Akhbar Cairo

غادة عامر: الوعي الرقمي خط الدفاع الأول في الحروب غير المتناظرة

الذكاء الاصطناعي من أداة تقنية إلى ساحة صراع على الوعي

أعادت تصريحات الدكتورة غادة محمد عامر، خبيرة الذكاء الاصطناعي بمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء وأستاذ هندسة النظم بجامعة بنها، فتح ملف بالغ الحساسية يتعلق بكيفية توظيف الذكاء الاصطناعي في الحروب غير المتناظرة. الفكرة هنا لا تتعلق فقط بالسلاح التقليدي أو المواجهة العسكرية المباشرة، بل بقدرة أطراف مختلفة على التأثير في الإدراك العام، وإرباك المجتمعات، وصناعة روايات مضللة تستهدف الثقة والاستقرار والقدرة على التمييز بين الحقيقة والزيف.

في ظهور إعلامي حديث خلال سبتمبر 2026، قالت عامر إن الذكاء الاصطناعي بات يُستخدم في دعم نشر الشائعات والمحتوى المضلل، وربطت ذلك بتطور أدوات مثل التزييف العميق التي تجعل الصورة أو الصوت أو الفيديو أكثر إقناعًا من أي وقت مضى. كما أشارت إلى أن الجذور الأولى لهذه التقنيات ارتبطت تاريخيًا باهتمامات عسكرية قبل أن تتوسع تطبيقاتها لاحقًا في مجالات مدنية واقتصادية وتعليمية وإعلامية.

لماذا تبدو الحروب غير المتناظرة أكثر خطورة اليوم؟

الحديث عن الحروب غير المتناظرة لم يعد نظريًا في السياق المصري أو الإقليمي. هذا النوع من الصراعات يعتمد على أدوات أقل كلفة وأكثر قدرة على الاختراق النفسي والاجتماعي، مثل المنصات الرقمية، والحسابات المنسقة، والمحتوى المفبرك، والتلاعب بالعواطف الجماعية. وبحسب ما طرحته عامر في أكثر من مداخلة وتصريح صحفي، فإن الخداع في زمن الحروب ليس جديدًا، لكن الجديد هو السرعة والاتساع والدقة التي تمنحها الخوارزميات وأدوات الذكاء الاصطناعي لعمليات التضليل.

من هنا يصبح استهداف الدول عبر بيئة المعلومات مسألة تتجاوز «الشائعة» بمعناها التقليدي. نحن أمام عمليات قد تُصمم لتغذية الانقسام، أو إضعاف الثقة بالمؤسسات، أو دفع الجمهور إلى ردود فعل سياسية واجتماعية واقتصادية مبنية على معلومات زائفة. وهذا ما يفسر اتساع استخدام مصطلحات مثل الحرب الإدراكية والأمن المعلوماتي في النقاشات المصرية الأخيرة.

الحرب الإدراكية: معركة على طريقة فهم المواطن للواقع

في تصريحات منشورة خلال سبتمبر 2026، وصفت غادة محمد عامر الحرب الإدراكية بأنها أحد أخطر مجالات الصراع، لأنها تستهدف التأثير على الشعوب من دون مواجهة عسكرية مباشرة. المعنى العملي لذلك أن المواطن قد يجد نفسه داخل بيئة رقمية تُكرر أمامه الرسائل نفسها، فيتصور أن رأيًا معينًا هو الرأي العام السائد، بينما يكون الأمر نتيجة توجيه خوارزمي أو نشاط رقمي منظم.

هذه النقطة بالذات تهم القارئ المصري؛ لأن طبيعة استهلاك الأخبار في مصر، مثل بقية العالم، أصبحت مرتبطة إلى حد كبير بالهاتف المحمول ومنصات التواصل. وكلما زاد الاعتماد على المقاطع القصيرة والمنشورات السريعة، تراجع الوقت المتاح للتحقق والتدقيق، وهو ما يمنح المحتوى المضلل أفضلية واضحة في الانتشار.

التزييف العميق: أخطر من مجرد فيديو مزور

مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار كان قد تناول في تحليل منشور سابق مفهوم التزييف العميق، موضحًا أنه يقوم على استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لإنتاج أو تعديل محتوى بصري وصوتي يبدو واقعيًا بدرجة كبيرة. خطورة هذا النوع من المحتوى لا تكمن فقط في الخداع التقني، بل في قدرته على تقويض فكرة «الدليل المرئي» نفسها، أي ذلك الإحساس العام بأن الفيديو أو الصوت المسجل يمثلان برهانًا قاطعًا.

حين تصل المجتمعات إلى مرحلة يصبح فيها كل شيء قابلًا للتشكيك أو التزوير، فإن أثر ذلك يتجاوز الإعلام إلى السياسة والاقتصاد والأمن. وقد أصبح هذا القلق عالميًا؛ إذ صنف المنتدى الاقتصادي العالمي في تقريره عن المخاطر العالمية 2024 التضليل والمعلومات المضللة باعتبارهما أبرز المخاطر قصيرة الأجل على المستوى الدولي، في إشارة واضحة إلى أن المعركة على الحقيقة لم تعد شأنًا إعلاميًا هامشيًا، بل أصبحت ملفًا مرتبطًا باستقرار الدول نفسها.

