Akhbar Cairo

عمرو موسى يدعو لتحالف مصري سعودي في مواجهة اضطراب الإقليم

دعوة جديدة لإعادة ترتيب الموقف العربي

عاد عمرو موسى، الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية ووزير الخارجية المصري الأسبق، إلى صدارة النقاش الإقليمي بعد تصريحات دعا فيها إلى بناء تحالف مصري سعودي قادر على التعامل مع التحولات المتسارعة التي تضرب الشرق الأوسط. الطرح لم يأتِ في فراغ، بل في لحظة شديدة الحساسية تتقاطع فيها أزمات الخليج والبحر الأحمر والسودان والقرن الإفريقي، إلى جانب استمرار الحرب على غزة وتداعياتها السياسية والأمنية على مجمل الإقليم.

موسى رأى أن المنطقة تمر بمرحلة إعادة تشكيل فعلية، وأن الاقتصار على البيانات التقليدية لم يعد كافيًا. لذلك طالب باجتماع عربي عاجل، على مستوى وزراء الخارجية أو القمة إذا لزم الأمر، من أجل تثبيت موقف عربي منسق في مواجهة ما وصفه بترتيبات خطيرة تمس الأمن العربي وموازين القوة في المنطقة.

لماذا يركز عمرو موسى على القاهرة والرياض؟

جوهر طرح موسى يقوم على أن مصر والسعودية تمثلان معًا مركز الثقل العربي سياسيًا وجغرافيًا واستراتيجيًا. وبحسب ما نُقل عنه في تصريحات إعلامية خلال سبتمبر وأكتوبر 2026، فإن هذا التحالف المطلوب لا ينبغي أن يقتصر على المجاملات الدبلوماسية أو التنسيق الموسمي، بل يجب أن يشمل أبعادًا سياسية ودفاعية أوسع، بما يسمح بإعادة ضبط إيقاع العمل العربي في لحظة إقليمية مضطربة.

هذا التصور يتقاطع مع واقع قائم بالفعل، إذ تؤكد القاهرة والرياض منذ شهور أهمية استمرار التنسيق الوثيق بشأن أزمات المنطقة، خصوصًا في ما يتعلق بوقف التصعيد العسكري وحماية أمن الملاحة في البحر الأحمر، إضافة إلى ملفات السودان وليبيا والخليج. بالنسبة للقارئ المصري، تبدو هذه النقطة أساسية؛ لأن أي اضطراب في هذه الدوائر ينعكس مباشرة على الأمن القومي المصري، وعلى حركة التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد.

الرسالة الأهم: موقف عربي من موقع قوة

في تقدير موسى، لا تستطيع دولة عربية منفردة، مهما كان وزنها، أن تواجه وحدها شبكة الأزمات الراهنة. ومن هنا جاءت دعوته إلى أن يكون التنسيق المصري السعودي نواة أوسع لتحالفات عربية أخرى، بما يسمح للعرب بالتحدث مع القوى الدولية من موقع قوة، لا من موقع رد الفعل أو التلقي فقط.

البحر الأحمر والخليج في صدارة المخاوف

التصريحات الأخيرة لعمرو موسى جاءت في سياق إقليمي متوتر، خصوصًا بعد تصاعد الاعتداءات على السعودية والهواجس المرتبطة بأمن الخليج. وفي مداخلات إعلامية حديثة، شدد على أن ما يجري لا ينبغي النظر إليه كأحداث منفصلة، بل كجزء من مشهد أوسع يشمل الخليج والبحر الأحمر والقرن الإفريقي، وهي جميعًا ساحات تمس المصالح المصرية والعربية بشكل مباشر.

هذه القراءة ليست بعيدة عن الموقف الرسمي المصري الذي شدد، في أكثر من مناسبة خلال 2026، على رفض الهجمات التي تهدد أمن دول الخليج، وعلى أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري. كما أكدت اتصالات وتحركات دبلوماسية مصرية سعودية أهمية وقف التصعيد والعمل على احتواء التوترات بما يحفظ استقرار المنطقة.

ومن منظور مصري، تبقى الملاحة في البحر الأحمر مسألة حيوية لا تحتمل التهاون. فتعطيل حركة السفن أو تهديد الممرات البحرية لا يخص دول الخليج وحدها، بل يطال قناة السويس مباشرة، ويضغط على عوائد النقل والتجارة، ويضيف عبئًا جديدًا على اقتصادات المنطقة التي تواجه أصلًا تحديات مركبة.

حوار مباشر مع الولايات المتحدة.. لكن بشروط عربية

واحدة من أبرز النقاط في طرح موسى كانت دعوته إلى حوار عربي مباشر مع الولايات المتحدة. المقصود هنا، وفقًا لتصوره، ليس مجرد التشاور البروتوكولي، بل بلورة موقف عربي واضح يشرح للجانب الأمريكي طبيعة المخاطر التي تهدد استقرار الشرق الأوسط، ويضع أولويات العرب بوضوح في ملفات الأمن الإقليمي، والقضية الفلسطينية، وأمن الممرات البحرية، والتوازنات في الخليج.

