عصام خليل: إنعاش الأحزاب يبدأ من الفكرة لا من الشارع
الحياة الحزبية في مصر بين الشعار والممارسة
أعاد الدكتور عصام خليل، رئيس حزب المصريين الأحرار وعضو مجلس الشيوخ، فتح ملف قديم ومتجدد في آن واحد: ما المقصود فعلًا بتنشيط الحياة الحزبية في مصر؟ جاءت مداخلته التلفزيونية على قناة «إكسترا نيوز» في توقيت سياسي لافت، بعد توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية للدولة «الأوكتاجون» في العاصمة الجديدة يوم 4 يوليو 2026، والتي تضمنت الدفع نحو تنشيط الحياة الحزبية، وتأهيل الكوادر السياسية والشبابية، واستكمال الاستعدادات الخاصة بانتخابات المجالس المحلية.
في هذا السياق، لم يتعامل خليل مع الملف باعتباره مجرد عنوان إنشائي، بل باعتباره مسألة تحتاج إلى جهد مؤسسي وثقافة سياسية ممتدة، لا تُختزل في الفعاليات أو الحضور الإعلامي.
ماذا قال عصام خليل؟
بحسب ما نشرته وسائل إعلام مصرية، قال خليل إن الحديث عن تنشيط الحياة الحزبية والسياسية يبدو بسيطًا في اللفظ، لكنه معقد في التطبيق، لأن المجال الحزبي في مصر مرّ بتحولات طويلة منذ إلغاء الأحزاب بعد 1952 ثم المرور بمراحل سياسية متعددة لاحقًا. كما شدد على أن المشكلة لا تتعلق فقط بوجود أحزاب على الورق، بل بغياب ما وصفه بـالثقافة الحزبية لدى قطاعات واسعة من المواطنين.
وفي جوهر طرحه، يميز رئيس حزب المصريين الأحرار بين الحزب بوصفه منظومة فكرية لها مبادئ سياسية وتصورات اقتصادية واجتماعية، وبين الحزب بوصفه مجرد لافتة أو نشاط مناسباتي. هذه النقطة ليست تفصيلًا لغويًا، بل مدخلًا لفهم أزمة بنيوية عانت منها أحزاب كثيرة: اتساع الشكل، مقابل محدودية التأثير.
لماذا تبدو «الثقافة الحزبية» هي الحلقة الأضعف؟
حديث خليل عن الثقافة الحزبية يلامس سؤالًا محوريًا في المجال العام المصري: لماذا ينضم المواطن إلى حزب سياسي أصلًا؟ إذا لم تكن الإجابة واضحة، يصبح الانتماء الحزبي أقرب إلى إجراء شكلي أو مصلحة ضيقة، لا إلى اقتناع ببرنامج أو رؤية. ومن هنا جاءت إشارته إلى أن الحزب ليس وسيلة للحصول على «كارنيه» ولا قناة لتحقيق منفعة شخصية، بل مدرسة لإنتاج القيادات وصياغة البدائل والتنافس على أساس سياسي واضح.
هذا الطرح يتقاطع مع ما دافعت عنه الدولة في مسارات أخرى، خصوصًا عبر الحوار الوطني الذي قدّمه مركز المعلومات التابع للهيئة العامة للاستعلامات باعتباره مساحة جامعة لمشاركة الأحزاب والقوى السياسية والشبابية والنقابات والشخصيات العامة في مناقشة أولويات الدولة. الفكرة هنا أن السياسة لا تُبنى فقط من أعلى، بل تحتاج إلى قنوات مؤسسية تُدرّب وتُشرك وتنتج نقاشًا عامًا منظمًا.
دلالة توقيت التصريحات بعد خطاب «الأوكتاجون»
أهمية تصريحات عصام خليل لا تنبع فقط من مضمونها، بل أيضًا من توقيتها. فالرئيس السيسي، خلال افتتاح «الأوكتاجون» في 4 يوليو 2026، لم يربط بناء الدولة فقط بالأمن القومي أو الإدارة الاستراتيجية، وإنما ضمّن حديثه تكليفات سياسية مباشرة، من بينها تنشيط الحياة الحزبية، وتأهيل الشباب، والتحضير للاستحقاقات المحلية المقبلة. هذا الربط بين البنية المؤسسية للدولة وبين توسيع المجال السياسي المنظم يقدّم رسالة مفادها أن الدولة ترى التعددية الحزبية جزءًا من معادلة الاستقرار، لا عبئًا عليها.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم ترحيب حزب المصريين الأحرار بهذه الإشارات بوصفها اعترافًا رسميًا بأن المرحلة المقبلة لا تحتاج فقط إلى مشروعات وبنية تحتية، بل إلى أحزاب أكثر جاهزية وقدرة على رفد المجال العام بكوادر وسياسات ومقاربات محلية وتشريعية.
