عبد العاطي ونظيره الدنماركي يبحثان توسيع الشراكة بين البلدين
اتصال جديد يعكس زخماً متصاعداً في العلاقات المصرية الدنماركية
تواصل القاهرة تعزيز تحركاتها الدبلوماسية مع الشركاء الأوروبيين في توقيت إقليمي شديد الحساسية، وفي هذا الإطار أجرى الدكتور بدر عبد العاطي (@egyptmfa على إنستغرام)، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، اتصالاً هاتفياً مع لارس لوكه راسموسن، وزير خارجية الدنمارك، لبحث سبل تطوير العلاقات الثنائية وتوسيع مجالات التعاون المشترك، إلى جانب تبادل التقديرات بشأن تطورات الأوضاع في قطاع غزة.
وبحسب ما أعلنته وزارة الخارجية المصرية، فإن الاتصال جاء في سياق التشاور السياسي المستمر بين البلدين، مع تأكيد مصري على أهمية البناء على ما تحقق في العلاقات خلال العامين الماضيين، وخاصة بعد رفع مستوى العلاقات إلى شراكة استراتيجية خلال زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الدنمارك يومي 6 و7 ديسمبر 2024. وخلال تلك الزيارة، جرى توقيع إعلان الشراكة الاستراتيجية بين القاهرة وكوبنهاجن، بما فتح مساراً أوسع للتعاون في ملفات السياسة والاقتصاد والطاقة والهجرة والتنمية.
ما الذي ناقشه الوزيران؟
البيان المصري أوضح أن عبد العاطي ثمّن العلاقات الوثيقة بين البلدين، مشيراً إلى أن وتيرة الزيارات رفيعة المستوى أسهمت في إعطاء دفعة واضحة لمسار التعاون الثنائي. كما شدد على تطلع مصر إلى توسيع الشراكة مع الدنمارك في المجالات الاقتصادية والاستثمارية، والعمل على رفع حجم التبادل التجاري، وزيادة نفاذ الصادرات المصرية إلى السوق الدنماركية.
وتحظى هذه النقطة بأهمية خاصة من منظور مصري، في ظل سعي القاهرة إلى جذب استثمارات أوروبية نوعية، خصوصاً في القطاعات المرتبطة بالتصنيع، وسلاسل الإمداد، والطاقة المتجددة، والخدمات اللوجستية. وتشير بيانات رسمية مصرية منشورة خلال فعاليات «المنتدى العالمي للبوابة العالمية 2025» إلى أن حجم التبادل التجاري بين مصر والدنمارك تجاوز 290 مليون دولار خلال عام 2024، مع زيادة ملحوظة في الصادرات المصرية، ولا سيما المنسوجات والمنتجات الزراعية والكيماوية، بينما شملت أبرز الصادرات الدنماركية إلى مصر الآلات والأدوية والمنتجات الغذائية.
شركات دنماركية حاضرة في السوق المصرية
الشق الاقتصادي في المحادثات لا ينفصل عن الوجود المتنامي لشركات دنماركية في السوق المصرية. فبحسب التصريحات الرسمية المصرية، تضم قائمة الشركات الدنماركية العاملة في مصر أسماء بارزة مثل ميرسك، وفيستاس، وجروندفوس، ونوفو نورديسك، ودانفوس. وتعتبر القاهرة هذه الاستثمارات نماذج للتعاون التنموي المستدام، خاصة في مجالات النقل البحري، وكفاءة الطاقة، والصناعات الدوائية، وتكنولوجيا المياه.
ومن زاوية مصرية أفريقية، تبدو هذه الشراكة مهمة أيضاً لأنها ترتبط بقدرة مصر على تعزيز موقعها كبوابة لوجستية وصناعية إلى القارة. فكلما اتسعت الاستثمارات الأوروبية في الموانئ والطاقة وسلاسل التوريد داخل مصر، زادت فرص ربط الأسواق الأفريقية بالتصنيع والخدمات العابرة للحدود عبر قناة السويس والمناطق الاقتصادية المصرية.
غزة حاضرة بقوة في المشاورات
لم تقتصر المباحثات على الجانب الثنائي، إذ ناقش الوزيران كذلك تطورات الحرب في قطاع غزة، وهو ملف يتصدر اتصالات مصر مع العواصم الأوروبية. وتحرص القاهرة في هذه المحادثات على تثبيت أولوياتها المعلنة: وقف إطلاق النار، وضمان نفاذ المساعدات الإنسانية، ومنع اتساع رقعة الصراع، والدفع نحو مسار سياسي يقوم على حل الدولتين.
