عماد الدين أديب: حرب إيران وأمريكا بلا منتصر حاسم
قراءة سياسية: لماذا قال عماد الدين أديب إن لا أحد خرج منتصرًا بالكامل؟
طرح الكاتب والمحلل السياسي عماد الدين أديب قراءة لافتة للتطورات التي أحاطت بالمواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، معتبرًا أن المشهد لا يمكن وصفه بانتصار أمريكي كامل ولا بهزيمة إيرانية مكتملة. جوهر هذه الرؤية أن ما جرى في الإقليم خلال صيف 2025 انتهى إلى صيغة التباس سياسي وعسكري، بحيث بات في وسع كل طرف أن يقدّم النتيجة لجمهوره الداخلي باعتبارها مكسبًا نسبيًا، حتى لو كانت الوقائع على الأرض أكثر تعقيدًا من أي رواية دعائية مبسطة.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة بالنسبة للقارئ المصري، لأن القاهرة تعاملت منذ البداية مع التصعيد بوصفه تهديدًا مباشرًا لاستقرار المنطقة كلها، بما في ذلك أمن الممرات البحرية، وسلاسل الإمداد، وأسواق الطاقة، والبيئة الأمنية المحيطة بشمال أفريقيا والقرن الأفريقي والبحر الأحمر. ومن هذا المنطلق، تبدو ملاحظة أديب أقرب إلى توصيف سياسي لمرحلة ما بعد الضربات المتبادلة، لا مجرد تعليق إعلامي عابر.
خلفية التصعيد: من هجمات يونيو إلى إعلان وقف النار
الوقائع التي سبقت هذا التقييم كانت شديدة الحساسية. فمنذ 13 يونيو 2025 شهدت المنطقة تصعيدًا عسكريًا واسعًا على خلفية الضربات الإسرائيلية ضد إيران، وهو ما دفع مصر إلى إدانة الهجوم والتحذير من أن استمرار التصعيد يهدد الأمن والاستقرار الإقليميين ويفتح الباب أمام فوضى أوسع نطاقًا.
لاحقًا، تعقد المشهد أكثر مع دخول الولايات المتحدة على خط الضربات ضد منشآت نووية إيرانية. وفي 24 يونيو 2025 رحّب الأمين العام للأمم المتحدة بإعلان وقف إطلاق النار بين إسرائيل وإيران، كما رحّبت الرئاسة المصرية بالاتفاق في اتصال بين الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان يوم 25 يونيو 2025، مع التشديد على ضرورة الالتزام بالتهدئة وعدم الانزلاق مجددًا إلى المواجهة المفتوحة.
هذا التسلسل الزمني يفسر لماذا وصف أديب النتيجة بأنها اتفاق “مشوه” بالمعنى السياسي؛ إذ لم يأتِ بعد تسوية شاملة أو تفاهم استراتيجي طويل الأمد، وإنما أعقب جولة عنيفة من الاستنزاف والردع المتبادل، انتهت إلى وقف نار هش يمكن لكل طرف أن يقرأه على هواه.
كيف يمكن لكل طرف أن يروّج النتيجة لصالحه؟
الرواية الأمريكية
من الجانب الأمريكي، استند الخطاب الرسمي بعد الضربات إلى القول إن العمليات استهدفت البنية المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، وأنها ألحقت أضرارًا كبيرة بمواقع رئيسية. البيت الأبيض تحدث في أواخر يونيو 2025 عن “أضرار جسيمة” طالت مواقع نووية إيرانية، في إطار تبرير الضربات بوصفها عملية محدودة ومركزة تهدف إلى تقليص قدرات طهران النووية.
الرواية الإيرانية
في المقابل، تملك طهران أيضًا مساحة دعائية لا تقل أهمية. فإيران لم تسقط سياسيًا، ولم تشهد انهيارًا للنظام، كما لم يُفرض عليها استسلام معلن. بل واصلت خطابها القائم على الصمود ورفض الإملاءات الخارجية، وقدّمت ما جرى باعتباره مواجهة كبرى نجحت فيها في امتصاص الضربة وتفادي الانكسار الكامل، رغم كلفة التصعيد.
منطقة رمادية بين النصر والهزيمة
هنا تحديدًا تتجلى فكرة عماد الدين أديب: ليست كل الحروب تنتهي بصورة فوتوغرافية واضحة يظهر فيها رابح مطلق وخاسر مطلق. ففي كثير من النزاعات الحديثة، خاصة حين تتداخل الضربات العسكرية مع الحسابات النووية والردع الإقليمي والوساطات الدولية، تكون النهاية أقرب إلى هدنة قابلة للتسويق أكثر منها تسوية نهائية تحسم الصراع.
