Akhbar Cairo

عبد العاطي ومسعد بولس يبحثان هاتفيا دعم استقرار ليبيا

اتصال مصري أمريكي يركز على الملف الليبي

أجرى الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، اتصالا هاتفيا مع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشئون العربية والإفريقية، لبحث التطورات المرتبطة بالوضع في ليبيا، في تحرك يعكس استمرار التنسيق المصري مع الأطراف الدولية الفاعلة في الملفات الإقليمية ذات التأثير المباشر على الأمن القومي المصري.

وبحسب ما أعلنته وزارة الخارجية المصرية، شدد عبد العاطي خلال الاتصال على ثبات الموقف المصري الداعم لوحدة ليبيا واستقرارها، مع التأكيد على أولوية الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية ودعم مسار سياسي شامل تقوده الأطراف الليبية نفسها، بما يهيئ الظروف لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بالتزامن في أقرب فرصة ممكنة.

ما الذي أكدته القاهرة في المحادثة؟

الرسالة المصرية في هذا الاتصال بدت واضحة ومباشرة: لا بديل عن تسوية سياسية شاملة تحفظ وحدة الأراضي الليبية وتمنع إطالة أمد الانقسام المؤسسي. وتتمسك القاهرة منذ سنوات بفكرة أن أي حل مستدام يجب أن ينطلق من مسار ليبي-ليبي، بعيدا عن فرض ترتيبات لا تحظى بتوافق داخلي واسع.

كما ينسجم هذا الموقف مع الخطاب الرسمي المصري المعلن في مناسبات ولقاءات سابقة، والذي يركز على عدة ثوابت رئيسية، أبرزها دعم سيادة ليبيا، وتوحيد المؤسسات التنفيذية والأمنية، وتهيئة الأرضية القانونية والسياسية لإتمام الاستحقاق الانتخابي المؤجل.

اتساق مع تحركات مصر الدبلوماسية الأخيرة

الاتصال الأخير لا يأتي بمعزل عن نشاط دبلوماسي مصري أوسع خلال الأسابيع الماضية. فقد شهد شهر يونيو 2026 لقاءات وتحركات مصرية تناولت ملفات إقليمية متعددة، بينها ليبيا، بمشاركة مسعد بولس نفسه في مشاورات عقدت في مصر مع مسؤولين إقليميين، وفق ما أوردته الهيئة العامة للاستعلامات ووسائل إعلام مصرية.

هذا المسار يكشف أن القاهرة لا تتعامل مع الملف الليبي باعتباره قضية حدودية فقط، بل باعتباره ملفا متشابكا مع أمن البحر المتوسط، ومكافحة الإرهاب، وضبط تدفقات السلاح والهجرة غير الشرعية، فضلا عن تأثير الاستقرار الليبي على فرص التنمية والتكامل الاقتصادي في الجوار المباشر لمصر.

لماذا يحتل الملف الليبي أولوية في السياسة المصرية؟

بالنسبة إلى مصر، تمثل ليبيا عمقا استراتيجيا مهما، نظرا إلى الحدود المشتركة الطويلة بين البلدين. ومن ثم، فإن أي فراغ سياسي أو أمني داخل الأراضي الليبية يظل محل متابعة دقيقة من جانب مؤسسات الدولة المصرية، خصوصا مع تعقد المشهد الداخلي الليبي على مدى السنوات الماضية بين حكومات ومؤسسات متنازعة ومبادرات سياسية لم تصل بعد إلى تسوية نهائية.

ومن هذا المنطلق، تواصل القاهرة الدفع نحو حل يضمن:

  • الحفاظ على وحدة الدولة الليبية ومنع أي مسارات تقسيم أو تفكيك.
  • توحيد المؤسسات الوطنية بما يشمل الهياكل التنفيذية والاقتصادية والأمنية.
  • دعم العملية السياسية على أساس التوافق بين الأطراف الليبية.
  • إجراء انتخابات متزامنة تمنح المؤسسات الجديدة شرعية شعبية واضحة.

البعد المصري الأمريكي في الأزمة الليبية

أهمية الاتصال تتجاوز الشق الثنائي بين القاهرة وواشنطن، لأنها تعكس أيضا وجود مساحة مشتركة للنقاش حول سبل دفع الجمود السياسي في ليبيا. ووفقا لما نشرته وزارة الخارجية المصرية، استمع الوزير بدر عبد العاطي إلى أفكار ومقترحات يطرحها مسعد بولس بشأن تحريك الوضع الليبي وتقريب وجهات النظر بين الأطراف المختلفة.

