Akhbar Cairo

عروض استضافة مفاوضات أوكرانيا: ما الذي تعنيه سياسياً؟

عشرة عروض استضافة... لكن العقدة ليست في العنوان البريدي

إشارة الكرملين الأخيرة إلى أن نحو عشر دول أبدت استعدادها لاستضافة مفاوضات تتعلق بتسوية الحرب في أوكرانيا لا تبدو، في جوهرها، مجرد تفصيل بروتوكولي. المتحدث باسم الرئاسة الروسية ديمتري بيسكوف قال في 9 سبتمبر 2026 إن عدداً من الدول مهتم بتوفير منصة محتملة للمحادثات، مضيفاً أن مسألة المكان ستصبح مهمة فقط إذا توافرت أولاً الجاهزية لاستئناف التفاوض بين الأطراف المعنية. هذه الصياغة تكشف أن المشكلة الأساسية لا تزال سياسية قبل أن تكون لوجستية أو تنظيمية.

المعلومة الأصلية التي تحدثت عن عروض من نحو عشر دول من قارات مختلفة تتقاطع مع هذا الخطاب الروسي: هناك اهتمام دولي واضح بلعب دور المضيف أو الوسيط، لكن ذلك لا يعني تلقائياً أن مسار التسوية اقترب من نقطة الحسم. في الحروب الكبرى، كثيراً ما يصبح عرض الاستضافة أداة لإبراز الحضور الدبلوماسي، أو رسالة تموضع في نظام دولي متغير، أو محاولة لانتزاع موقع على طاولة ما بعد الحرب.

لماذا تتسابق دول متعددة على الاستضافة؟

من منظور تحليلي، فإن تعدد العواصم الراغبة في استضافة مفاوضات أوكرانيا يعكس ثلاثة اعتبارات متداخلة. أولها أن الحرب الروسية الأوكرانية لم تعد شأناً أوروبياً خالصاً، بل أزمة دولية ممتدة التأثير على الطاقة، وسلاسل الإمداد، وأسواق الغذاء، وحسابات الأمن الإقليمي. وثانيها أن الوساطة نفسها تحولت إلى رصيد سياسي؛ فالدولة المضيفة لا تقدم قاعة اجتماعات فقط، بل تسعى إلى تثبيت صورتها باعتبارها طرفاً قادراً على التواصل مع خصوم متصارعين. أما ثالثها، فهو أن الفراغ النسبي أو التعثر في بعض المسارات السابقة يدفع قوى إقليمية ودولاً من ما يسمى الجنوب العالمي إلى اختبار فرصتها في الدخول على الخط.

المتابعة الغربية لهذا الملف تشير أيضاً إلى أن جهود الوساطة خلال 2026 شهدت محطات متقطعة، بينها حديث عن اجتماعات ورهانات على وساطات تقودها أطراف خارج أوروبا، قبل أن تتباطأ أو تتأجل بعض الجولات. كما أن تقارير حديثة أشارت إلى أن أبوظبي كانت مطروحة كمنصة محتملة إذا استؤنفت المحادثات، وهو ما يوضح أن فكرة البحث عن أرض محايدة أو مقبولة من أكثر من طرف ليست جديدة، لكنها ما زالت تصطدم بشروط السياسة الصلبة.

هل المشكلة في الدولة المضيفة أم في شروط التفاوض؟

الجواب الأقرب إلى الواقع أن مكان الاجتماع مسألة ثانوية مقارنة بالخلاف على مضمون أي تسوية. فما دام الطرفان لم يقتربا من أرضية مشتركة حول القضايا الجوهرية، مثل الترتيبات الأمنية، والسيادة، والحدود، ووقف إطلاق النار، وضمانات التنفيذ، فلن يحسم اسم العاصمة المضيفة شيئاً كبيراً. لهذا شدد بيسكوف على أن الأهم هو وجود استعداد لدى الجانبين، ثم يمكن العثور على مكان مناسب.

وفي المقابل، تظهر مواقف الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي باستمرار أن أي مسار سلام قابل للحياة يحتاج إلى وقف إطلاق نار مستدام وإطار تفاوضي متوافق مع القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. الأمين العام للأمم المتحدة رحب في مايو 2026 بإعلان هدنة لثلاثة أيام وتبادل واسع للأسرى، واعتبر ذلك خطوة يمكن البناء عليها نحو وقف كامل ودائم للأعمال القتالية. لكن الفجوة بين الهدن المؤقتة وبين التسوية الشاملة ظلت واسعة.

