Akhbar Cairo

عراقجي يلوّح بالدبلوماسية ويراهن على ردع الحرب

رسالة إيرانية مزدوجة: لا تراجع عن الردع ولا إغلاق لباب السياسة

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، أعاد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي صياغة الموقف الرسمي لبلاده بلغة تجمع بين التحذير والانفتاح في آن واحد. فخلال تصريحات علنية من طهران، قال إن سياسة إيران لن تتغير سواء اندلعت الحرب أم لم تندلع، مضيفًا أن أي طرف يتحلى بقدر من العقلانية لن يقدم على عمل عسكري ضد إيران. هذه الصياغة لا تبدو مجرد رد فعل إعلامي، بل تعكس جوهر المقاربة الإيرانية الحالية: تثبيت معادلة الردع، مع الإصرار على أن المسار الدبلوماسي لم يُغلق بعد.

المعنى الأهم هنا أن طهران تحاول تقديم نفسها كطرف لا يسعى إلى الحرب، لكنه مستعد لها إذا فُرضت عليه. هذا الخطاب كرره عراقجي في أكثر من مناسبة خلال 2026، إذ شدد في أوائل أكتوبر على أنه «لا حل عسكريًا» للأزمة مع إيران، مع التأكيد في الوقت نفسه على الاستعداد للدفاع عن البلاد إذا تعرضت لهجوم. كما نقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية «إرنا» عنه تمسكه بالدبلوماسية بالتوازي مع الجاهزية الأمنية.

ماذا أراد عراقجي أن يقول فعليًا؟

من الناحية السياسية، تحمل تصريحات عراقجي ثلاث رسائل متوازية. الرسالة الأولى موجهة إلى الولايات المتحدة: أن الضغط العسكري لن يدفع إيران إلى تقديم تنازلات مجانية. الرسالة الثانية إلى إسرائيل، التي تتهمها طهران بدفع المنطقة إلى حافة انفجار أوسع. أما الرسالة الثالثة فهي إلى دول الجوار الخليجي، ومفادها أن إيران تريد الإبقاء على قنوات الاتصال مفتوحة وأنها مستعدة للتعاون الإقليمي بدل الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

هذه النقطة الأخيرة ليست هامشية. عراقجي تحدث بالفعل في أكثر من مناسبة عن «مسار جديد» لبناء الثقة مع دول الخليج، ووصفت وسائل إعلام إيرانية وعربية لقاءاته واتصالاته الأخيرة مع مسؤولين إقليميين بأنها محاولة لإظهار أن طهران لا تريد أن تبقى معزولة عن ترتيبات الأمن الإقليمي. كما أكد استعداده للتعاون مع دول المنطقة، خصوصًا الخليج، وهي صيغة تنسجم مع ما أوردته تقارير متعددة عن سعي إيران إلى تقليل كلفة المواجهة المباشرة مع محيطها العربي.

إنهاء الحرب «على جميع الجبهات».. عبارة تكشف الرؤية الإيرانية

من أكثر ما يستحق التوقف في تصريحات عراقجي تأكيده أن طهران أبلغت الأمريكيين في كل جولات التفاوض أن الحرب يجب أن تنتهي «على جميع الجبهات». هذه العبارة لا تتعلق بساحة واحدة فقط، بل تقدم تصورًا إيرانيًا أوسع للأزمة، يعتبر أن أي تهدئة جزئية لا تكفي إذا بقيت بؤر الاشتباك مفتوحة في أماكن أخرى من الإقليم.

هذا المنطق ظهر بوضوح في تصريحات سابقة نُشرت خلال 2026، حين ربط عراقجي بين أي تسوية مستدامة وبين وقف التصعيد في أكثر من ساحة إقليمية، بما فيها لبنان والممرات البحرية الحساسة. وفي القراءة الإيرانية، فإن وقف النار في موقع واحد مع استمرار الضربات أو التهديدات في مواقع أخرى يعني ببساطة تأجيل الجولة التالية من المواجهة، لا إنهاءها.

بين الردع والتفاوض: كيف تدير طهران ميزان المخاطر؟

اللافت أن خطاب عراقجي لا يفصل بين القوة والدبلوماسية، بل يقدمهما كمسارين متكاملين. فإيران تقول إنها منفتحة على التفاهم، لكنها تريد أن يأتي التفاهم من موقع اعتراف بقدرتها على الرد، لا من موقع الإذعان. لهذا السبب تكرر طهران عبارة أنها مستعدة للدبلوماسية، لكنها «مستعدة بالكامل» أيضًا للدفاع عن نفسها. هذا التوازن ظهر في تقارير دولية حديثة رصدت استمرار الرسائل الإيرانية إلى واشنطن عبر وسطاء، بالتوازي مع التحذير من أي عمل عسكري جديد.

