Akhbar Cairo

عمرو موسى: نزع النووي الإيراني يجب أن يشمل إسرائيل أيضا

رؤية مصرية قديمة تتجدد مع تصاعد توتر الإقليم

أعاد عمرو موسى إلى الواجهة نقاشًا عربيًا قديمًا حول العدالة في التعامل مع الملف النووي في الشرق الأوسط، حين طرح موقفًا واضحًا مفاده أن الدعوة إلى إنهاء القوة النووية الإيرانية لا يمكن فصلها عن مطلب موازٍ يتعلق بإسرائيل. التصريحات جاءت خلال مداخلة مع الإعلامي عمرو أديب في برنامج «الحكاية» على قناة MBC مصر يوم 18 سبتمبر 2026، في سياق حديث أوسع عن مستقبل الترتيبات الإقليمية والعلاقة المعقدة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.

موسى، وهو وزير الخارجية المصري الأسبق والأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية، لم يتوقف عند البعد النووي فقط، بل ربطه بمشهد سياسي أشمل يشمل أمن الخليج، ودور مصر والسعودية، ومصير القضية الفلسطينية، وموقع العرب في أي تفاهمات يجري إعدادها للمنطقة. وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذا الطرح لا تنبع فقط من اسم قائله، بل من كونه يعكس مدرسة دبلوماسية مصرية تعتبر أن الأمن الإقليمي لا يتجزأ، وأن ازدواج المعايير في ملفات التسلح والسيادة تظل من أبرز أسباب عدم الاستقرار.

ماذا قال عمرو موسى؟

خلال ظهوره الإعلامي، قال عمرو موسى إن التعامل مع إيران يجب أن يكون مباشرًا وصريحًا، مع وضع سياساتها الإقليمية في لبنان وسوريا واليمن والعراق على طاولة النقاش. كما رأى أن أي تفاهم جاد مع طهران يحتاج إلى إطار عربي موحد، معتبرًا أن القاهرة والرياض قادرتان على قيادة هذا المسار إذا توفرت الإرادة السياسية.

وفي الشق المرتبط بإسرائيل، شدد موسى على أن السلام أو التطبيع لا يمكن أن يُبنيا على تجاهل الشعب الفلسطيني أو القفز فوق حقوقه. وبحسب ما نقلته التغطيات المصرية، أكد أن أي ترتيبات لمستقبل الشرق الأوسط يجب ألا تتم من دون مشاركة عربية وازنة، وأن تغييب هذا الدور يفتح الباب أمام صيغ لا تخدم استقرار المنطقة.

أما في ما يخص الملف النووي تحديدًا، فموقف موسى ليس جديدًا بالكامل؛ إذ سبق له أن قال في حوار منشور عام 2025 إن الحديث عن إنهاء البرنامج النووي الإيراني لا ينبغي أن يتم بمعزل عن طرح الملف النووي الإسرائيلي، داعيًا إلى منطقة خالية من السلاح النووي بدل التركيز على طرف واحد فقط.

الملف النووي الإيراني في الخلفية

تأتي هذه التصريحات بينما يظل البرنامج النووي الإيراني واحدًا من أكثر ملفات الشرق الأوسط حساسية. ووفق وثائق متداولة عبر الأمم المتحدة استنادًا إلى تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بلغ مخزون إيران من اليورانيوم المخصب في تقرير مؤرخ في 31 مايو 2025 نحو 8413.3 كيلوجرامًا من غاز سادس فلوريد اليورانيوم، مع تخصيب وصل إلى 60% في بعض الأنشطة، وهو مستوى يثير قلقًا دوليًا واسعًا رغم أنه لا يساوي تلقائيًا امتلاك سلاح نووي. كما أشارت وثائق مرتبطة بتقارير الوكالة إلى أن تراجع الرقابة وخسارة “استمرارية المعرفة” بشأن بعض جوانب البرنامج يزيدان من صعوبة التحقق الكامل.

هذه الخلفية تفسر لماذا عاد الحديث في الإعلام والسياسة إلى سيناريوهات التفاهم أو الاحتواء أو التصعيد، خصوصًا مع استمرار الإشارات إلى قنوات اتصال غير معلنة بين طهران وواشنطن. لكن موسى يذهب أبعد من مجرد مراقبة ما يدور بين الطرفين؛ فهو يطالب بأن يكون للعرب موقف مستقل لا يكتفي برد الفعل، بل يشارك في صياغة قواعد الأمن الإقليمي نفسه.

