين السياسي والاقتصادي.
لماذا يحمل اللقاء أهمية خاصة لمصر؟
بالنسبة للقاهرة، لا يُنظر إلى العلاقات مع الجزائر باعتبارها فقط علاقة عربية تقليدية بين دولتين شقيقتين، بل باعتبارها أيضًا شراكة مهمة في ملفات الأمن الإقليمي، خصوصًا في شمال أفريقيا. لذلك، يكتسب أي اجتماع بين الوزيرين أهمية إضافية عندما يرتبط بملف معقد مثل ليبيا، التي تمثل بالنسبة لمصر مسألة مباشرة تتعلق بالأمن القومي وحدودها الغربية واستقرار الإقليم ككل.
البيان المصري الرسمي أظهر أن المحادثات لم تتوقف عند حدود المجاملات الدبلوماسية، بل تناولت تصورًا أوسع لتطوير الشراكة الثنائية، استنادًا إلى ما وصفته القاهرة بالرؤية المشتركة لقيادتي البلدين من أجل الارتقاء بالعلاقات إلى مستوى استراتيجي. هذا التوجه ينسجم مع سلسلة اتصالات ولقاءات مصرية جزائرية شهدها عام 2026، سواء على مستوى اللقاءات الثنائية أو ضمن أطر التنسيق العربي والأفريقي.
ليبيا في قلب المشاورات المصرية الجزائرية
الملف الليبي كان حاضرًا بقوة في سياق الاتصالات المصرية الجزائرية خلال الشهور الماضية، وهو ما يمنح هذا اللقاء بُعدًا عمليًا يتجاوز الصياغات البروتوكولية. فمصر والجزائر تؤكدان بصورة متكررة دعمهما للحفاظ على وحدة ليبيا وسيادتها وسلامة أراضيها، مع الدفع نحو حل سياسي ليبي-ليبي يفضي إلى إنهاء الانقسام وإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بالتزامن.
وفي لقاءات رسمية سابقة خلال 2026، شددت القاهرة على أهمية خروج القوات الأجنبية والمرتزقة والمقاتلين الأجانب من ليبيا، واعتبرت أن هذا المسار يمثل عنصرًا ضروريًا لتحقيق الاستقرار المستدام. كما أكدت وزارة الخارجية المصرية في أكثر من مناسبة أهمية استمرار التنسيق بين دول الجوار، والبناء على آليات التشاور الثلاثية التي تضم مصر والجزائر وتونس، باعتبارها إطارًا إقليميًا داعمًا لأي تسوية سياسية داخل ليبيا.
هذا التركيز المصري الجزائري على ليبيا يحمل دلالة مهمة للقارئ المصري؛ فاستقرار الجارة الغربية لا يرتبط فقط بالاعتبارات الدبلوماسية، بل ينعكس أيضًا على ملفات الأمن الحدودي، ومكافحة الإرهاب، وحركة التجارة، وفرص إعادة الإعمار مستقبلًا، وهي قضايا تتابعها القاهرة من منظور عملي ومباشر.
تعاون سياسي واقتصادي يتجاوز الملفات العاجلة
إلى جانب ليبيا، ركز اللقاء على تطوير العلاقات الثنائية بصورة أشمل. ووفق الموقف المصري الرسمي، فإن هناك رغبة في توسيع مجالات التعاون السياسي والاقتصادي، والاستفادة من الموروث التاريخي والثقافي المشترك بين البلدين. وتراهن القاهرة هنا على أن تقاربها مع الجزائر يمكن أن يشكل ركيزة مهمة في دعم العمل العربي المشترك، خاصة في ظل الأزمات المتلاحقة التي تمر بها المنطقة.
كما أن الخطاب الرسمي المصري في هذا النوع من اللقاءات يعكس توجهًا ثابتًا نحو تعزيز التنسيق مع العواصم العربية المؤثرة، ليس فقط في القضايا الثنائية، بل أيضًا في الملفات متعددة الأطراف داخل جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة. والجزائر تظل شريكًا مهمًا في هذا الإطار بحكم ثقلها السياسي والإقليمي، فضلًا عن تلاقي المواقف في عدد من القضايا المتعلقة بالسيادة الوطنية ورفض التدخلات الخارجية.
ماذا قالت القاهرة عن القضايا الإقليمية الأخرى؟
المحادثات المصرية الجزائرية في 10 سبتمبر لم تقتصر على ليبيا. فبحسب بيان وزارة الخارجية، أطلع بدر عبد العاطي نظيره الجزائري على مستجدات الأوضاع في قطاع غزة، والاتصالات التي تجريها مصر مع الأطراف الفاعلة من أجل التوصل إلى وقف لإطلاق النار واحتواء التصعيد الإقليمي. كما ثمّن الوزير المصري الدور الجزائري في دعم القضية الفلسطينية، خاصة خلال عضوية الجزائر غير الدائمة في مجلس الأمن للفترة 2024-2025.
هذا الربط بين ملفي غزة وليبيا في الدبلوماسية المصرية يعكس محاولة القاهرة إدارة شبكة أوسع من الأزمات الإقليمية في وقت واحد، مع الحفاظ على أولوية الأمن والاستقرار في جوارها المباشر. ومن هنا تبدو الجزائر شريكًا مهمًا لمصر في التشاور حول الأزمات العربية، سواء في المشرق أو المغرب العربي.
رسائل اللقاء للقارئ المصري
من زاوية مصرية داخلية، يحمل هذا اللقاء عدة رسائل. أولها أن القاهرة تواصل سياسة التحرك النشط دبلوماسيًا داخل الإطار العربي، خصوصًا في لحظات التوتر الإقليمي. وثانيها أن ليبيا تظل بندًا ثابتًا في أجندة التحركات المصرية الخارجية، بالنظر إلى انعكاساتها المباشرة على الأمن القومي. أما الرسالة الثالثة، فهي أن العلاقات المصرية الجزائرية تشهد بالفعل مسارًا متقدمًا من التنسيق، لا سيما مع تكرار اللقاءات والاتصالات الرسمية خلال العام الجاري.
وفي ظل ما تشهده المنطقة من أزمات متشابكة، تبدو مثل هذه اللقاءات أكثر من مجرد مناسبة بروتوكولية؛ إذ تمثل جزءًا من إدارة سياسية مستمرة لتوازنات الإقليم، ومحاولة لبناء تفاهمات عربية حول بؤر التوتر الأساسية. وبالنسبة لمصر، فإن الحفاظ على قنوات التنسيق المفتوحة مع الجزائر يظل عنصرًا مهمًا في مقاربتها لملفات شمال أفريقيا، وعلى رأسها ليبيا.
خلاصة المشهد
الاجتماع بين بدر عبد العاطي وأحمد عطاف يؤكد استمرار الرهان المصري على الشراكات العربية الفاعلة، وخاصة مع الجزائر، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية. وبينما يتصدر الملف الليبي أولويات التشاور المشترك، فإن مسار العلاقات بين البلدين يبدو متجهًا أيضًا نحو توسيع التعاون السياسي والاقتصادي، بما يعكس رغبة متبادلة في تحويل التقارب السياسي إلى شراكة أكثر رسوخًا. وفي الحسابات المصرية، يبقى استقرار ليبيا، وتعزيز التنسيق مع الجزائر، جزءًا أساسيًا من معادلة الأمن والاستقرار في المنطقة.