عُمان تربط التفاهم البحري في هرمز بمآلات حوار طهران وواشنطن
عُمان: لا اتفاق نهائي في هرمز قبل اتضاح مسار التفاهم بين طهران وواشنطن
أعادت سلطنة عُمان التأكيد على أن أي تفاهم نهائي يتعلق بتنظيم الملاحة في مضيق هرمز لن ينفصل عن مسار المحادثات الأوسع بين إيران والولايات المتحدة، في إشارة تعكس الطبيعة السياسية والأمنية المعقدة لهذا الملف. وقال وزير الخارجية العُماني بدر بن حمد البوسعيدي (@badralbusaidi على إنستغرام) إن استكمال الاتفاق مع إيران بشأن المضيق يبقى مرتبطًا بما ستسفر عنه الاتصالات بين طهران وواشنطن، بينما يجري العمل حاليًا وفق ترتيبات مؤقتة إلى حين اتضاح الصورة.
هذا الموقف ينسجم مع ما أعلنه الجانب الإيراني في الأسابيع الأخيرة حول وجود تفاهمات مرحلية مع مسقط لتنظيم مرور السفن التجارية، بدلًا من الحديث عن إعادة كاملة وفورية للأوضاع السابقة في المضيق. وتبرز أهمية هذا التطور بالنظر إلى أن مضيق هرمز يُعد من أكثر الممرات المائية حساسية في العالم، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط والغاز المنقولة بحرًا، ما يجعل أي تغيير في وضعه موضع متابعة دقيقة من أسواق الطاقة والدول المستوردة، ومنها مصر التي تراقب بدورها انعكاسات أمن الملاحة على كلفة الشحن والتجارة العالمية.
ما الذي أعلنته عُمان وإيران حتى الآن؟
المعطيات المتاحة من المصادر الرسمية والتقارير الدولية تشير إلى أن مسقط وطهران ناقشتا خلال الأشهر الماضية إطارًا لإدارة حركة السفن في المضيق، بما يشمل مسارات الدخول والخروج وآليات التنسيق البحري. وكانت وكالة أسوشيتد برس قد نقلت في 25 أغسطس 2026 أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بحث مع نظيره العُماني في طهران إطارًا لتنظيم مرور السفن في مضيق هرمز. كما أفادت تقارير أخرى بأن الجانبين توصلا إلى تفاهم بشأن مسار مؤقت للملاحة التجارية، مع استمرار المشاورات الفنية حول ترتيبات أطول أمدًا.
ومن الجانب الإيراني، تحدثت وكالة «إرنا» عن تطوير بروتوكول خاص للعبور الآمن في المضيق، على أن يُستكمل بالتنسيق مع عُمان بوصفهما الدولتين المشاطئتين للممر البحري. كما قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن الهدف من هذه الترتيبات هو ضمان أمن الملاحة في ظل الاضطرابات التي شهدها الممر خلال الفترة الماضية.
لماذا ترتبط تسوية هرمز بالمحادثات الأمريكية الإيرانية؟
الربط الذي تحدث عنه الوزير العُماني لا يبدو تفصيلاً دبلوماسيًا عابرًا، بل يعكس حقيقة أن ملف هرمز بات متداخلًا مع مفاوضات أوسع تتعلق بالتهدئة الإقليمية، ووقف التصعيد، وشروط إعادة فتح الممر بصورة مستقرة. تقارير دولية عدة أشارت إلى أن إيران تعتبر ترتيبات الملاحة جزءًا من تفاهم أكبر مع واشنطن، وأنها لا تنظر إلى المسار المؤقت على أنه إعلان نهائي بإعادة المضيق إلى وضعه الطبيعي الكامل.
وفي هذا السياق، لعبت عُمان دور الوسيط الرئيسي بين الطرفين خلال عام 2026. وتشير بيانات منشورة على الموقع الرسمي لوزارة الخارجية العُمانية إلى أن مسقط استضافت مشاورات منفصلة مع الوفدين الإيراني والأمريكي في فبراير 2026، في إطار وساطتها بشأن الملف الإيراني. هذا الدور يفسر لماذا ترى السلطنة أن التفاهم البحري لا يمكن عزله عن نتائج المسار السياسي الأشمل.
ترتيبات مؤقتة بدل الحل الدائم
حتى الآن، يبدو أن المقاربة السائدة تقوم على إدارة المخاطر لا إنهائها بالكامل. فالتقارير المتوافرة تتحدث عن ممر أو مسار مؤقت للسفن التجارية، إلى جانب محادثات فنية حول خدمات الملاحة وتبادل المعلومات وربما ترتيبات تتصل بالأمن البحري وعمليات الإرشاد والإنقاذ. كما أشارت تغطيات دولية إلى أن الاجتماعات بين الجانبين شهدت بحث مشروع لإزالة الألغام ووضع آليات تشغيلية تسمح بتخفيف الاختناقات في الممر الحيوي.