مصر على خط التهدئة: دبلوماسية نشطة لاحتواء الانفجار
بالنسبة لمصر، لم يكن التصعيد شأنًا بعيدًا. وزارة الخارجية المصرية تحركت مبكرًا، سواء عبر بيانات الإدانة أو من خلال اتصالات سياسية مكثفة قادها وزير الخارجية د. بدر عبد العاطي. وفي 5 يوليو 2025 أعلنت الخارجية إجراء سلسلة اتصالات مع عدد من الأطراف المعنية، من بينهم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، والمبعوث الأمريكي الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، ووزير الخارجية العُماني بدر بن حمد البوسعيدي، إضافة إلى المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل جروسي.
الرسالة المصرية كانت واضحة: تثبيت وقف إطلاق النار، واستئناف المسار الدبلوماسي، والعودة إلى التفاوض بشأن البرنامج النووي الإيراني. وهذا الموقف ينسجم مع ما عبّرت عنه القاهرة مرارًا من رفضها لمنطق الحسم العسكري في قضايا شديدة التعقيد، لما يحمله ذلك من تداعيات على الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط، وهي دوائر تمس المصالح المصرية والأفريقية مباشرة.
البعد الأفريقي: لماذا يهم هذا الملف القارة؟
رغم أن عنوان المواجهة يبدو شرق أوسطيًا بامتياز، فإن انعكاساته تتجاوز تلك الدائرة إلى الفضاء الأفريقي الواسع. فدول شمال أفريقيا والقرن الأفريقي تتأثر سريعًا بأي اضطراب يطال طرق التجارة والطاقة. كما أن أي توتر طويل في الخليج أو البحر الأحمر ينعكس على كلفة النقل والتأمين، ويضغط على اقتصادات مستوردة للطاقة أو الغذاء في القارة.
وبالنسبة لمصر، التي تنظر إلى أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية باعتباره امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي، فإن احتواء المواجهة الأمريكية الإيرانية ليس مجرد موقف سياسي، بل جزء من معادلة أوسع تخص استقرار المجال الإقليمي المحيط بأفريقيا الشمالية والشرقية.
- أمن الملاحة: أي توسع للصراع يهدد خطوط النقل عبر البحر الأحمر ومضائق المنطقة.
- أسواق الطاقة: ارتفاع التوتر ينعكس سريعًا على أسعار النفط والغاز والشحن.
- الاستقرار الإقليمي: دول القارة القريبة من بؤر التوتر تتأثر أمنيًا واقتصاديًا.
- الوساطة الدبلوماسية: يزداد وزن العواصم القادرة على التواصل مع مختلف الأطراف، وفي مقدمتها القاهرة.
هل الاتفاق الحالي قابل للحياة؟
السؤال الأهم الآن ليس فقط من ربح ومن خسر، بل ما إذا كانت التهدئة قابلة للاستمرار. الأمم المتحدة اعتبرت وقف النار فرصة لتجنب تصعيد كارثي، بينما شددت مصر في اتصالاتها الرسمية على أن تثبيت الاتفاق يجب أن يقترن بعودة المفاوضات. هذا يعني أن الهدنة، مهما بدت ضرورية، تظل ناقصة إذا لم تتحول إلى مسار سياسي يعالج أصل الأزمة المرتبط بالبرنامج النووي الإيراني، وترتيبات الأمن الإقليمي، وحدود استخدام القوة.
ومن هنا يمكن فهم وصف عماد الدين أديب للاتفاق بأنه قابل للتسويق من الجانبين: واشنطن تستطيع القول إنها استخدمت القوة وفرضت معادلة ردع، وطهران تستطيع القول إنها صمدت ولم تُهزم. لكن ما بين الروايتين تظل الحقيقة الأوضح أن المنطقة تجنبت، ولو مؤقتًا، انزلاقًا أكبر كان يمكن أن يدفع الشرق الأوسط ومحيطه الأفريقي إلى مرحلة أشد اضطرابًا.
خلاصة المشهد
في المحصلة، تبدو قراءة عماد الدين أديب منسجمة مع واقع إقليمي شديد التعقيد: لا نصر حاسمًا لأمريكا، ولا هزيمة نهائية لإيران، بل وقف نار هش واتفاق ملتبس سياسيًا. وما يمنح هذا التوصيف ثقله أن الوقائع الرسمية نفسها تؤكد أن ما حدث في يونيو 2025 لم يكن نهاية للصراع، بل محطة مؤقتة بين جولة عسكرية خطرة ومساعٍ دبلوماسية لم تكتمل بعد.
وبالنسبة لمصر، فإن الرهان لا يزال على تثبيت التهدئة، ومنع انتقال التوتر إلى دوائر تمس القارة الأفريقية ومصالح شعوبها، خاصة في لحظة إقليمية لا تحتمل حربًا جديدة مفتوحة ولا مزيدًا من الفوضى العابرة للحدود.