Akhbar Cairo

عمر أبو عيش: قمة العلمين تعكس توازن مصر الاستراتيجي

قمة ثلاثية تعيد تأكيد ثوابت التحرك المصري

جاءت تصريحات السفير عمر أبو عيش بعد القمة الثلاثية التي جمعت مصر وقبرص واليونان في العلمين يوم 8 سبتمبر 2026، لتسلط الضوء على معنى يتجاوز البروتوكول السياسي المعتاد: أن القاهرة تتعامل مع آلية التعاون الثلاثي باعتبارها إطارًا مستقرًا وممتدًا، لا مجرد اصطفاف مؤقت فرضته تطورات إقليمية عابرة. هذا المعنى يتوافق مع ما صدر في الإعلان المشترك لقمة العلمين، الذي شدد على استمرار التشاور والتنسيق بين الدول الثلاث في شرق المتوسط والشرق الأوسط، والبناء على ما تحقق منذ انطلاق الآلية في القاهرة في نوفمبر 2014.

وبحسب ما قاله أبو عيش، فإن أهمية القمة لا تنحصر في شكلها السياسي، بل في الرسالة التي تبعثها عن طبيعة السياسة الخارجية المصرية نفسها، وهي سياسة تقوم على التوازن الاستراتيجي، أي الحفاظ على علاقات متوازنة مع شركاء متعددين وفقًا للمصلحة الوطنية المصرية، من دون أن يعني تطور علاقة ما تراجع علاقة أخرى.

من القاهرة 2014 إلى العلمين 2026

البيانات الرسمية المصرية تؤكد أن آلية التعاون الثلاثي بين مصر واليونان وقبرص تأسست في 8 نوفمبر 2014 بالقاهرة، ثم توالت قممها بشكل منتظم، وصولًا إلى القمة العاشرة في القاهرة يوم 8 يناير 2025، قبل أن تستضيف العلمين القمة التالية في سبتمبر 2026. هذا الانتظام في الاجتماعات على مستوى القادة يعزز القراءة التي طرحها أبو عيش، ومفادها أن الأمر يتعلق ببناء مؤسسي طويل الأجل، لا برد فعل دبلوماسي قصير المدى.

وفي هذا السياق، كانت الرئاسة المصرية قد نشرت الإعلان المشترك لقمة العلمين، والذي أكد أن الدول الثلاث ترى في آلية التعاون نموذجًا ناجحًا للتعاون الإقليمي، قائمًا على الثقة والاحترام والتنسيق المستمر. كما أعلنت القمة التطلع إلى عقد القمة الحادية عشرة في قبرص، بما يعكس استمرارية واضحة في هذا المسار.

لماذا تبدو القمة مهمة بالنسبة لمصر؟

بالنسبة للقارئ المصري، تكتسب هذه القمة وزنًا خاصًا لأن ملفاتها ترتبط مباشرة بمصالح مصر الحيوية، لا سيما في الطاقة، وأمن شرق المتوسط، والهجرة، والتنسيق السياسي في ملفات إقليمية شديدة الحساسية. فوزارة الخارجية المصرية كانت قد أوضحت، في مشاورات وزراء خارجية الدول الثلاث خلال 2026، أن الشراكة الثلاثية لم تعد محصورة في الإطار السياسي، بل تشمل مجالات الطاقة والغاز والربط الكهربائي والاستثمار والسياحة والتكنولوجيا وريادة الأعمال.

هذه النقطة بالذات تمنح تصريحات عمر أبو عيش بعدًا عمليًا؛ إذ إن الحديث عن “ترتيب استراتيجي مستقر” لا يظل شعارًا عامًا عندما يكون مقرونًا بمصالح اقتصادية ومشروعات عابرة للحدود، يمكن قياس أثرها على الاقتصاد المصري وعلى موقع القاهرة الإقليمي.

الطاقة في قلب الشراكة الثلاثية

واحدة من أبرز الرسائل التي خرجت بها قمة العلمين هي أن أمن الطاقة ما يزال ركيزة مركزية في التعاون بين الدول الثلاث. فالإعلان المشترك تحدث صراحة عن تطوير مشروعات الربط الكهربائي، وعلى رأسها مشروع GREGY، باعتباره خطوة لتعزيز أمن الطاقة وربط شرق المتوسط بالأسواق الأوروبية. كما شدد على أهمية تسريع استكمال ربط حقول الغاز القبرصية بالبنية التحتية والمنشآت المصرية.

هذا الملف يهم مصر بصورة مباشرة، لأن القاهرة تمتلك بنية تحتية متقدمة في الغاز الطبيعي، تشمل محطات إسالة وشبكات نقل، ما يجعلها شريكًا محوريًا في معادلة الطاقة بشرق المتوسط. وتظهر وثائق رسمية مصرية أن التعاون المصري القبرصي في الغاز، إلى جانب الربط الكهربائي مع اليونان، يُنظر إليه باعتباره جزءًا من موقع مصر كحلقة وصل بين موارد المنطقة والأسواق الأوروبية.

