Akhbar Cairo

عصام هلال: غياب المحليات أضعف خبرات نواب وخدمات المواطنين

عودة ملف المحليات إلى الواجهة

عاد ملف قانون الإدارة المحلية وانتخابات المجالس الشعبية المحلية إلى صدارة النقاش السياسي في مصر، بعد تصريحات أدلى بها النائب عصام هلال عفيفي، عضو مجلس الشيوخ والأمين العام المساعد لحزب مستقبل وطن، أكد فيها أن غياب المجالس المحلية خلال السنوات الماضية كان سببًا مباشرًا في تراجع الخبرات لدى بعض النواب، إلى جانب تحميل أعضاء البرلمان أعباء خدمية كان يفترض أن تضطلع بها المحليات.

هلال أوضح، خلال ظهوره في برنامج «كلمة أخيرة» المذاع عبر قناة ON مساء الإثنين 6 يوليو 2026، أن الدولة المصرية تمتلك الجاهزية من حيث المبدأ للمضي نحو إصدار قانون جديد للإدارة المحلية وإجراء الانتخابات، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن المسألة لا تتوقف عند تحديد موعد اقتراع فقط، بل ترتبط ببناء منظومة كاملة قادرة على العمل بكفاءة فور انتخابها.

لماذا يعتبر غياب المحليات أزمة ممتدة؟

بحسب التصريحات المتداولة لهلال في وسائل إعلام مصرية، فإن آخر انتخابات للمجالس المحلية كانت في عام 2008، بينما جرى حل هذه المجالس في 2011، ما يعني أن مصر عاشت قرابة 15 عامًا من دون مجالس شعبية محلية منتخبة. وخلال هذه الفترة، انتقلت شكاوى المواطنين اليومية واحتياجاتهم الخدمية بصورة أكبر إلى أعضاء مجلسي النواب والشيوخ، رغم أن الدور الدستوري الأصيل للبرلمان يتركز في التشريع والرقابة.

هذا الفراغ، وفق الطرح نفسه، لم ينعكس فقط على الخدمات، بل على عملية إعداد الكوادر السياسية أيضًا. فالمجالس المحلية كانت تاريخيًا بوابة مهمة لتخريج عناصر تملك خبرة ميدانية وإدارية قبل الانتقال إلى العمل البرلماني أو التنفيذي، وهو ما يفسر حديث هلال عن أن المحليات كانت بمثابة مدرسة عملية لإعداد قيادات قادرة على فهم احتياجات الشارع والتعامل مع الملفات اليومية في المحافظات والمراكز والقرى.

القانون الجديد.. أكثر من مجرد انتخابات

واحدة من النقاط المركزية في تصريحات النائب عصام هلال أن الجدل العام يختزل قانون الإدارة المحلية في الجزء المرتبط بالانتخابات، بينما الواقع التشريعي أوسع بكثير. فبحسب ما قاله، المواد المنظمة للانتخابات لا تمثل سوى نحو ربع القانون، في حين أن بقية النصوص ترتبط بتنظيم العلاقة بين المجالس المحلية والأجهزة التنفيذية، وآليات الاختصاص والرقابة، وكيفية إدارة الموارد واتخاذ القرار على المستوى المحلي.

هذه الإشارة تكتسب أهمية خاصة في ظل التحركات البرلمانية القائمة؛ إذ أحال مجلس النواب في 16 فبراير 2026 مشروع قانون بشأن الإدارة المحلية، مقدمًا من النائب محمد عطية الفيومي وأكثر من عُشر عدد أعضاء المجلس، إلى لجنة مشتركة من لجان الإدارة المحلية والشئون الدستورية والتشريعية والخطة والموازنة لدراسته ومراجعته.

وتشير المناقشات المرتبطة بالمشروع إلى أن الهدف ليس فقط إعادة انتخاب مجالس غابت طويلًا، بل التحرك نحو تطبيق أوسع لفكرة اللامركزية، ومنح الوحدات المحلية قدرًا أكبر من الفاعلية في إدارة ملفاتها الخدمية والتنموية، بما يخفف الضغط عن المركز ويحسن سرعة الاستجابة للمواطنين في المحافظات.

ماذا يقول الدستور عن تشكيل المجالس المحلية؟

الحديث عن المحليات لا ينفصل عن الإطار الدستوري. فالدستور المصري لعام 2014 خصص بابًا للإدارة المحلية، ونص في المادة 180 على أن تنتخب كل وحدة محلية مجلسًا بالاقتراع العام السري المباشر لمدة أربع سنوات. كما أقر نسب تمثيل ملزمة داخل هذه المجالس، من بينها 25% للشباب دون 35 عامًا و25% للمرأة، مع تمثيل مناسب للمسيحيين وذوي الإعاقة، وضمان نسبة لا تقل عن 50% للعمال والفلاحين.

