عراقجي يطرح وساطة إيرانية بين الرياض والحوثيين
إيران تعرض التوسط في واحد من أعقد ملفات المنطقة
عاد الملف اليمني إلى دائرة الضوء مجددًا بعد إعلان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي استعداده لقيام طهران بدور الوسيط بين المملكة العربية السعودية وجماعة الحوثي، في محاولة للمساعدة على تقليص فجوة الخلافات ودفع المسار السياسي إلى الأمام. وجاءت الإشارة إلى هذه المبادرة في تصريحات نُقلت عن عراقجي خلال مقابلة إعلامية، فيما أفادت وسائل إيرانية ويمنية بأن الوزير قال إن بلاده لم تتلقَّ حتى الآن ردًا من أي من الطرفين بشأن هذا الطرح.
أهمية هذا التطور لا ترتبط فقط بمضمون العرض الإيراني، بل أيضًا بتوقيته؛ إذ يأتي بينما لا تزال الحرب في اليمن تلقي بظلالها على أمن البحر الأحمر والخليج، وعلى حركة الملاحة والتوازنات الإقليمية، وهي ملفات يتابعها القارئ المصري عن قرب بحكم اتصالها المباشر بأمن المنطقة العربية وممراتها البحرية الحيوية.
ماذا قال عباس عراقجي؟
بحسب ما نشرته وكالة سبأ التابعة لسلطات صنعاء في 17 أكتوبر 2026، قال عراقجي إن إيران مستعدة لتقديم ما يمكن أن يساعد على وقف الصراع بين السعودية واليمن، معتبرًا أن سنوات التوتر الطويلة أظهرت أن المقاربة العسكرية لا توفر حلًا دائمًا للأزمة اليمنية. كما ربط الوزير الإيراني هذا الطرح بفكرة أوسع تقوم على أن قضايا المنطقة ينبغي أن تُحل داخل الإقليم ومن خلال دوله، لا عبر تحويلها إلى ساحات صراع مفتوح.
ورغم أن الصياغات المتداولة تختلف بين مصدر وآخر، فإن الثابت في مجمل الروايات المنشورة هو أن المبادرة لا تزال في إطار العرض السياسي، من دون إعلان موافقة سعودية أو حوثية رسمية عليها حتى الآن. وهذه نقطة أساسية لفهم المشهد: ما صدر حتى اللحظة هو إعلان استعداد إيراني، لا اتفاق وساطة قائم بالفعل.
السياق الإقليمي: تهدئة متعثرة وليست تسوية مكتملة
منذ استئناف العلاقات بين الرياض وطهران خلال السنوات الماضية، ساد انطباع بأن ذلك قد يفتح نافذة أوسع لمعالجة الأزمات الإقليمية، وفي مقدمتها اليمن. لكن الوقائع على الأرض أظهرت أن مسار التهدئة ظل هشًا، وأن الانتقال من خفض التصعيد إلى تسوية سياسية شاملة ما زال يواجه عقبات كبيرة، سواء داخل الساحة اليمنية نفسها أو على مستوى الحسابات الإقليمية الأوسع.
وفي هذا الإطار، واصلت السعودية خلال عام 2026 إعلان دعمها للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، وكذلك دعمها لجهود المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ. كما رحبت الرياض ببيانات دولية تدين الهجمات الحوثية على أراضيها وعلى السفن التجارية، مؤكدة تمسكها بأمن المنطقة وحرية الملاحة.
ومن جهة أخرى، تُظهر التحركات الأممية أن ملف اليمن لم يغادر أبدًا طاولة الدبلوماسية الدولية. فقد واصل غروندبرغ خلال 2026 اتصالاته مع أطراف يمنية وإقليمية، وزار القاهرة والرياض في يناير ضمن جهوده الرامية إلى خفض التوتر والحفاظ على مساحة للحوار. كما زار الرياض مرة أخرى في يوليو، حيث التقى رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي والسفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر وممثلين عن الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن.