ومع ذلك، لم يتحول هذا المسار المؤقت إلى اتفاق نهائي ملزم ومعلن بصورة كاملة، وهو ما يفسر حديث بدر البوسعيدي عن انتظار نتائج الحوار بين طهران وواشنطن. فالخلاف لا يقتصر على خطوط الملاحة، بل يمتد إلى الضمانات السياسية والأمنية التي تريدها إيران، مقابل ما تعتبره واشنطن أولوية لحماية حرية الملاحة واستقرار الإمدادات العالمية.
أهمية مضيق هرمز للاقتصاد العالمي
يمثل المضيق نقطة عبور استراتيجية بين الخليج العربي وبحر عُمان، وتنبع أهميته من كونه شريانًا رئيسيًا لتجارة الطاقة الدولية. لذلك فإن أي اضطراب فيه ينعكس سريعًا على أسعار النفط، وأقساط التأمين البحري، وتكاليف الشحن، وسلاسل التوريد. وبالنسبة للقارئ المصري، فالمسألة ليست بعيدة جغرافيًا أو اقتصاديًا؛ لأن تقلبات سوق الطاقة العالمية تؤثر في كلفة النقل والاستيراد، كما أن اضطراب طرق التجارة في المنطقة يعيد تشكيل حركة الشحن بين الخليج والبحر الأحمر وقناة السويس.
وتتابع الحكومات والشركات هذا الملف بحذر شديد، خصوصًا في ظل استمرار التوترات العسكرية والدبلوماسية في الإقليم. كما أن أي انفراجة في هرمز من شأنها أن تُخفف ضغوطًا واسعة على أسواق الطاقة والشحن، في حين أن تعثر المحادثات قد يطيل أمد الترتيبات المؤقتة ويُبقي حالة عدم اليقين قائمة.
عُمان بين الوساطة والتهدئة الإقليمية
تتحرك مسقط في هذا الملف انطلاقًا من تقليد دبلوماسي معروف يقوم على التهدئة وفتح قنوات الاتصال بين الخصوم. وقد ظهر ذلك بوضوح في استضافة المحادثات الأمريكية الإيرانية، وكذلك في إدارتها للمشاورات الخاصة بالمضيق. ووفق تقارير منشورة خلال سبتمبر 2026، فإن بعض الاجتماعات المتعلقة بهرمز تأجلت لاحقًا «لصالح التوافق»، في إشارة إلى حساسية الملف وتشابكه مع مواقف دول إقليمية أخرى.
هذه المرونة العُمانية تمنح مسقط مساحة للتحرك بين الأطراف المختلفة، لكنها في الوقت نفسه تجعل أي اتفاق نهائي رهينًا ببيئة سياسية أوسع من التفاهم الثنائي بين عُمان وإيران. ومن هنا يمكن فهم تصريح وزير الخارجية العُماني على أنه رسالة مزدوجة: هناك تقدم في إدارة الملاحة ومنع تعطيل السفن التجارية، لكن الوصول إلى صيغة مستقرة ودائمة يحتاج إلى تسوية أكبر بين طهران وواشنطن.
ماذا بعد؟
السيناريو الأقرب في المدى القصير هو استمرار العمل بالترتيبات المؤقتة مع تكثيف المشاورات السياسية والفنية. وإذا أحرزت المحادثات الأمريكية الإيرانية تقدمًا ملموسًا، فقد يفتح ذلك الباب أمام إعلان إطار أكثر وضوحًا لتنظيم المرور في المضيق، وربما إعادة تثبيت قواعد عبور مستقرة تحظى بقبول إقليمي ودولي. أما إذا تعثرت الاتصالات، فمن المرجح أن يبقى الوضع محكومًا بإجراءات انتقالية قابلة للتعديل وفق تطورات الميدان والسياسة.
في المحصلة، تؤكد تصريحات مسقط أن أزمة مضيق هرمز لم تعد مسألة بحرية بحتة، بل أصبحت اختبارًا مباشرًا لقدرة الدبلوماسية الإقليمية والدولية على احتواء واحدة من أخطر بؤر التوتر في العالم. وبينما تسعى عُمان إلى إبقاء خطوط التواصل مفتوحة، يبقى السؤال الأهم: هل تنجح المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة في تحويل الترتيبات المؤقتة إلى اتفاق أكثر استقرارًا، أم أن المضيق سيظل ورقة ضغط مفتوحة في صراع لم يُحسم بعد؟