هل تكفي الفعاليات الميدانية لصناعة حزب مؤثر؟
الرسالة الأكثر مباشرة في حديث خليل كانت رفض اختزال العمل الحزبي في إقامة فعاليات في الشوارع. فالحزب، في التصور السياسي الكلاسيكي، يقوم بأربع وظائف أساسية:
- صياغة برنامج يقدّم حلولًا قابلة للنقاش والتنفيذ.
- إعداد كوادر تستطيع العمل النيابي والمحلي والتنفيذي.
- تمثيل مصالح فئات اجتماعية ومهنية داخل المجال العام.
- خلق تواصل سياسي مستمر مع المواطنين، لا يظهر فقط في مواسم الانتخابات.
وعندما تغيب هذه الوظائف، يتحول الحزب إلى كيان محدود الأثر، حتى لو امتلك حضورًا بصريًا أو نشاطًا دعائيًا. لذلك فإن انتقاد خليل لما يمكن وصفه بالتصور المناسباتي للعمل الحزبي يحمل بعدًا نقديًا داخليًا يتجاوز حزبه إلى المشهد الأوسع.
استحقاق المجالس المحلية.. الاختبار العملي الأقرب
إذا كان الجدل حول الحياة الحزبية يبدو نظريًا أحيانًا، فإن انتخابات المجالس المحلية تمثل الاختبار العملي الأقرب لمدى جاهزية الأحزاب. فهذه الانتخابات، التي أشار إليها الرئيس ضمن التكليفات المعلنة في خطاب افتتاح القيادة الاستراتيجية، لا تتطلب فقط أسماء مرشحين، بل شبكات تنظيمية وبرامج خدمية وقدرة على التواصل مع الشارع المحلي في المحافظات والمراكز والقرى.
من هنا، تبدو دعوة خليل إلى ترسيخ الثقافة الحزبية ذات طابع عملي، لأن العمل المحلي تحديدًا هو الساحة التي تكشف إن كان الحزب يملك كوادر مدرّبة وقادرة على فهم الملفات اليومية للمواطنين، أم أنه يكتفي بخطاب عام لا يترجم نفسه تنظيميًا.
من أزمة التاريخ إلى سؤال المستقبل
استدعاء خليل لتاريخ إلغاء الأحزاب بعد 1952 ليس مجرد استرجاع للماضي، بل محاولة لتفسير الفجوة الراهنة. فالتطور الحزبي لا ينشأ بقرارات إدارية وحدها، بل بتراكم طويل من الممارسة والثقة والتنافس والبرامج. وعندما تنقطع هذه السلسلة لعقود، يصبح من الطبيعي أن تعود الأحزاب لاحقًا وهي تواجه ضعفًا في التجذر المجتمعي، وارتباكًا في تعريف أدوارها، وتفاوتًا كبيرًا في قدرتها على الحشد أو التأثير.
لكن هذه القراءة لا تعني أن المشهد مغلق. على العكس، فإن الجمع بين خطاب رسمي يدعو لتنشيط السياسة، ووجود منصات مثل الحوار الوطني، وعودة النقاش حول الكوادر والعمل المحلي، يمكن أن يفتح نافذة لإعادة تعريف الحزب السياسي في الوعي العام المصري، بشرط الانتقال من الكلام إلى البناء التنظيمي الجاد.
خلاصة المشهد
ما قاله عصام خليل يختصر معضلة أساسية في السياسة المصرية: هل نريد أحزابًا تُرى، أم أحزابًا تُؤثر؟ الفارق بين الاثنين كبير. فالأولى تملأ المشهد حضورًا، والثانية تملأه مضمونًا. وبينهما تقع معركة الثقافة الحزبية، وبناء الثقة، وإعداد الكوادر، والقدرة على طرح برامج مفهومة للمواطن.
في هذا المعنى، لا تبدو تصريحات رئيس حزب المصريين الأحرار مجرد تعليق عابر على حدث سياسي، بل أقرب إلى تنبيهٍ إلى أن إنعاش الحياة الحزبية لن يتحقق بالزخم اللفظي وحده، وإنما بعمل طويل على الفكرة والتنظيم والناس. وهذا، في النهاية، هو الاختبار الحقيقي لأي حديث عن إصلاح سياسي يريد أن يعيش خارج الشاشات.