لماذا يظل الملف اليمني معقدًا؟
المعضلة الرئيسية أن النزاع اليمني لم يعد منذ سنوات مجرد خلاف داخلي بين أطراف محلية، بل أصبح ملفًا مركبًا يتداخل فيه البعد السياسي والعسكري والإنساني والاقتصادي، فضلًا عن البعد الإقليمي. لذلك فإن أي وساطة جديدة، سواء جاءت من إيران أو من غيرها، لن تُقاس فقط بحجم التصريحات، بل بقدرتها على التأثير في الوقائع الميدانية وتليين مواقف الفاعلين الأساسيين.
- أولًا: استمرار الهجمات والردود المتبادلة يعقّد فرص البناء على أي تهدئة.
- ثانيًا: تعدد الأطراف اليمنية يجعل التفاهم الثنائي غير كافٍ وحده لإنهاء الأزمة.
- ثالثًا: التدهور الإنساني والاقتصادي يضغط على أي مسار تفاوضي ويزيد كلفة التأخير.
- رابعًا: أمن البحر الأحمر والممرات البحرية يضيف بعدًا دوليًا مباشرًا للصراع.
وقد حذر المبعوث الأممي في إحاطة أمام مجلس الأمن بتاريخ 9 أكتوبر 2026 من أن اليمن انزلق مجددًا نحو حرب شاملة، مع اتساع رقعة القتال على جبهات متعددة خلال الأسابيع السابقة، داعيًا إلى حماية المدنيين وتجديد الجهود السياسية ذات المصداقية. وهذا التحذير يعكس أن أي مبادرة وساطة جديدة ستتحرك في بيئة شديدة التعقيد، لا في لحظة استقرار.
كيف يمكن قراءة العرض الإيراني؟
سياسيًا، يمكن النظر إلى إعلان عراقجي باعتباره محاولة إيرانية لإظهار استعداد طهران للانخراط في مسارات التهدئة بدل الاكتفاء بموقع الطرف المؤثر من الخلف. كما قد يُفهم أيضًا على أنه رسالة موجهة إلى العواصم العربية، مفادها أن إيران تريد الظهور كشريك محتمل في إدارة أزمات الإقليم، لا مجرد طرف في الاستقطاب. هذه قراءة تحليلية تستند إلى توقيت التصريحات وتزامنها مع تحركات دبلوماسية إقليمية، وليست إعلانًا رسميًا بهذا المعنى.
لكن في المقابل، يبقى نجاح أي دور وساطة مرهونًا بمدى قبول الأطراف المعنية نفسها. فالسعودية تربط موقفها عادة بوقف التهديدات لأمنها وأمن الملاحة ودعم المسار الذي تقوده الأمم المتحدة، بينما يظل الحوثيون يتعاملون مع الملف من زاوية ترتبط بموازين القوة على الأرض وبطبيعة التفاهمات المطلوبة. ولهذا فإن غياب الرد الرسمي حتى الآن ليس تفصيلًا ثانويًا، بل عنصرًا كاشفًا لحجم الحذر المحيط بالمبادرة.
ماذا يعني ذلك للقارئ المصري؟
بالنسبة لمصر، يظل استقرار اليمن جزءًا من معادلة الأمن العربي الأوسع، خاصة مع الارتباط المباشر بين تطورات البحر الأحمر وأمن التجارة والملاحة الإقليمية. ومن هنا، فإن أي تحرك دبلوماسي يخص اليمن يتجاوز كونه خبرًا سياسيًا عابرًا في الخليج، ليصبح تطورًا له انعكاسات على الإقليم كله، من باب المندب حتى شرق المتوسط.
ومن هذه الزاوية، تبدو تصريحات عباس عراقجي محاولة لإعادة تموضع سياسي في ملف حساس، لكنها ما تزال في بدايتها. فلا توجد حتى الآن مؤشرات معلنة على تحول العرض الإيراني إلى مسار تفاوضي معتمد، كما أن الأمم المتحدة لا تزال هي المظلة الأكثر حضورًا في الجهود الهادفة إلى تسوية النزاع. وبين عرض الوساطة الإيراني، والموقف السعودي، وتعقيدات المشهد اليمني الداخلي، يبقى السؤال المفتوح: هل تتحول المبادرات الكلامية إلى خطوة عملية، أم تظل مجرد رسالة سياسية في لحظة إقليمية مضطربة؟