عقوبات واشنطن على رئيسة الجنائية الدولية: صدام يتجاوز الشخص
رئيسة الجنائية الدولية تحت العقوبات الأمريكية: ماذا يعني أن يُعاقَب القضاء الدولي؟
لم تعد المواجهة بين واشنطن والمحكمة الجنائية الدولية مجرد خلاف قانوني عابر، بل تحولت إلى اختبار سياسي مباشر لقدرة مؤسسات العدالة الدولية على الصمود أمام الضغوط الكبرى. في قلب هذه المواجهة تقف رئيسة المحكمة، القاضية اليابانية توموكو أكاني، التي أعلنت بوضوح أنها لن تستسلم للعقوبات الأمريكية، حتى بعدما طالت حياتها العملية اليومية، بما في ذلك تعطيل استخدام بطاقتها الائتمانية.
أكاني، وهي رئيسة المحكمة الجنائية الدولية ومقرها لاهاي، قالت في 26 أغسطس 2026 إنها لن تتراجع حتى لو توسعت العقوبات لتطال المؤسسة نفسها، معتبرة أن المحكمة الدائمة لا يجوز السماح بإسكاتها أو شلها. هذا الموقف لا يخص شخصًا بعينه بقدر ما يسلط الضوء على سؤال أكبر: هل تستطيع العدالة الدولية الاستمرار حين تدخل في اشتباك مباشر مع القوة الأمريكية؟
من هي توموكو أكاني ولماذا أصبحت هدفًا؟
توموكو أكاني قاضية يابانية تشغل رئاسة المحكمة الجنائية الدولية، وتظهرها وثائق المحكمة الرسمية بصفتها President of the ICC. وجاء استهدافها ضمن خطوة أمريكية أُعلنت في 18 أغسطس 2026، حين أدرج مكتب مراقبة الأصول الأجنبية بوزارة الخزانة الأمريكية اسمها، إلى جانب المسؤول القضائي السنغالي عبد الله سي، على قوائم العقوبات المرتبطة بالمحكمة الجنائية الدولية.
عمليًا، تعني هذه الخطوة تجميد أي ممتلكات أو مصالح تقع ضمن الولاية الأمريكية، وحظر المعاملات المرتبطة بالنظام المالي الأمريكي. لهذا لم يكن مستغربًا أن تكشف أكاني أن أول أثر ملموس للعقوبات كان توقف قدرتها على استخدام بطاقتها الائتمانية. ورغم أن هذا التفصيل يبدو شخصيًا، فإنه يكشف مدى نفوذ البنية المالية الأمريكية، وقدرتها على تحويل الخلافات السياسية إلى قيود تشغيلية يومية.
الإدارة الأمريكية ولماذا تصعّد الآن؟
الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب بررت العقوبات بأنها رد على ما تعتبره ممارسات من المحكمة ضد مسؤولين من دول لم توافق حكوماتها على اختصاص المحكمة. وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو اتهم المستهدفين بالمشاركة في جهود تحقيق أو ملاحقة أو احتجاز مسؤولين دون سند من موافقة دولهم، بحسب الموقف الأمريكي المعلن.
لكن القراءة السياسية الأوسع تشير إلى أن التصعيد لا ينفصل عن مسار التوتر المتراكم بين واشنطن والمحكمة، خاصة في الملفات التي تمس إسرائيل. فالمحكمة أصدرت في نوفمبر 2024 مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف جالانت في سياق القضية المتعلقة بالحرب على غزة. ومنذ ذلك الحين، أخذت المواجهة منحى أكثر حدة، ليس فقط بين المحكمة وإسرائيل، بل أيضًا بينها وبين الولايات المتحدة التي تنظر إلى هذه الخطوات باعتبارها مساسًا بحليف استراتيجي.
الأساس القانوني الذي تستند إليه المحكمة
إحدى النقاط الأساسية في هذا الجدل أن الولايات المتحدة وإسرائيل ليستا طرفين في نظام روما الأساسي، وهو المعاهدة المؤسسة للمحكمة. غير أن هذا لا ينهي النقاش قانونيًا، لأن دولة فلسطين انضمت إلى نظام روما الأساسي في 2 يناير 2015، ودخل النظام حيز النفاذ بالنسبة لها في 1 أبريل 2015. كما أكدت المحكمة في قرارها الصادر في 5 فبراير 2021 أن اختصاصها الإقليمي في الحالة الفلسطينية يمتد إلى غزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية.
هذه التفاصيل مهمة جدًا للقارئ المصري والعربي، لأن جوهر الخلاف ليس فقط سياسيًا، بل يتعلق أيضًا بمن يملك حق فتح التحقيق عندما تقع الجرائم المزعومة على أراضٍ يعتبرها النظام القانوني للمحكمة خاضعة لاختصاصها. من هنا، فإن الهجوم على المحكمة لا يُقرأ في المنطقة باعتباره نقاشًا تقنيًا حول الصلاحيات فقط، بل باعتباره اختبارًا لإمكانية مساءلة مسؤولين أقوياء في قضايا تمس الفلسطينيين مباشرة.