ماذا يعني هذا التطور بالنسبة لمصر؟

بالنسبة للقارئ المصري، تبدو أهمية الملف الأوكراني أكبر من مجرد متابعة أزمة بعيدة جغرافياً. مصر تعاملت منذ اندلاع الحرب مع الأزمة باعتبارها قضية ذات أثر مباشر على الأمن الغذائي العالمي والإقليمي، وليس فقط باعتبارها نزاعاً سياسياً بين موسكو وكييف. وثيقة رسمية لوزارة الخارجية المصرية توضح أن القاهرة انخرطت في جهود دعم التسوية السياسية منذ 2022، وشاركت في مبادرات عربية وأفريقية ودولية متصلة بالأزمة، مع تأكيدها المستمر على أولوية الحلول السلمية والدبلوماسية. كما تشير الوثيقة إلى أن صادرات روسيا وأوكرانيا من القمح كانت تمثل 23% من إجمالي الصادرات العالمية لهذه السلعة الاستراتيجية، وهي نسبة تفسر لماذا تابعت مصر تطورات الحرب من زاوية الأمن الغذائي بقدر متابعتها من زاوية السياسة الدولية.

هذا الموقف تجدد عملياً في 31 أغسطس 2026، عندما أجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالاً هاتفياً مع وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها، وأكد خلاله دعم مصر للتوصل إلى تسوية سياسية للأزمة، مع التشديد على خفض التصعيد واللجوء إلى الحلول الدبلوماسية. وقبل ذلك أيضاً، كانت الخارجية المصرية قد أعادت في اتصالات سابقة خلال 2026 التأكيد على النهج نفسه، مقروناً باهتمام واضح بأبعاد التعاون الاقتصادي وسلاسل الإمداد والحبوب.

من هنا، فإن أي حديث عن تكاثر الدول الراغبة في استضافة مفاوضات أوكرانيا يهم مصر من زاويتين: الأولى تتعلق بإمكانية تحريك مسار يخفف تقلبات أسواق الغذاء والطاقة، والثانية ترتبط بموقع القاهرة داخل شبكة أوسع من الدول التي تدافع عن حلول سياسية وتوازنات عملية، بعيداً عن منطق الاستقطاب الحاد. كما أن وزارة الخارجية المصرية (@egyptmfa على إنستغرام) تعرض في بياناتها هذا التصور القائم على خفض التصعيد وتوسيع المساحات الدبلوماسية.

هل نحن أمام اختراق حقيقي؟

من المبكر اعتبار تعدد عروض الاستضافة مؤشراً على قرب اتفاق. الأرجح أن هذا التطور يعكس بقاء باب التفاوض موارباً، لا أكثر. فالحرب لم تصل بعد إلى لحظة إنهاك سياسي كاملة تُجبر الأطراف على تقديم التنازلات المطلوبة، كما أن الوسطاء المحتملين أنفسهم يختلفون في درجة القبول لدى موسكو وكييف، وفي حدود تأثيرهم على القرارين الروسي والأوكراني. لهذا تبدو المنافسة على الاستضافة، في هذه المرحلة، أقرب إلى سباق على الجاهزية الدبلوماسية منه إلى إعلان عن انطلاق مفاوضات نهائية.

لكن في الوقت نفسه، لا ينبغي التقليل من أهمية هذا الحراك. مجرد وجود عدة دول مستعدة لتوفير منصة تفاوضية يعني أن المجتمع الدولي، أو أجزاء مؤثرة منه على الأقل، ما زال يرى أن الحل السياسي لم يُغلق تماماً. وفي عالم يزداد انقساماً، تصبح القدرة على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة قيمة سياسية بحد ذاتها، حتى لو تأخر الحسم. بالنسبة لمصر والمنطقة العربية، تبقى المصلحة واضحة: كل خطوة جادة نحو التهدئة في أوكرانيا تعني فرصة أفضل لاستقرار الأسواق، وتهدئة الضغوط التضخمية، وتقليص الاضطراب في تجارة الحبوب والطاقة.

الخلاصة: الخبر ليس في أن عشر دول تقريباً تريد الاستضافة، بل في أن العالم لا يزال يبحث عن صيغة تفاوض قابلة للحياة. وحتى الآن، يبدو أن العناوين كثيرة، أما الشروط السياسية للتسوية فما زالت هي الامتحان الأصعب.