  • الغاز الطبيعي: ربط الحقول القبرصية بالمرافق المصرية يعزز دور مصر كمركز إقليمي للطاقة.
  • الربط الكهربائي: مشروع GREGY يمنح بعدًا استراتيجيًا لتصدير الكهرباء وربط مصر بالشبكة الأوروبية.
  • الاستثمار والتكامل: الملفات الاقتصادية لم تعد منفصلة عن الأمن والسياسة في شرق المتوسط.

الهجرة والعمالة النظامية.. ملف مصري أوروبي بامتياز

جانب آخر مهم في القمة يتعلق بملف الهجرة غير الشرعية والهجرة النظامية. فالإعلان المشترك لقمة العلمين شدد على أن معالجة الهجرة غير النظامية يجب أن تكون شاملة ومتوازنة، تجمع بين الأبعاد الأمنية والتنموية والاقتصادية والاجتماعية. والأهم بالنسبة لمصر، أنه أكد ضرورة توسيع التعاون في الهجرة النظامية وتوفير فرص عمل منظمة للعمالة المصرية في كل من اليونان وقبرص وفق التشريعات والاتفاقات ذات الصلة.

هذه الإشارة ليست تفصيلًا ثانويًا، بل تعكس توجهًا مصريًا معلنًا منذ فترة نحو تحويل ملف الهجرة من عبء أمني فقط إلى مسار تعاون منظم يعود بالنفع على سوق العمل المصري، ويعزز في الوقت نفسه شراكة القاهرة مع أوروبا في واحدة من أكثر القضايا حساسية على أجندة الاتحاد الأوروبي.

رسائل سياسية: فلسطين وليبيا وشرق المتوسط

المسار الثلاثي بين مصر واليونان وقبرص اتسع كذلك ليشمل ملفات إقليمية ثقيلة. فقمة العلمين جددت التأكيد على دعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، والتمسك بحل الدولتين على حدود 4 يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، مع التشديد على خطورة الوضع الإنساني في غزة ورفض أي محاولات لفصل القطاع عن الضفة الغربية أو فرض تهجير قسري للفلسطينيين.

كما تناول الإعلان المشترك دعم استقرار ليبيا ووحدتها وسلامة أراضيها، ورفض التدخلات الخارجية، والدعوة إلى عملية سياسية ليبية خالصة تقود إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة. وبالنسبة لمصر، فإن هذا التوافق مع اليونان وقبرص يكتسب أهمية إضافية بسبب الارتباط المباشر بين استقرار ليبيا وأمن الحدود الغربية المصرية.

وفي شرق المتوسط، أعادت القمة التمسك باحترام القانون الدولي، بما في ذلك القواعد المنظمة لترسيم الحدود البحرية. وهذه نقطة تظل أساسية في الفهم المصري لطبيعة الشراكة الثلاثية، لأنها تربط بين التعاون الاقتصادي والاستقرار القانوني والسياسي في منطقة تشهد تنافسًا معقدًا على الطاقة والممرات البحرية.

هل تتعارض هذه الشراكة مع انفتاحات مصر الأخرى؟

هنا تحديدًا تبرز النقطة التي شدد عليها السفير عمر أبو عيش: أن تطور علاقات مصر مع أطراف إقليمية أخرى، ومنها تركيا، لا يعني بالضرورة الانتقاص من شراكات القاهرة القائمة مع اليونان وقبرص. هذه المقاربة تتسق مع السلوك الدبلوماسي المصري في السنوات الأخيرة، حيث تسعى الدولة إلى توسيع هوامش الحركة، وتخفيف الاستقطاب، والحفاظ على قنوات تواصل متعددة في الإقليم.

بمعنى آخر، فإن قمة العلمين لا تُقرأ فقط باعتبارها اجتماعًا دوريًا بين ثلاث دول، بل باعتبارها تأكيدًا عمليًا على أن السياسة الخارجية المصرية لا تبني علاقاتها بمنطق الاستبدال، بل بمنطق تنويع الشراكات وحماية المصالح الوطنية عبر أكثر من مسار في الوقت نفسه.

خلاصة المشهد

تصريحات عمر أبو عيش تتقاطع بوضوح مع ما أعلنته الرئاسة ووزارة الخارجية المصرية: قمة مصر وقبرص واليونان لم تعد مجرد إطار تشاوري محدود، بل أصبحت منصة إقليمية ذات مضمون سياسي واقتصادي وأمني متسع. ومن زاوية مصرية خالصة، فإن قيمة هذه الآلية تكمن في أنها تمنح القاهرة مساحة إضافية لتثبيت دورها في شرق المتوسط، وتعزيز موقعها في معادلات الطاقة، وتنسيق مواقفها في ملفات الهجرة وفلسطين وليبيا وأمن المنطقة.

لذلك، فإن الرسالة الأبرز التي خرجت بها القمة، وكررتها قراءة أبو عيش، هي أن مصر تتحرك من موقع دولة تسعى إلى التوازن، لا الاستقطاب، وإلى الشراكة المؤسسية، لا التحالفات الظرفية. وهذا، في النهاية، هو جوهر الثبات الذي تحاول القاهرة ترسيخه في سياستها الخارجية وسط إقليم لا يكف عن التغير.