ويشير ذلك إلى أن واشنطن تحاول بدورها دعم مسار التهدئة والتقارب بين القوى الليبية، فيما تحرص مصر على أن يتم هذا الجهد ضمن إطار يحترم الملكية الليبية للحل، وهي نقطة تعد جوهرية في المقاربة المصرية منذ بداية الأزمة.

من هو بدر عبد العاطي؟

يحظى وزير الخارجية الحالي بخبرة طويلة في العمل الدبلوماسي، إذ توضح السيرة الذاتية المنشورة على الموقع الرسمي لوزارة الخارجية أنه شغل مناصب عدة، من بينها سفير مصر لدى بلجيكا والاتحاد الأوروبي وحلف الناتو بين عامي 2021 و2024، كما سبق له العمل سفيرا في ألمانيا ومتحدثا رسميا باسم الوزارة. وتمنح هذه الخلفية الوزير مساحة أوسع في إدارة الملفات الأوروبية والإقليمية شديدة الحساسية، وعلى رأسها ليبيا.

كما أن وجوده على رأس الخارجية المصرية في هذه المرحلة يتزامن مع تركيز مصري واضح على الربط بين التحرك السياسي والأمني والاقتصادي في دوائر الجوار المباشر، سواء في ليبيا أو السودان أو شرق المتوسط.

من هو مسعد بولس؟

يبرز اسم مسعد بولس في المشهد الأمريكي الحالي بصفته كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشئون العربية والإفريقية، وهو ما جعله حاضرا في عدد من المشاورات المتعلقة بأزمات المنطقة، وبينها الملف الليبي. وظهر بولس كذلك في مواد وصور منشورة عبر الموقع الرسمي للبيت الأبيض خلال فعاليات رسمية في واشنطن، بما يعكس حضوره داخل دوائر المتابعة السياسية للإدارة الأمريكية.

الانتخابات الليبية.. العقدة الأساسية

الحديث المصري عن إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بالتزامن ليس تفصيلا إجرائيا، بل يمثل جوهر الرؤية المصرية للخروج من الانسداد الحالي. فالقاهرة ترى أن بناء مؤسسات مستقرة في ليبيا يتطلب قاعدة شرعية موحدة، وهو ما لا يمكن تحقيقه، من وجهة النظر المصرية، إلا عبر عملية انتخابية شاملة ومتزامنة تقلص من فرص ازدواج السلطة وتنازع الشرعيات.

لكن الوصول إلى هذا الهدف يظل مرهونا بتوافقات داخلية ليبية حول القواعد الدستورية والقانونية المنظمة للانتخابات، إلى جانب توفير الحد الأدنى من الضمانات الأمنية والسياسية اللازمة لإتمام الاقتراع على مستوى البلاد.

كيف يقرأ الشارع المصري هذا التحرك؟

في مصر، يحظى أي تطور يتعلق بليبيا باهتمام خاص، ليس فقط بحكم الجغرافيا، بل أيضا بسبب الروابط الاجتماعية والاقتصادية بين الشعبين. لذلك، فإن استمرار الاتصالات المصرية مع الولايات المتحدة والأطراف الدولية بشأن ليبيا يُقرأ محليا باعتباره جزءا من سياسة تهدف إلى منع تدهور الأوضاع على حدود مصر الغربية، والحفاظ على فرص استعادة الاستقرار في بلد عربي محوري.

كما ينسجم هذا التحرك مع الدور الذي تسعى القاهرة إلى تثبيته باعتبارها طرفا إقليميا رئيسيا في تسوية الأزمات العربية عبر الأدوات الدبلوماسية، مع دعم جهود الأمم المتحدة والشركاء الدوليين كلما اتجهت نحو الحفاظ على الدولة الوطنية وتفكيك بؤر الصراع.

خلاصة المشهد

الاتصال بين بدر عبد العاطي ومسعد بولس يضع الملف الليبي مجددا في صدارة التحرك الدبلوماسي المصري، ويؤكد أن القاهرة ما زالت متمسكة بثوابتها الأساسية: وحدة ليبيا، استقرارها، توحيد مؤسساتها، وإنجاز تسوية سياسية تمهد لانتخابات متزامنة. وفي ظل استمرار التعقيدات الليبية، تبدو هذه الرسائل بمثابة تجديد للموقف المصري أمام الشركاء الدوليين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، بأن أي حل قابل للحياة يجب أن يكون ليبيا خالصا في جوهره، ومدعوما إقليميا ودوليا في إطاره العام.