عمرو موسى: مراجعة عدم الانحياز ممكنة إذا اقتضتها مصلحة مصر
جدل قديم يتجدد حول موقع مصر بين الأحلاف والتحالفات
أعاد عمرو موسى، وزير الخارجية الأسبق والأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية، فتح نقاش حساس في المجال العام المصري بشأن سياسة عدم الانحياز وحدود استمرارها بصيغتها التقليدية، عندما قال إنه لا يرى مانعًا من مراجعة هذه السياسة بعد نحو 70 عامًا إذا كان ذلك يخدم مصالح مصر. أهمية هذا الطرح لا تعود فقط إلى صاحب التصريح، بل إلى ارتباطه بتاريخ طويل من مواقف القاهرة تجاه الأحلاف العسكرية منذ ما قبل ثورة يوليو، ثم خلال الحرب الباردة وما بعدها.
ويحمل اسم عمرو موسى وزنًا خاصًا في هذا الملف؛ فوزارة الخارجية المصرية تدرجه ضمن قائمة وزراء الخارجية السابقين، حيث تولى المنصب بين 20 مايو 1991 و14 مايو 2001، قبل انتقاله إلى الأمانة العامة لجامعة الدول العربية. كما لا يزال حاضرًا في مناسبات دبلوماسية رسمية خلال السنوات الأخيرة، بينها فعاليات استضافتها الخارجية المصرية ومركز القاهرة الدولي لتسوية النزاعات. لذلك فإن حديثه يُقرأ عادة بوصفه مساهمة من أحد أبرز رموز المدرسة الدبلوماسية المصرية، لا مجرد تعليق عابر.
ما الذي قصده عمرو موسى؟
جوهر الفكرة التي طرحها موسى يقوم على أن السياسة الخارجية ليست عقيدة جامدة، بل أداة تخضع لمعادلة المصلحة الوطنية وتوازنات الأمن القومي. ومن هذا المنطلق، فإن أي مبدأ تاريخي، بما في ذلك عدم الانحياز، يمكن مراجعته إذا تغيرت البيئة الدولية والإقليمية، وإذا رأت الدولة أن مصالحها تتطلب مقاربة مختلفة.
هذا الطرح لا يعني بالضرورة الدعوة الفورية إلى الانضمام إلى حلف عسكري، لكنه يفتح باب النقاش حول مدى ملاءمة المفاهيم التي تشكلت في خمسينيات القرن الماضي لعالم اليوم؛ عالم يتسم باستقطاب جديد، ومنافسة بين قوى كبرى، وضغوط متزايدة في ملفات الطاقة والبحر الأحمر والأمن الإقليمي وسلاسل الإمداد.
الخلفية التاريخية: من رفض الأحلاف إلى تأسيس عدم الانحياز
الإشارة التي وردت في التصريح بشأن موقف مصر التاريخي من الأحلاف العسكرية تجد سندًا واضحًا في السجل الدبلوماسي المصري. فوزارة الخارجية المصرية توثق أن مصطفى النحاس باشا تولى حقيبة الخارجية خلال الفترة من 4 فبراير 1942 إلى 8 أكتوبر 1944، بينما كان محمد صلاح الدين بك وزيرًا للخارجية بين 12 يناير 1950 و27 فبراير 1952، وهي الفترة التي شهدت تصاعد الجدل حول مشروعات الدفاع الإقليمي والوجود البريطاني في مصر.
أما حلف بغداد نفسه، فتؤكد مراجع تاريخية وأكاديمية موثقة أنه تأسس رسميًا عام 1955 باتفاق بدأ بين العراق وتركيا، ثم انضمت إليه بريطانيا وباكستان وإيران، في حين عارضته مصر بشدة ورأت فيه امتدادًا لسياسات الأحلاف الغربية في المنطقة. كما تشير دراسات منشورة ومراجعات صادرة عن مؤسسات بحثية مصرية إلى أن القاهرة رفضت قبل ذلك أيضًا مشروعات دفاعية غربية طُرحت على المنطقة في مطلع الخمسينيات، وهو ما مهد لاحقًا لتمسكها بخيار الاستقلال النسبي عن الاستقطاب الدولي.
في هذا السياق، يبرز مؤتمر باندونج في إندونيسيا عام 1955 كنقطة تحول مفصلية. فبحسب وزارة الخارجية المصرية، تعد مصر من مؤسسي التضامن الأفرو-آسيوي الذي ارتبط لاحقًا بحركة عدم الانحياز، وهي لا تزال تؤكد في وثائقها الرسمية تمسكها بدور الحركة وأهدافها. كما شدد وزير الخارجية الحالي بدر عبد العاطي، في كلمة مصر خلال اجتماع وزراء خارجية دول عدم الانحياز على هامش الدورة التاسعة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 23 سبتمبر 2024، على أن القاهرة كانت وستظل حاضرة بقوة في إطار الحركة.