وفي الخلفية تقف عقدة مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. خلال الأشهر الماضية عاد اسم المضيق بقوة إلى الواجهة مع تصاعد التوترات ووقوع هجمات على ناقلات وسفن، بينما ربطت طهران بين أمن الملاحة وبين مسار التهدئة الأوسع. وكالة أسوشيتد برس أشارت هذا الأسبوع إلى تضرر سبع ناقلات نفط في المضيق وسط مخاوف من عودة الحرب، فيما واصلت إيران الدفع بخطاب يقول إنها لا تزال مستعدة للحل السياسي، لكنها لن تتردد في الرد إذا تعرضت لهجوم.

لماذا يهم هذا مصر؟

بالنسبة إلى القارئ المصري، لا يمكن النظر إلى هذه التصريحات باعتبارها مجرد سجال إيراني أمريكي بعيد. أي تصعيد في الخليج أو في مضيق هرمز ينعكس سريعًا على أسعار الطاقة، كلفة الشحن، حركة التجارة، ومزاج الأسواق العالمية، وهي عوامل تمس الاقتصاد المصري بشكل غير مباشر على الأقل. كما أن توسيع رقعة المواجهة في الإقليم يضع ضغوطًا إضافية على التوازنات العربية، ويجعل فكرة منع الانزلاق إلى حرب مفتوحة أولوية إقليمية لا تخص الخليج وحده.

ومن المهم هنا أن القاهرة بدورها دعت في اتصالات سابقة مع طهران إلى خفض التوتر وتغليب المسار السياسي. فقد أظهرت بيانات رسمية مصرية خلال 2026 اهتمامًا بتثبيت التهدئة وفتح المجال أمام المعالجة الدبلوماسية للقضايا العالقة، في وقت تتعامل فيه مصر بحذر مع أي سيناريو يقود إلى توسيع ساحات الحرب في المنطقة.

خطاب موجه للخارج.. وللداخل أيضًا

لا ينبغي إغفال البعد الداخلي في كلام عراقجي. فوزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، الذي يتولى المنصب منذ أغسطس 2024، لا يخاطب الخارج فقط، بل يوجه رسالة إلى الداخل الإيراني مفادها أن الدولة لا تزال ممسكة بخياري الصمود والتفاوض معًا. في مثل هذه اللحظات، يصبح الخطاب الرسمي جزءًا من إدارة المعنويات العامة بقدر ما هو جزء من التفاوض غير المباشر مع الخصوم.

ولهذا تبدو عبارته عن أن «العقلانية» يجب أن تمنع الهجوم على إيران أكثر من مجرد تحذير. إنها دعوة مبطنة للطرف المقابل كي يعيد حساباته، ورسالة داخلية تقول إن طهران ترى أن كلفة ضربها أصبحت مرتفعة بما يكفي لردع الخصوم، أو على الأقل لتعقيد قرار الحرب.

هل نحن أمام تهدئة أم مجرد هدنة خطابية؟

الإجابة الأكثر دقة أن المنطقة لا تزال في مساحة رمادية. فالتصريحات الإيرانية الأخيرة لا تعني اختراقًا سياسيًا وشيكًا، لكنها تكشف أن باب التفاوض لم يُغلق نهائيًا. في المقابل، فإن استمرار الحوادث الأمنية والتهديدات المتبادلة يوضح أن احتمالات التصعيد لا تزال قائمة، وأن لغة الردع لم تتراجع لحساب لغة التسوية بشكل كامل.

من زاوية «تحليلات ورأي»، يمكن القول إن عراقجي يحاول تثبيت معادلة دقيقة: إيران تريد أن تظهر دولةً يصعب مهاجمتها، لكنها لا تريد أن تبدو دولةً هاربة من السياسة. وبين هذين الحدين تتحرك الدبلوماسية الإيرانية اليوم. وإذا كان في الرسالة شيء واضح، فهو أن طهران تريد من خصومها أن يقتنعوا بأن الطريق الأقل كلفة ليس الحرب، بل التفاهم.

  • الخلاصة الأولى: تصريحات عراقجي تؤكد استمرار الجمع بين الردع والدبلوماسية.
  • الخلاصة الثانية: إيران تربط أي نهاية للحرب بتسوية أوسع تشمل أكثر من جبهة.
  • الخلاصة الثالثة: أمن الخليج ومضيق هرمز يظل عنصرًا حاسمًا في حسابات المنطقة كلها، بما فيها مصر.

وفي المحصلة، لا تبدو تصريحات وزير الخارجية الإيراني إعلانًا عن انفراج قريب بقدر ما هي محاولة لإعادة ضبط قواعد الاشتباك السياسي: لا تنازل تحت التهديد، ولا رفض مبدئي للتفاوض. وهذه بالضبط هي المعادلة التي ستحدد شكل الأسابيع المقبلة في الشرق الأوسط.