Akhbar Cairo

عمدة نيويورك: المدينة لا تملك صلاحية اعتقال نتنياهو

ممداني يحسم الجدل: نيويورك لا تملك سلطة مستقلة لتنفيذ مذكرة الجنائية الدولية

أعلن زهران ممداني، عمدة مدينة نيويورك، أن إدارته راجعت المسارات القانونية المتاحة وانتهت إلى أن المدينة لا تملك صلاحية مستقلة لتنفيذ مذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وجاء موقفه في وقت يتصاعد فيه الجدل داخل الولايات المتحدة بشأن حدود سلطات الحكومات المحلية عند التعامل مع قرارات صادرة عن هيئات قضائية دولية.

وبحسب ما نقلته وكالة أسوشيتد برس في 22 يوليو 2026، قال ممداني إن مدينة نيويورك لا تملك “السلطة القانونية المستقلة” لتنفيذ هذه المذكرة، لكنه أضاف أن الحكومة الفيدرالية الأمريكية هي الجهة التي يجب أن تتحرك إذا أرادت التعامل مع الأمر على المستوى القانوني والسياسي. ويعكس هذا التصريح محاولة للفصل بين الموقف السياسي من الحرب في غزة وبين الاختصاص القانوني الفعلي للمدينة.

ما خلفية مذكرة التوقيف بحق نتنياهو؟

المحكمة الجنائية الدولية كانت قد أعلنت في 21 نوفمبر 2024 إصدار مذكرة توقيف بحق بنيامين نتنياهو، إلى جانب وزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت، في إطار القضية المرتبطة بالوضع في دولة فلسطين. ووفق البيان الرسمي للمحكمة، جاء القرار بعد رفض الطعون المقدمة من إسرائيل بشأن اختصاص المحكمة، ما أبقى أوامر التوقيف قائمة من الناحية الإجرائية.

وتوضح الصفحة التعريفية للمدعى عليه على موقع المحكمة أن مذكرة التوقيف بحق نتنياهو ما زالت مسجلة ضمن ملفات المحكمة منذ صدورها في 21 نوفمبر 2024. كما تُظهر وثائق قضائية لاحقة منشورة على موقع المحكمة خلال 2025 استمرار الإشارة إلى سريان هذه المذكرة ضمن الإجراءات المتصلة بالقضية.

لماذا تقول نيويورك إنها غير مخولة بالتنفيذ؟

جوهر موقف ممداني يرتبط ببنية النظام الأمريكي نفسه. فالمدن، بما فيها نيويورك، لا تملك عادةً سياسة خارجية مستقلة، كما أن اختصاصاتها الجنائية والإجرائية تعمل داخل إطار القانون المحلي وقانون ولاية نيويورك والقانون الفيدرالي. وبحسب المواد التعريفية المنشورة على المواقع الرسمية لمدينة نيويورك، فإن الإدارة القانونية للمدينة تقدم المشورة للمسؤولين وتتعامل مع إنفاذ القوانين المحلية والدعاوى المدنية والتنظيمية، لكنها ليست جهة مختصة من تلقاء نفسها بتنفيذ أوامر صادرة عن محكمة دولية.

كما تشير صفحات قانونية رسمية تابعة للمدينة وإدارة شرطة نيويورك إلى أن تنفيذ أوامر القبض يتم في العادة استنادًا إلى أوامر قضائية صادرة ضمن النظامين الفيدرالي أو الولائي، أو وفق آليات منصوص عليها في القوانين الأمريكية ذات الصلة. ومن هنا، فإن حديث ممداني ينسجم مع قراءة قانونية مفادها أن البلدية لا تستطيع، منفردة، تحويل مذكرة دولية إلى إجراء تنفيذي داخل المدينة من دون غطاء قانوني أمريكي واضح.

ماذا يعني ذلك سياسيًا؟

سياسيًا، يحمل تصريح عمدة نيويورك دلالتين في آن واحد. الأولى أنه لا يمنح نتنياهو غطاءً قانونيًا أو تبرئة، بل يضع القضية في إطار الاختصاص. والثانية أنه يضغط باتجاه نقل المسؤولية إلى واشنطن، أي إلى الحكومة الفيدرالية الأمريكية، بوصفها الجهة الأقدر على التعامل مع الالتزامات الدولية والعلاقات الخارجية.

