عمرو درويش: تحسين الأداء الحكومي ضرورة لشرح عائد التنمية
دعوة برلمانية لرفع كفاءة الحكومة وشرح أثر المشروعات على المواطن
عاد ملف تحسين الأداء الحكومي إلى واجهة النقاش العام في مصر بعد تصريحات جديدة للنائب عمرو درويش، عضو مجلس النواب وأمين سر لجنة الإدارة المحلية، خلال مداخلة تلفزيونية ببرنامج "الحياة اليوم" الذي يقدمه الإعلامي محمد مصطفى شردي على قناة الحياة. جوهر الرسالة التي طرحها درويش لا يتعلق فقط باستمرار تنفيذ الدولة لمشروعاتها، بل بكيفية تقديم هذه المشروعات للرأي العام وشرح مردودها الفعلي على حياة الناس.
وبحسب ما نُشر مساء الخميس 27 أغسطس 2026، قال درويش إن الحكومة تحتاج إلى خطاب أوضح تجاه المواطنين بشأن ما يُنفذ على الأرض، موضحًا أن الإعلان عن الإنجاز في صورته الرقمية لم يعد كافيًا ما لم يصاحبه تفسير مباشر للفائدة التي تعود على المواطن من المستشفى الجديد أو الطريق أو المشروع الخدمي. كما ربط مداخلته بما ورد في كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال احتفالية المولد النبوي الشريف في العاصمة الجديدة، معتبرًا أن ما طرحه الرئيس يمسّ أسئلة الشارع المصري بصورة مباشرة.
ماذا قال عمرو درويش؟
الطرح الأساسي للنائب جاء في اتجاهين متكاملين: الأول أن استمرار عجلة التنمية كان خيارًا ضروريًا للدولة خلال السنوات الماضية، والثاني أن المرحلة الحالية تفرض على الجهاز التنفيذي جهدًا أكبر في الشرح والتفسير وربط المشروع بعائده الاقتصادي والاجتماعي. وفي هذا السياق، أشار درويش إلى أن بعض المواطنين قد يسمعون عن مشروعات كبيرة دون أن تصل إليهم معلومات كافية عن أثرها المباشر، وهو ما يخلق فجوة بين ما يُنفذ وما يُدرَك شعبيًا.
هذا المعنى ليس جديدًا تمامًا في مواقف النائب؛ ففي يونيو 2025، وخلال مناقشات الموازنة العامة تحت قبة البرلمان، شدد درويش على أن المواطن لا ينشغل بالأرقام بقدر انشغاله بالاطمئنان إلى أداء الحكومة وجودة ما تقدمه من خدمات، مع تأكيده وقتها أهمية الوفاء بالاستحقاقات الدستورية في قطاعات الصحة والتعليم والبحث العلمي.
رسائل الرئيس السيسي: الانضباط المالي مع استمرار التنمية
تصريحات درويش جاءت متسقة مع رسائل رسمية متكررة صدرت عن الرئاسة في الشهور الأخيرة. ففي 16 أغسطس 2025، أعلنت رئاسة الجمهورية أن الرئيس عبد الفتاح السيسي وجّه خلال اجتماع مع رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي ووزير المالية أحمد كجوك بضرورة مواصلة الجهود المكثفة لتعزيز الانضباط المالي في الإجراءات الحكومية، بما يسهم في تطوير أداء الاقتصاد المصري ودعم جهود التنمية، مع إعطاء أولوية لخفض أعباء خدمة الدين وزيادة الإنفاق على الحماية الاجتماعية والصحة والتعليم.
كما أكد الرئيس، في اجتماع آخر نُشر في 24 مارس 2026، ضرورة مواصلة الإصلاح المؤسسي الشامل القائم على الحوكمة السليمة وترشيد الإنفاق وتعزيز الإيرادات العامة، إلى جانب دعم القطاع الخاص والاعتماد على الصادرات السلعية والخدمية كمحرك أساسي للنمو. هذه الرسائل توضح أن الحديث عن تحسين الأداء الحكومي لا يُفهم فقط في إطار إداري داخلي، بل في سياق أوسع يرتبط بقدرة الدولة على الحفاظ على التوازن بين التنمية والضبط المالي وسط ضغوط إقليمية واقتصادية متصاعدة.