هذه الفكرة تنطلق من قناعة بأن واشنطن ما زالت لاعبًا رئيسيًا في معادلات المنطقة، وأن ترك الساحة للمبادرات غير العربية أو التفاهمات الثنائية المنفصلة قد يضعف القدرة العربية على التأثير. لذلك، فإن أي تفاوض أو حوار مع الولايات المتحدة، من وجهة نظر موسى، يصبح أكثر فاعلية حين يستند إلى غطاء عربي منظم، تقوده عواصم ذات وزن وفي مقدمتها القاهرة والرياض.

هل الدعوة موجهة ضد طرف بعينه؟

عمليًا، لا يقدم موسى طرحه باعتباره تحالفًا هجوميًا أو اصطفافًا شكليًا، بل كآلية لحماية الاستقرار ومنع الفراغ السياسي في الإقليم. لكنه في الوقت نفسه يربط بين هذا التحرك وبين ضرورة التصدي للسياسات غير العربية التي تترك أثرًا مباشرًا في أمن المنطقة، سواء عبر النزاعات المفتوحة أو عبر محاولات فرض ترتيبات جديدة من خارج الإرادة العربية.

غزة والسودان وليبيا.. ملفات لا يمكن فصلها

اللافت في مقاربة موسى أنه لا يفصل بين ملفات الإقليم المختلفة. فالحرب على غزة، وأزمة السودان، والتعقيدات الليبية، والاضطراب في البحر الأحمر، كلها في نظره حلقات ضمن مشهد استراتيجي واحد. هذا الربط مهم للقارئ في مصر؛ لأن السياسة الخارجية المصرية تنظر بدورها إلى هذه الملفات باعتبارها متصلة بالأمن القومي المصري، لا مجرد أزمات جوار بعيدة.

في ملف السودان تحديدًا، يظل القلق المصري حاضرًا بقوة بسبب الجوار الجغرافي والانعكاسات الإنسانية والأمنية. وفي ليبيا، يرتبط الاستقرار مباشرة بأمن الحدود الغربية. أما في فلسطين، فتبقى القضية محورًا مركزيًا في أي حديث عن مستقبل النظام الإقليمي العربي، وهو ما يفسر إصرار موسى على أن أي ترتيب جديد للمنطقة لا يمكن التعامل معه بمعزل عن الحقوق الفلسطينية ومركزية القضية.

ما الذي تعنيه هذه الدعوة لمصر؟

بالنسبة لمصر، لا تبدو دعوة عمرو موسى مجرد رأي سياسي عابر، بل تعبير عن مدرسة دبلوماسية مصرية قديمة ترى أن التوازن العربي يبدأ من بناء شراكات قوية بين العواصم الكبرى، ثم توسيعها إلى دوائر عربية أوسع. وفي اللحظة الراهنة، يمنح التقارب المصري السعودي فرصة لإعادة صياغة أولويات عربية مشتركة، من أمن الطاقة والملاحة إلى احتواء النزاعات ومنع تمدد الفوضى.

  • أولًا: دعم موقف عربي موحد في مواجهة الأزمات المتداخلة.
  • ثانيًا: رفع مستوى التنسيق السياسي والدفاعي بين القاهرة والرياض.
  • ثالثًا: حماية أمن البحر الأحمر والخليج بما ينعكس على الاقتصاد المصري.
  • رابعًا: امتلاك ورقة تفاوض أقوى في الحوار مع الولايات المتحدة والقوى الدولية.

بين التشخيص والتحرك

عمرو موسى لا يكتفي بوصف ما يجري، بل يدفع باتجاه تحرك عربي مؤسسي يعيد تعريف الأولويات في الشرق الأوسط. وفي وقت تتكاثر فيه الأزمات وتتشابك خرائط النفوذ، تبدو دعوته إلى تحالف مصري سعودي، واجتماع عربي عاجل، وحوار مباشر مع واشنطن، محاولة للانتقال من مرحلة المراقبة إلى مرحلة الفعل.

يبقى السؤال الأهم: هل تتحول هذه الرؤية إلى مسار عربي عملي؟ الإجابة تتوقف على قدرة العواصم العربية الكبرى على تجاوز الانقسامات، وصياغة مقاربة مشتركة تتعامل مع الإقليم بوصفه ساحة مصالح عربية أولًا. وحتى يحدث ذلك، ستظل دعوة موسى عنوانًا لقلق عربي متصاعد، ورسالة واضحة بأن أمن المنطقة لم يعد يحتمل التأجيل أو المعالجات الجزئية.