كيف تقرأ مصر هذا التهديد؟

الزاوية المصرية في هذا الملف تبدو أوضح في حديث عامر عندما تربط الذكاء الاصطناعي بمفاهيم الأمن القومي والجاهزية الوطنية. فالمسألة، من هذا المنظور، ليست رفضًا للتكنولوجيا أو تخوفًا منها بقدر ما هي دعوة إلى امتلاك أدواتها، وبناء كوادر قادرة على توظيفها دفاعيًا وتنمويًا، بدل تركها ساحة مفتوحة للاستخدام العدائي أو العبثي.

هذا الفهم ينسجم مع الخطاب الرسمي المصري حول التحول الرقمي وبناء القدرات التكنولوجية. كما أن المجلس الوطني للذكاء الاصطناعي والحوسبة استعرض خلال عام 2026 إنجازات مرتبطة بتنفيذ استراتيجية الذكاء الاصطناعي، وهو ما يعكس أن الدولة تنظر إلى الملف بوصفه جزءًا من البنية المستقبلية للاقتصاد والإدارة والخدمات، وفي الوقت نفسه جزءًا من منظومة الحماية الوطنية في البيئة الرقمية.

الرهان الحقيقي: الإنسان لا الخوارزمية وحدها

ورغم أهمية البنية التقنية، فإن جوهر النقاش الذي تطرحه غادة عامر يذهب في اتجاه آخر لا يقل أهمية: بناء الوعي المجتمعي. فحتى أكثر النظم تقدمًا في الرصد والكشف لا تستطيع وحدها تحصين المجال العام إذا كان المتلقي يتعامل مع كل ما يراه أو يسمعه بوصفه حقيقة نهائية.

لذلك يبدو منطقيًا أن يكون خط الدفاع الأول في مواجهة الحروب غير المتناظرة هو المواطن القادر على التحقق، والتمييز بين المصدر المهني والمصدر المجهول، وفهم أن المحتوى المصمم لإثارة الغضب أو الذعر ليس بالضرورة محتوى صادقًا. هذه ليست مسؤولية فردية فقط، بل مسؤولية تشاركية بين الإعلام، والتعليم، والمؤسسات البحثية، وشركات التكنولوجيا، والجهات الحكومية.

ما الذي تحتاجه المواجهة في السياق المصري؟

إذا أردنا قراءة أكثر عملية لما تقوله عامر، فيمكن تلخيص متطلبات المواجهة في عدة مسارات متوازية:

  • توسيع الثقافة الرقمية داخل المدارس والجامعات وبيئات العمل، بحيث يصبح التحقق من المعلومات مهارة عامة لا اختصاصًا نخبويا.
  • تطوير أدوات وطنية لرصد المحتوى المفبرك والكشف المبكر عن حملات التضليل المنسقة.
  • تحديث الخطاب الإعلامي ليكون أسرع وأكثر قدرة على الشرح والتفنيد، لأن التأخر في الرد يترك المجال مفتوحًا أمام الشائعة لتتحول إلى «حقيقة» في أذهان البعض.
  • دعم البحث العلمي في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وتحليل البيانات، بما يسمح بتقليل الفجوة بين التطور العالمي والقدرة المحلية على الاستجابة.
  • حوكمة الاستخدام عبر قواعد واضحة للمساءلة والشفافية، خصوصًا في المجالات الحساسة المرتبطة بالمحتوى العام والهوية الرقمية.

بين التهويل والإنكار: أين تقف المقالة؟

في قسم تحليلات ورأي، من المهم تجنب طرفين متناقضين: الأول هو التهويل الذي يصور الذكاء الاصطناعي باعتباره تهديدًا مطلقًا، والثاني هو الإنكار الذي يقلل من خطورة توظيفه في تضليل الجمهور. الأرجح أن الحقيقة تقع بينهما. التكنولوجيا نفسها محايدة نسبيًا، لكن أثرها يتحدد بمن يملكها، وكيف يستخدمها، وما إذا كانت المجتمعات مستعدة لفهم نتائجها الجانبية.

لهذا فإن قيمة تصريحات غادة محمد عامر لا تكمن فقط في التحذير من الشائعات أو التزييف العميق، بل في لفت الانتباه إلى تحول أعمق: الصراع الحديث لم يعد يدور فقط على الأرض، بل داخل العقول والشاشات ومساحات الثقة العامة. وفي هذا النوع من الصراعات، قد تكون المناعة المعرفية للمجتمع أهم من أي رد فعل متأخر بعد انتشار الضرر.

خلاصة المشهد

ما تواجهه مصر، مثل غيرها من الدول، ليس مجرد موجة جديدة من التطور التقني، بل بيئة صراع مركبة يتداخل فيها الإعلام بالتكنولوجيا بالأمن القومي. وفي ظل التوسع السريع في أدوات الذكاء الاصطناعي، يصبح التحذير من الحروب غير المتناظرة تحذيرًا من معارك تُخاض بلا إعلان رسمي، وبلا جيوش تقليدية، لكنها قد تترك آثارًا عميقة في وعي المجتمع وثقته بنفسه ومؤسساته.

الرسالة الأساسية هنا واضحة: امتلاك التكنولوجيا مهم، لكن الأهم هو امتلاك القدرة على فهمها وتنظيمها وتحصين المجتمع ضد إساءة استخدامها. وبين الشائعة والخبر، وبين الفيديو الحقيقي والمفبرك، ستظل معركة الوعي هي الساحة الأكثر حساسية في السنوات المقبلة.