هل تغير الموقف الرسمي المصري؟
حتى الآن، لا توجد مؤشرات رسمية على أن مصر قررت التخلي عن إطار عدم الانحياز أو استبداله بانضمام إلى حلف عسكري بعينه. على العكس، تؤكد وزارة الخارجية في صفحاتها التعريفية وكلماتها الرسمية الحديثة أن القاهرة ما زالت تنظر إلى عدم الانحياز باعتباره منصة مهمة للتنسيق بين الدول النامية، خاصة في ملفات الاقتصاد العالمي والديون والتنمية وإصلاح النظام الدولي.
لكن في الوقت نفسه، تكشف اللغة الرسمية المصرية عن أمر آخر لا يقل أهمية: أن السياسة الخارجية تُدار بمنطق الاعتدال والاتزان الاستراتيجي والحفاظ على قنوات التعاون مع مختلف القوى الإقليمية والدولية بما يخدم المصالح الوطنية. هذا التعبير، الذي تكرر في كلمات وزارة الخارجية، يعكس عمليًا مرونة في إدارة العلاقات الدولية، حتى مع بقاء العنوان التاريخي لعدم الانحياز قائمًا.
بين المبدأ التاريخي والواقع الإقليمي
بالنسبة للقارئ المصري، فإن النقاش لا يتعلق فقط بمصطلح دبلوماسي قديم، بل بسؤال مباشر: كيف تحافظ مصر على استقلال قرارها وسط بيئة إقليمية شديدة التعقيد؟ فالقاهرة تتحرك اليوم في ملفات متشابكة تشمل الحرب في غزة، وأمن البحر الأحمر، والأزمة السودانية، وملف مياه النيل، إلى جانب شراكاتها مع قوى دولية متعددة في التسليح والطاقة والاستثمار.
من هنا تبدو تصريحات عمرو موسى أقرب إلى دعوة لمراجعة الأدوات لا الثوابت، وإلى التفكير في كيفية ترجمة المصلحة المصرية في لحظة دولية متغيرة. فعدم الانحياز في نسخته الكلاسيكية نشأ في زمن الثنائية القطبية بين واشنطن وموسكو، بينما العالم الحالي أكثر سيولة، وتتشابك فيه التحالفات الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية على نحو غير مسبوق.
لماذا يثير الملف اهتمامًا داخل مصر؟
- البعد التاريخي: لأن مصر كانت من أبرز الدول التي قاومت الأحلاف الغربية في الخمسينيات.
- البعد الاستراتيجي: لأن موقع مصر الجغرافي يجعلها طرفًا رئيسيًا في أمن شرق المتوسط والبحر الأحمر وشمال أفريقيا.
- البعد السياسي: لأن أي مراجعة كبرى في فلسفة السياسة الخارجية ستكون محل اهتمام داخلي وعربي واسع.
- البعد الاقتصادي: لأن التحالفات الدولية لم تعد عسكرية فقط، بل ترتبط بالاستثمار والطاقة والنقل وسلاسل الإمداد.
عمرو موسى ومغزى العودة إلى التاريخ
حين يتحدث عمرو موسى عن الموقف المصري من الأحلاف منذ العهد الملكي، فهو يستدعي مرحلة تأسيسية في الوعي السياسي المصري. فرفض الانخراط في ترتيبات عسكرية مفروضة من الخارج كان جزءًا من السعي إلى استعادة القرار الوطني الكامل، ثم أصبح لاحقًا أحد أعمدة سردية الاستقلال في السياسة الخارجية المصرية.
لكن قراءة هذا التاريخ اليوم لا تعني بالضرورة نسخه حرفيًا. فالمغزى الأهم في تصريحات موسى هو أن المصلحة المصرية يجب أن تبقى البوصلة، سواء قاد ذلك إلى التمسك بعدم الانحياز، أو إلى تطويره، أو إلى تبني صيغ تعاون أوسع دون التفريط في استقلال القرار.
وفي ظل استمرار مصر رسميًا داخل حركة عدم الانحياز، تبقى تصريحات عمرو موسى مساهمة سياسية وفكرية في نقاش أوسع حول مستقبل تموضع القاهرة الدولي. وهو نقاش مرشح للاستمرار، خصوصًا مع تصاعد الاستقطاب العالمي، وتزايد الضغوط على دول المنطقة لإعادة تعريف أولوياتها الأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.