Akhbar Cairo

عراقجي يربط أي تفاهم نهائي مع واشنطن بملف لبنان

ربط متعمّد بين مسارين يفترض أنهما منفصلان

أعاد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي رسم حدود التفاوض مع الولايات المتحدة حين قال، يوم الثلاثاء 7 يوليو/تموز 2026، إنه لا يمكن الوصول إلى اتفاق نهائي مع واشنطن قبل انسحاب إسرائيل من لبنان. في الظاهر، تبدو العبارة امتدادًا لموقف سياسي تصعيدي، لكنها في الجوهر تكشف محاولة إيرانية واضحة لدمج الملف اللبناني في أي تسوية أوسع مع الولايات المتحدة، بدل حصر التفاهم في العناوين التقليدية المرتبطة بالبرنامج النووي أو العقوبات فقط.

التصريح نُقل عبر تغطيات إخبارية متطابقة تقريبًا في وسائل عربية، بينها تقارير منشورة في 7 يوليو 2026، كما جاء بعد سلسلة مواقف إيرانية خلال يونيو الماضي شددت على أن الساحة اللبنانية ليست ملفًا جانبيًا، بل جزء من معادلة الأمن الإقليمي التي تريد طهران تثبيتها على طاولة التفاوض. وفي موازاة ذلك، كانت تغطيات أخرى قد أشارت إلى أن واشنطن لا تعتبر مسألة الانسحاب الإسرائيلي من لبنان بندًا منصوصًا عليه في التفاهمات الأولية المتداولة، وهو ما يبرز اتساع الفجوة بين تعريف كل طرف لمعنى “الاتفاق النهائي”.

لماذا تتمسك طهران بورقة لبنان؟

من منظور تحليلي، لا يبدو الشرط الإيراني مجرد تضامن سياسي مع لبنان، بل أداة تفاوضية متعددة الوظائف. أولًا، تسعى إيران إلى منع فصل الجبهات، أي منع واشنطن من انتزاع تنازلات في ملف وترك تل أبيب تتحرك بحرية في ملف آخر. ثانيًا، تريد طهران تثبيت فكرة أن أي تهدئة دائمة في المنطقة لا يمكن أن تمر من دون معالجة الوجود العسكري الإسرائيلي في الأراضي اللبنانية. وثالثًا، يتيح هذا الربط لإيران مخاطبة جمهورها الداخلي وحلفائها الإقليميين بأنها لا تدخل مفاوضات نهائية مع الولايات المتحدة على حساب حلفائها أو مناطق نفوذها.

هذه المقاربة ليست جديدة بالكامل، لكنها باتت أكثر صراحة خلال الأسابيع الأخيرة. ففي منتصف يونيو 2026، ظهرت تقارير تتحدث عن أن طهران تعتبر إنهاء الحرب في لبنان والانسحاب الإسرائيلي من أراضيه جزءًا من أي تفاهم أوسع، بينما قابلت مصادر أمريكية ذلك بالنفي أو بالتقليل من مركزية هذا الشرط داخل صياغة التفاهمات. ومعنى ذلك أن إيران لا تطرح مطلبًا تكتيكيًا فقط، بل تحاول إعادة تعريف جدول الأعمال نفسه.

الرسالة إلى واشنطن: لا تفاوض تحت التهديد

الموقف الإيراني الأخير جاء أيضًا في سياق أوسع من التوتر الكلامي مع الإدارة الأمريكية. ففي اليوم نفسه، برزت تصريحات لعراقجي تفيد بأن مفاوضات الاتفاق النهائي لن تبدأ إذا استمرت التهديدات الأمريكية. وهذا مهم لأن طهران هنا تجمع بين شرطين متلازمين: وقف الضغوط العسكرية أو التهديد بها من جهة، وربط التقدم السياسي بملف لبنان من جهة أخرى.

بمعنى آخر، تقول إيران لواشنطن إن التفاوض لا يمكن أن يكون مسارًا منفصلًا عن ميزان الردع في الإقليم. فإذا كانت الولايات المتحدة تريد إنجازًا سياسيًا، فعليها أن تقدم بيئة مختلفة عن تلك التي تسمح بتصعيد إسرائيلي مستمر أو بتهديدات أمريكية مباشرة. هذه اللغة تستهدف في أحد أبعادها رفع كلفة المماطلة على الطرف المقابل، وفي بعد آخر نقل مركز الثقل من الملف التقني إلى الملف الجيوسياسي.

لبنان بين الحسابات الكبرى والواقع الميداني

بالنسبة إلى لبنان، فإن إدخاله بهذا الوضوح في قلب التفاوض الإيراني الأمريكي يحمل وجهين متناقضين. الوجه الأول قد يبدو إيجابيًا من حيث دفع القوى الدولية إلى التعامل مع الانسحاب الإسرائيلي باعتباره شرطًا للاستقرار، لا مجرد تفصيل حدودي يمكن تأجيله. أما الوجه الثاني، فهو أن لبنان يظل معرضًا لأن يتحول إلى ورقة ضمن مساومات أكبر من قدرته على التحكم فيها.