أرقام تشرح خلفية النقاش
المؤشرات التي عرضتها الرئاسة في أغسطس 2025 تعطي خلفية مهمة لهذا الجدل. فقد أشير إلى تحقيق فائض أولي بقيمة نحو 629 مليار جنيه في العام المالي 2024/2025، بما يعادل 3.6% من الناتج المحلي الإجمالي، مع نمو الإيرادات العامة بنسبة 29%، ووصول الإيرادات الضريبية إلى 2.204 تريليون جنيه بزيادة 35.3% مقارنة بالعام السابق. وفي المقابل، تحدثت الدولة عن استمرار تمويل ملفات اجتماعية وخدمية، بينها علاج أكثر من 80 ألف حالة حرجة على نفقة الدولة، وتحمل اشتراكات غير القادرين في منظومة التأمين الصحي الشامل بنحو 2.3 مليار جنيه، والاستعانة بـ160 ألف معلم لسد العجز، إلى جانب تخصيص 6.25 مليار جنيه لبرامج التغذية المدرسية.
هذه الأرقام تفسر لماذا يركز مسؤولون وبرلمانيون على فكرة شرح العائد؛ فالمواطن يريد أن يرى الصلة بين المؤشرات الكلية وبين الخدمة التي يتلقاها في المستشفى والمدرسة والطريق وشبكات المرافق.
لماذا يهم هذا الملف في زاوية «أفريقيا»؟
رغم أن التصريحات مصرية خالصة في ظاهرها، فإن دلالاتها تمتد إلى المجال الأفريقي الأوسع. فمصر، بوصفها دولة محورية في شمال أفريقيا وشرق المتوسط وفاعلاً رئيسيًا في القارة، تقدم نموذجًا تتابعه عواصم أفريقية عديدة: كيف توازن الحكومات بين الاستثمار في البنية التحتية، وضبط المالية العامة، وحماية الفئات الأكثر احتياجًا؟ هذا السؤال حاضر بقوة في دول أفريقية تواجه تحديات الدين العام، وضغوط الغذاء والطاقة، والحاجة إلى تحسين الخدمات الأساسية دون إبطاء وتيرة التنمية.
ومن هذه الزاوية، فإن النقاش المصري حول كفاءة الأداء الحكومي لا ينفصل عن سياق قاري أكبر، خصوصًا مع سعي دول أفريقية إلى تطوير الموانئ والطرق والطاقة والربط اللوجستي، وفي الوقت نفسه مطالبة حكوماتها بتقديم رواية مقنعة للمواطن حول جدوى الإنفاق وأثره على حياته اليومية.
بين البرلمان والحكومة: أين تكمن الفجوة؟
الملاحظة التي طرحها عمرو درويش تشير إلى فجوة اتصال أكثر من كونها خلافًا على أصل المشروعات. فالنائب لم يطرح موقفًا ضد التنمية، بل أكد أن التحدي يكمن في أن الحكومة لا تشرح بما يكفي ما تنجزه، لا للمواطنين فقط بل أحيانًا للبرلمان نفسه. وهنا تصبح القضية مرتبطة بثلاث نقاط رئيسية:
- الشفافية المعلوماتية: تقديم بيانات دورية مبسطة عن أهداف كل مشروع وكلفته وجدوله الزمني والعائد المتوقع منه.
- الربط بالخدمة اليومية: تحويل لغة الإنجاز من أرقام عامة إلى أثر ملموس على النقل والعلاج والتعليم وفرص العمل.
- المساءلة والمتابعة: ضمان أن يكون عرض المشروعات جزءًا أصيلًا من أداء الحكومة، لا استجابة مؤقتة لتوجيه أو مناسبة.
خلاصة المشهد
ما قاله النائب عمرو درويش يعكس مزاجًا سياسيًا وإعلاميًا يتبلور في مصر حاليًا: التنمية وحدها لا تكفي إذا لم تُترجم للمواطن بلغة مفهومة. وبينما تواصل الدولة التأكيد على أهمية الانضباط المالي واستمرار المشروعات، تتزايد الحاجة إلى جهاز حكومي أكثر قدرة على التواصل، وأسرع في شرح الأولويات، وأكثر قربًا من الأسئلة اليومية للناس.
في النهاية، تبدو الرسالة الأبرز أن المرحلة المقبلة لن تُقاس فقط بعدد المشروعات التي تُفتتح أو بحجم المؤشرات المالية التي تتحسن، وإنما كذلك بمدى قدرة الحكومة على إقناع المواطن بأن ما يُنفذ اليوم ينعكس فعلًا على جودة حياته غدًا.