وتعني هذه الصياغة أن انتخابات المحليات المقبلة، متى جرى إقرار القانون المنظم لها، ستكون من أكبر الاستحقاقات السياسية والتنظيمية في مصر، ليس فقط بسبب عدد المقاعد المتوقع، بل أيضًا لأن تشكيلها يرتبط بتمثيل اجتماعي واسع ومتوازن داخل المحافظات والقرى والمدن.

هل الأحزاب جاهزة فعلًا؟

الشق الأكثر إثارة في تصريحات عصام هلال تمثل في قوله إن بعض الأحزاب السياسية ليست جاهزة بالدرجة الكافية لهذا التحول. وهنا لا يدور الحديث فقط عن الدفع بمرشحين، بل عن امتلاك قواعد تنظيمية، وكوادر مؤهلة، وقدرة على إدارة حملات انتخابية محلية واسعة، ثم متابعة الأداء بعد الفوز.

وتبدو هذه النقطة منطقية إذا ما أُخذ في الاعتبار الحجم المتوقع للمجالس المحلية المقبلة، وتعقيد الخريطة الجغرافية والإدارية في مصر. فخوض انتخابات المحليات يختلف عن الانتخابات البرلمانية من حيث الانتشار، والاحتكاك اليومي بالمواطن، والحاجة إلى مرشحين يعرفون تفاصيل مشكلات الأحياء والقرى والمرافق والخدمات.

وفي هذا السياق، تكثف بعض الأحزاب خلال الفترة الأخيرة تحركاتها التنظيمية والداخلية استعدادًا لهذا الاستحقاق، بينما اتجهت أحزاب أخرى إلى إنشاء أو تفعيل أمانات متخصصة بالمجالس المحلية، في محاولة لبناء صف ثانٍ وثالث من الكوادر القادرة على العمل الميداني والإداري.

أثر المحليات على حياة المواطن اليومية

بالنسبة للمواطن المصري، لا يبدو ملف المحليات مجرد نقاش سياسي نخبوِي، بل قضية تمس الحياة اليومية مباشرة. فالمجالس المحلية ترتبط بملفات مثل النظافة والطرق الداخلية والإنارة والتراخيص والمرافق ومتابعة الأداء التنفيذي داخل الوحدات المحلية. ومن ثم، فإن عودتها قد تخلق قناة أكثر قربًا بين السكان والأجهزة المسؤولة عن الخدمات الأساسية.

كما أن وجود مجلس محلي منتخب وفاعل يمكن أن يعزز الرقابة الشعبية على الأداء التنفيذي في المحافظات، وأن يمنح المواطنين إطارًا مؤسسيًا أقرب لعرض شكاواهم ومطالبهم، بدلًا من الاعتماد الكامل على النواب في ملفات تتجاوز أحيانًا الاختصاص البرلماني التقليدي.

المرحلة المقبلة: بين التشريع والاستعداد السياسي

المؤكد حتى الآن أن ملف الإدارة المحلية في مصر يتحرك على مستويين متوازيين: الأول تشريعي داخل مجلس النواب لاستكمال مناقشة مشروع القانون، والثاني سياسي وتنظيمي داخل الأحزاب والقوى العامة استعدادًا لأي جدول زمني انتخابي مقبل. وبين المسارين، تبقى مسألة تأهيل الكوادر هي العنوان الأبرز، خاصة مع الإقرار الواسع بأن غياب المحليات طوال السنوات الماضية ترك فراغًا في مسار إنتاج القيادات المحلية والسياسية.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة تصريحات عصام هلال باعتبارها محاولة لإعادة تعريف النقاش: فالقضية ليست فقط موعد انتخابات، وإنما كيف تُبنى محليات قادرة على الرقابة والخدمة وصناعة القيادات. وإذا نجح القانون المرتقب في ضبط العلاقة بين المجالس المنتخبة والجهاز التنفيذي، فقد يشكل ذلك نقطة تحول مهمة في إدارة الشأن المحلي داخل مصر خلال السنوات المقبلة.

  • آخر انتخابات محليات: 2008
  • حل المجالس المحلية: 2011
  • إحالة مشروع قانون الإدارة المحلية للجان المختصة: 16 فبراير 2026
  • موعد تصريحات عصام هلال التلفزيونية محل الجدل: مساء الإثنين 6 يوليو 2026

وبين الانتظار الشعبي والجدل الحزبي والعمل التشريعي، يبدو أن انتخابات المجالس المحلية لم تعد ملفًا مؤجلًا فحسب، بل استحقاقًا يقترب تدريجيًا من لحظة الحسم، وسط ترقب واسع لما إذا كانت هذه العودة ستفتح بابًا جديدًا لتطوير الإدارة المحلية وتحسين الخدمات وصناعة كوادر سياسية أكثر التصاقًا بالشارع المصري.