خلال أواخر يونيو 2026، جرى الحديث عن اتفاق إطاري بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية وُقع في 26 يونيو/حزيران 2026 في واشنطن، مع تباين داخلي حاد بشأنه في لبنان وإسرائيل على السواء. هذا التطور يعكس أن مسارًا تفاوضيًا يخص الحدود والأمن موجود بالفعل، لكنه لا يزال هشًا، وتتعامل معه أطراف إقليمية، وفي مقدمتها إيران، باعتباره غير كافٍ إذا لم يتضمن انسحابًا إسرائيليًا واضحًا ومضمونًا. هنا تحديدًا يظهر التناقض بين الدبلوماسية الأمريكية التي تميل إلى التدرج، والمقاربة الإيرانية التي تريد ربط التسويات الجزئية بإطار شامل.

ماذا يعني ذلك لمصر والقارئ المصري؟

بالنسبة إلى القارئ في مصر، أهمية هذا التطور لا تتعلق فقط بمتابعة تصريح جديد في سجال إيراني أمريكي، بل بفهم كيف يعاد تشكيل توازنات المشرق على نحو ينعكس على الأمن العربي ككل. فكلما توسع الربط بين ملفات إيران ولبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، تزايدت احتمالات أن يصبح أي انفراج أو انفجار في منطقة واحدة مؤثرًا على المنطقة بأكملها، من شرق المتوسط إلى البحر الأحمر.

ومن زاوية مصرية، فإن استقرار لبنان ليس مسألة بعيدة. أي تصعيد طويل يضيف ضغطًا جديدًا على الإقليم في وقت تتزاحم فيه أزمات غزة والملاحة والأمن البحري والطاقة. كما أن اتساع التفاوض السياسي ليشمل ملفات ميدانية مفتوحة يعني أن المنطقة لا تتجه بالضرورة إلى تسوية سريعة، بل ربما إلى مرحلة طويلة من المفاوضات المشروطة التي يتحرك فيها الكلام السياسي بالتوازي مع الوقائع العسكرية.

هل هو شرط قابل للتحقق أم سقف تفاوضي مرتفع؟

السؤال الأهم هنا: هل تطرح طهران شرطًا نهائيًا غير قابل للتنازل، أم أنها ترفع السقف للحصول على مكاسب لاحقة؟ القراءة الأرجح أن الأمر يجمع بين الاثنين. إيران تريد تثبيت مبدأ أساسي هو أن لبنان داخل المعادلة، لكنها تعرف في الوقت نفسه أن التفاوض النهائي غالبًا ما يمر بمراحل وصياغات رمادية، لا بشروط قصوى تتحقق دفعة واحدة. لذلك قد يكون الهدف الحالي هو منع إغلاق الاتفاق مع واشنطن من دون مكسب ملموس على الجبهة اللبنانية، حتى لو جاء هذا المكسب في صورة جدول زمني، أو ضمانات، أو ترتيبات أمنية ملزمة.

في المقابل، تظهر المؤشرات المتاحة حتى الآن أن واشنطن لا تتبنى الرؤية الإيرانية نفسها بشأن إدراج الانسحاب الإسرائيلي من لبنان كبند حاسم داخل التفاهم. وهذا يعني أن الطريق إلى أي اتفاق نهائي لا يزال مليئًا بالعقد، وأن التصريحات الأخيرة ليست إعلان اقتراب تسوية بقدر ما هي إعلان مبكر عن شكل الصراع على شروطها.

خلاصة المشهد

تصريح عباس عراقجي لا يُقرأ كجملة عابرة، بل كإشارة إلى أن طهران تريد اتفاقًا سياسيًا شاملًا يعيد رسم قواعد الاشتباك في المنطقة، لا مجرد تفاهم محدود مع الولايات المتحدة. وفي قلب هذا التصور، يحتل الانسحاب الإسرائيلي من لبنان موقعًا رمزيًا وعمليًا في آن واحد: رمزًا لرفض فصل الساحات، وشرطًا عمليًا لتسويق أي اتفاق داخل محور حلفاء إيران.

لهذا، فإن الأسابيع المقبلة ستكشف ما إذا كان هذا الشرط سيتحول إلى نقطة تفاوض جادة، أم سيظل ورقة ضغط تسبق مساومات أكثر تعقيدًا. لكن المؤكد حتى الآن أن لبنان لم يعد هامشًا في الخطاب الإيراني تجاه واشنطن، بل بات جزءًا من المتن نفسه.