ومن منظور المتابع المصري والعربي، تكمن أهمية هذا التطور في أنه يكشف كيف تتعامل المؤسسات الأمريكية مع ملف شديد الحساسية يتعلق بالحرب على غزة، والاتهامات المرتبطة بالقانون الدولي الإنساني، والعلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة وإسرائيل. فحتى عندما يصدر موقف ناقد أو متحفظ من مسؤول محلي بارز، يبقى التنفيذ الفعلي مرهونًا بتوازنات أوسع من حدود المدينة.

من هو زهران ممداني؟

زهران ممداني تولى منصب عمدة نيويورك في 1 يناير 2026، وفق الموقع الرسمي لمكتب عمدة المدينة. ومنذ وصوله إلى المنصب، يحظى بمتابعة واسعة بسبب مواقفه السياسية وتصريحاته المرتبطة بقضايا الهجرة والعدالة الاجتماعية والسياسة الخارجية، خاصة ما يتصل بالحرب الإسرائيلية على غزة وتداعياتها داخل المجتمع الأمريكي.

ويزيد وزن تصريحه الحالي من كونه يصدر عن عمدة أكبر مدينة أمريكية، وهي مدينة ذات ثقل إعلامي وسياسي عالمي، وتضم كذلك جاليات عربية ويهودية ومسلمة كبيرة، ما يجعل أي موقف يصدر عنها في هذا الملف محل متابعة داخل الولايات المتحدة وخارجها.

هل يمكن أن تُنفذ المذكرة داخل الولايات المتحدة؟

من الناحية العملية، يبقى هذا السؤال معقدًا. فالمحكمة الجنائية الدولية تعتمد في تنفيذ أوامرها على تعاون الدول، وليس لديها جهاز شرطي مستقل لتنفيذ الاعتقالات. وفي الحالة الأمريكية، يزداد التعقيد بسبب أن الولايات المتحدة ليست طرفًا في نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة. لذلك، فإن أي خطوة تنفيذية محتملة ستعتمد على قرار سياسي وقانوني على المستوى الفيدرالي، وليس المحلي.

ولهذا السبب، بدا تصريح ممداني أقرب إلى تحديد حدود السلطة لا إلى إبداء رأي قانوني مجرد. فهو يقول عمليًا إن بلدية نيويورك راجعت أدواتها ولم تجد بينها ما يسمح لها بالتصرف منفردة في شأن مذكرة دولية من هذا النوع، حتى لو كانت القضية تحظى بقدر كبير من الاهتمام الدولي.

أصداء أوسع من مجرد تصريح

إثارة هذه المسألة الآن تعكس استمرار حضور ملف غزة داخل النقاش السياسي الأمريكي، خصوصًا بعد مرور أكثر من عام ونصف على إصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرة التوقيف. كما تكشف أن الجدل لم يعد محصورًا في المنظمات الحقوقية أو الأوساط القانونية، بل وصل إلى مسؤولين تنفيذيين في مدن كبرى.

وبالنسبة للقارئ في مصر، فإن تطورات كهذه تظل مهمة لأنها ترتبط مباشرة بملف إقليمي يتابعه المصريون عن كثب، سواء بحكم الجوار الجغرافي مع قطاع غزة أو بحكم الدور السياسي والدبلوماسي المصري في القضية الفلسطينية. كما أن أي تغير في طريقة تناول المؤسسات الأمريكية لملف نتنياهو يظل محل رصد عربي واسع، حتى إن لم يتحول فورًا إلى خطوة قانونية قابلة للتنفيذ.

الخلاصة

تصريح زهران ممداني لا يغير الوضع القانوني لمذكرة المحكمة الجنائية الدولية بحق بنيامين نتنياهو، لكنه يوضح نقطة أساسية: مدينة نيويورك، بحسب مراجعتها القانونية، ليست الجهة التي تملك سلطة مستقلة لتنفيذها. وبينما تبقى المذكرة قائمة لدى المحكمة منذ 21 نوفمبر 2024، فإن أي تحرك داخل الولايات المتحدة يظل، في نهاية المطاف، مرتبطًا بقرار فيدرالي لا بلدي.