رد أكاني: الدفاع عن المؤسسة لا عن المنصب
في تصريحاتها الأخيرة، ركزت أكاني على فكرة محورية: الخطر لا يقف عند العقوبات الفردية، بل يمتد إلى احتمال خلق سابقة تُضعف سيادة القانون الدولي نفسها. وفي تقديرها، إذا تحوّل استهداف القضاة والمدعين في المحكمة إلى أمر معتاد، فإن الرسالة الموجهة إلى العالم ستكون أن العدالة الدولية مسموح لها بالتحرك فقط عندما لا تزعج القوى الكبرى.
هذا الخطاب يفسر سبب إصرارها على عدم الاستسلام. فالقضية، من وجهة نظرها، ليست دفاعًا عن امتيازات شخصية أو عن موقع إداري، بل عن مبدأ استقلال القضاء الدولي. كما أن اختيارها الحديث من طوكيو بعد أيام من فرض العقوبات منح الأزمة بعدًا أوسع، لأنها بدت كأنها تناشد الدول الأعضاء في المحكمة، وخصوصًا الدول الأقل قدرة على مقاومة الضغط الأمريكي، ألا تتراجع عن دعمها للمؤسسة.
الدعم الأوروبي والياباني: تضامن مهم لكن محدود
التحركات الدولية المؤيدة للمحكمة موجودة، لكنها حتى الآن لم تتحول إلى مظلة حماية كاملة. اليابان وصفت العقوبات الأمريكية بأنها «مؤسفة للغاية»، وقالت رئيسة الوزراء اليابانية سانائي تاكايتشي إن بلادها، بوصفها أكبر ممول للمحكمة، معنية بحماية هذه المؤسسة المهمة. كما أبدى مسؤولون أوروبيون دعمهم للمحكمة واستقلالها، في موقف يعكس قلقًا أوروبيًا متزايدًا من استخدام أدوات العقوبات ضد هيئات قضائية دولية.
مع ذلك، يبقى السؤال الحقيقي: هل يكفي الدعم السياسي الرمزي؟ التجربة تقول إن المؤسسات الدولية لا تُحمى بالبيانات وحدها، بل بآليات مصرفية وقانونية ودبلوماسية تعزلها عن آثار العقوبات العابرة للحدود. وإذا كانت رئيسة المحكمة نفسها تتحدث عن تعطيل بطاقتها الائتمانية، فهذا يعني أن شبكة التأثير الأمريكية أعمق من مجرد قرار سياسي قابل للاعتراض اللفظي.
لماذا تهم هذه الأزمة مصر والمنطقة العربية؟
من منظور مصري، لا تبدو القضية بعيدة. فالنقاش حول المحكمة الجنائية الدولية يرتبط مباشرة بملفات الحرب والاحتلال والمساءلة، وهي موضوعات حاضرة بقوة في المجال العام العربي، خصوصًا منذ حرب غزة. كما أن أي إضعاف لمؤسسة قضائية دولية معنية بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية ينعكس على فرص محاسبة مرتكبي الانتهاكات في المنطقة.
وفي مصر، حيث يتابع الرأي العام تطورات الملف الفلسطيني بكثافة، تبدو هذه الأزمة أكثر من مجرد خلاف أمريكي-أوروبي. إنها تمس فكرة العدالة العابرة للحدود نفسها: هل توجد قواعد واحدة للجميع، أم أن النظام الدولي يسمح بالملاحقة حين يكون المتهم ضعيفًا، ويتراجع حين يتعلق الأمر بحلفاء واشنطن أو بمصالحها؟
بين السياسة والقانون: إلى أين تتجه المواجهة؟
الأرجح أن المعركة ستستمر على مستويين متوازيين. الأول قانوني ومؤسسي داخل المحكمة وبين الدول الأطراف في نظام روما. والثاني سياسي ومالي، يتعلق بقدرة الولايات المتحدة على زيادة كلفة العمل داخل المحكمة أو على المحيطين بها. وإذا اتسع نطاق العقوبات مستقبلًا ليشمل كيانات أو ترتيبات مرتبطة بالمحكمة نفسها، فإن التحدي قد يصبح وجوديًا لا إداريًا فقط.
ومع ذلك، فإن تمسك أكاني بعدم التراجع يحمل دلالة مهمة: المحكمة تحاول أن تقول إن شرعيتها لا تُستمد من رضا القوى الكبرى، بل من المعاهدات التي أنشأتها ومن الدول التي انضمت إليها. غير أن هذا المبدأ، مهما بدا راسخًا على الورق، يحتاج إلى حماية سياسية حقيقية كي يبقى قابلًا للحياة.
خلاصة الرأي
في الظاهر، تبدو القصة عنوانًا خبريًا عن رئيسة محكمة دولية تعجز عن استخدام بطاقتها الائتمانية بسبب العقوبات. لكن في العمق، نحن أمام مشهد أشد تعبيرًا: قاضية دولية تقول إن المؤسسة التي تمثلها يجب ألا تُغلق أو تُرغم على الصمت، فيما تستخدم أقوى دولة في العالم أدواتها المالية لمعاقبة من يواصلون العمل داخلها.
لهذا، فإن عبارة «لن نستسلم» ليست مجرد رد شخصي من توموكو أكاني، بل توصيف دقيق لمعركة أوسع بين منطق القوة ومنطق القانون. والسؤال الذي سيبقى مطروحًا، عربيًا ودوليًا، ليس ما إذا كانت المحكمة ستصمد اليوم فقط، بل ما إذا كان النظام الدولي نفسه ما زال قادرًا على حماية فكرة العدالة عندما تصبح مكلفة سياسيًا.