لماذا يربط موسى بين إيران وإسرائيل؟

جوهر الطرح الذي يقدمه عمرو موسى (@amrmoussaofficial على إنستغرام) يقوم على رفض الكيل بمكيالين. فمن وجهة نظره، لا يمكن مطالبة دولة في الإقليم بالتخلي عن قدرات نووية عسكرية مفترضة أو محتملة، بينما يظل النقاش حول القدرات النووية الإسرائيلية خارج المحاسبة السياسية الفعلية. وهذه المقاربة تتسق مع مواقف عربية ومصرية تاريخية دعت مرارًا إلى إخلاء الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل، بدل إدارة الأزمة بمنطق الانتقائية.

ورغم أن إسرائيل تتبع منذ عقود سياسة الغموض النووي ولا تعلن رسميًا امتلاك سلاح نووي، فإن النقاش الدولي والإقليمي حول هذا الملف لم يتوقف، خصوصًا مع تصاعد الحروب والأزمات المحيطة بها. لذلك، فإن الربط الذي يطرحه موسى بين الجانبين الإيراني والإسرائيلي ليس مجرد تعليق سياسي عابر، بل يعبر عن تصور يعتبر أن الأمن المتوازن وحده يمكن أن يصنع استقرارًا حقيقيًا.

القضية الفلسطينية حاضرة في قلب المعادلة

الشق الآخر اللافت في تصريحات موسى هو أنه لم يتعامل مع الملف الإيراني والإسرائيلي باعتباره منفصلًا عن فلسطين. فقد شدد على أن أي سلام مع إسرائيل يجب أن يتضمن عنصرًا فلسطينيًا واضحًا، وهي نقطة تكتسب أهمية خاصة في ظل استمرار الحرب والاحتلال وتراجع فرص التسوية السياسية.

وعلى المستوى القانوني الدولي، أصدرت محكمة العدل الدولية في 19 يوليو 2024 رأيًا استشاريًا اعتبرت فيه أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني، كما أعادت التأكيد على عدم شرعية المستوطنات في الضفة الغربية والقدس الشرقية وفق القانون الدولي. هذا التطور يمنح أي نقاش عربي حول السلام والتطبيع سندًا قانونيًا إضافيًا، ويعزز فكرة أن تجاهل الحقوق الفلسطينية لن ينتج ترتيبًا مستقرًا أو مقبولًا في المنطقة.

ماذا يعني ذلك بالنسبة لمصر؟

في زاوية «مصر»، تبدو تصريحات موسى انعكاسًا لنقاش داخلي مصري حول حدود الدور الممكن وحدود الصمت غير الممكن. فمصر ليست طرفًا هامشيًا في معادلات المنطقة، سواء بحكم الجغرافيا أو التاريخ أو ملف غزة أو توازنات البحر الأحمر وشرق المتوسط. ومن هنا، فإن دعوته إلى وجود ثقل عربي تقوده القاهرة بالتنسيق مع الرياض تحمل بُعدًا عمليًا، لا مجرد حنين إلى أدوار سابقة.

  • أولًا: التأكيد على أن أي تفاهم أمريكي-إيراني أو إسرائيلي-إقليمي يجب ألا يتم على حساب الأمن العربي.
  • ثانيًا: إعادة طرح مبدأ المنطقة الخالية من السلاح النووي بوصفه مدخلًا أكثر توازنًا من الاكتفاء بالضغط على إيران وحدها.
  • ثالثًا: ربط السلام الإقليمي بحل حقيقي للقضية الفلسطينية، لا بصيغ تتجاوزها.
  • رابعًا: إبراز دور مصر كفاعل دبلوماسي يمكنه التأثير إذا تحرك ضمن رؤية عربية منسقة.

خلاصة المشهد

ما قاله عمرو موسى ليس مجرد موقف من إيران أو إسرائيل، بل صياغة سياسية لمعادلة أشمل: لا أمن إقليمي من دون معايير واحدة، ولا تفاهمات مستدامة من دون حضور عربي، ولا سلام حقيقي من دون الفلسطينيين. وبينما تستمر التحركات الدولية في العلن وخلف الأبواب المغلقة، يبقى السؤال المطروح في القاهرة قبل غيرها: هل تتحول هذه الرؤية إلى سياسة عربية فاعلة، أم تظل مجرد تحذير دبلوماسي دقيق يسبق جولة جديدة من إعادة رسم الشرق الأوسط؟