وفي هذا السياق، يكتسب التنسيق مع كوبنهاجن وزناً إضافياً داخل الإطار الأوروبي، خصوصاً أن الدنمارك كانت من بين الدول الأوروبية التي شاركت في مواقف داعمة لحل الدولتين ورفض الإجراءات المرتبطة بالاستيطان. كما أن القاهرة ترى أن المواقف الأوروبية المؤثرة يمكن أن تلعب دوراً في دعم الجهود الإنسانية والسياسية المطلوبة لاحتواء الأزمة.
من زيارة الدولة إلى تنفيذ الشراكة
الحديث عن «تعزيز العلاقات والتعاون المشترك» لم يعد شعاراً دبلوماسياً عاماً فقط، بل أصبح مرتبطاً بخارطة عمل بدأت تتشكل منذ زيارة الدولة المصرية إلى الدنمارك في ديسمبر 2024. فقد شهدت تلك الزيارة، وهي الأولى من نوعها لرئيس مصري إلى كوبنهاجن، توقيع إعلان الشراكة الاستراتيجية، إلى جانب إطلاق مجلس الأعمال المصري الدنماركي والتقدم في عدد من مذكرات التفاهم.
وفي الأشهر التالية، تحرك الجانبان لترجمة هذا المسار إلى خطوات عملية. ومن بين التطورات اللافتة تمديد العمل بالمبادرة المصرية الدنماركية للحوار حتى عام 2028 من خلال مذكرة تفاهم وُقعت في كوبنهاجن، في مؤشر على أن العلاقات لا تقتصر على الاقتصاد والسياسة فقط، بل تشمل أيضاً مجالات التبادل الثقافي والعلمي والتعليمي.
لماذا تهم هذه العلاقة القارئ المصري؟
بالنسبة للقارئ في مصر، تبدو أهمية هذا المسار في أكثر من مستوى. أولاً، لأن الدنمارك تمثل شريكاً أوروبياً يمكن أن يسهم في جذب استثمارات ذات قيمة مضافة، لا سيما في الطاقة النظيفة والتكنولوجيا والصناعة. وثانياً، لأن توسيع الصادرات المصرية إلى أسواق شمال أوروبا يظل هدفاً مباشراً للمنتجين والمصدرين المصريين. وثالثاً، لأن التنسيق السياسي مع العواصم الأوروبية الكبرى والمتوسطة بات جزءاً أساسياً من التحرك المصري لحماية الاستقرار الإقليمي، من غزة إلى البحر الأحمر مروراً بملفات أفريقية وعربية متشابكة.
ومن منظور أوسع ينسجم مع تغطية قسم «أفريقيا»، فإن أي تطور في الشراكات المصرية الأوروبية ينعكس على قدرة القاهرة على التحرك داخل محيطها القاري، سواء عبر مشروعات البنية التحتية، أو الربط التجاري، أو دعم الأمن والاستقرار في مناطق الجوار الأفريقي. فمصر كثيراً ما تقدم نفسها لشركائها الأوروبيين باعتبارها نقطة ارتكاز للتواصل مع أسواق أفريقيا وشرق المتوسط في آن واحد.
مؤشرات إلى مسار مستمر
الاتصال الأخير بين عبد العاطي وراسموسن يأتي ضمن سلسلة اتصالات ولقاءات متتابعة بين الجانبين خلال 2025 و2026، ما يعكس أن الشراكة المعلنة قبل أقل من عامين لا تزال تحظى بمتابعة سياسية مباشرة. كما أن إعادة تعيين لارس لوكه راسموسن وزيراً للخارجية في 3 يونيو 2026 ساعدت على استمرار قنوات التواصل نفسها دون انقطاع، وهو عامل مهم في الملفات التي تحتاج إلى متابعة طويلة الأمد.
- سياسياً: استمرار التشاور حول غزة وقضايا الإقليم.
- اقتصادياً: السعي لزيادة التجارة والاستثمارات وتوسيع حضور الشركات الدنماركية.
- تنموياً: البناء على اتفاقات الطاقة والتحول الأخضر والحوار المؤسسي.
- إقليمياً وأفريقياً: توظيف الشراكة لدعم استقرار محيط مصر وتعزيز موقعها كبوابة إلى القارة.
في المحصلة، فإن الاتصال بين وزير الخارجية المصري ونظيره الدنماركي يعكس مرحلة انتقال في العلاقات من مستوى المجاملات الدبلوماسية إلى مستوى تنفيذ الشراكة الاستراتيجية. وإذا استمر هذا الزخم، فقد تشهد الفترة المقبلة مزيداً من الخطوات العملية في التجارة والاستثمار والتنسيق السياسي، بما يمنح القاهرة مساحة أوسع للتحرك بين أوروبا ومحيطها الأفريقي في لحظة دولية وإقليمية شديدة التعقيد.