Akhbar Cairo

غارات إب والمكلا: رسائل القوة وحدود الحسم في اليمن

غارات متزامنة تكشف تعدد الجبهات في اليمن

يعيد تزامن الضربات الجوية على مواقع تابعة للحوثيين في محافظة إب، مع غارة أخرى يُعتقد أنها استهدفت عناصر من تنظيم القاعدة شرقي المكلا في حضرموت، التذكير بحقيقة أساسية كثيرًا ما تضيع وسط زحام الأخبار اليومية: الحرب في اليمن ليست جبهة واحدة، بل طبقات متداخلة من الصراع العسكري والسياسي والأمني. فمن ناحية، هناك مواجهة مستمرة بين التحالف الذي تقوده السعودية وجماعة الحوثي، ومن ناحية أخرى يستمر مسار موازٍ يتعلق بملاحقة تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، وهو التنظيم الذي استفاد تاريخيًا من فراغ السلطة وتفكك مؤسسات الدولة في أكثر من محافظة يمنية.

المعطيات المتاحة حول الواقعة الأصلية تشير إلى أن غارات استهدفت موقعًا عسكريًا في إب الخاضعة لنفوذ الحوثيين، بينما جرى الحديث في التوقيت نفسه عن غارة يُرجح أنها أمريكية على مركبة قرب المكلا. هذه الصورة تتسق مع نمط معروف منذ عام 2015، حين بدأت العملية العسكرية التي قادتها السعودية في اليمن في 26 مارس 2015، فيما واصلت واشنطن على فترات تنفيذ ضربات ضد عناصر القاعدة داخل الأراضي اليمنية. كما أظهرت تقارير أرشيفية لوكالة رويترز أن محافظة إب كانت ضمن المناطق التي تعرضت لضربات استهدفت قواعد ومواقع عسكرية، في وقت كانت المكلا ومحيطها تمثل ساحة حساسة لتحركات القاعدة في الشرق اليمني.

لماذا تُعد إب هدفًا ذا دلالة؟

محافظة إب ليست من المحافظات الحدودية مع السعودية، لكنها تقع في موقع حيوي داخل الجغرافيا اليمنية، بين الشمال والوسط والجنوب، وعلى تماس غير بعيد من طرق الإمداد المؤدية إلى تعز وعدن. لهذا السبب، فإن أي استهداف لمواقع عسكرية فيها لا يُقرأ فقط باعتباره ضربة ميدانية محدودة، بل باعتباره رسالة تتعلق بقدرة الخصوم على الوصول إلى عمق مناطق السيطرة الحوثية.

في الحسابات العسكرية، تمثل إب عقدة ربط مهمة، لا سيما إذا كان الموقع المستهدف معسكرًا أو مخزنًا أو منصة إطلاق. وفي السنوات الأخيرة، تكررت تقارير صحفية يمنية وخليجية عن استهداف مواقع حوثية في مديرية يريم شمال شرق إب، مع الحديث عن استخدام بعض تلك المواقع لأغراض تتصل بالصواريخ أو التحشيد. وحتى عندما تختلف الروايات التفصيلية بين طرف وآخر، تبقى الخلاصة الأهم أن إب لم تعد مجرد محافظة خلفية هادئة، بل صارت جزءًا من معادلة الضغط المتبادل.

بالنسبة للقارئ المصري، تبدو هذه النقطة بالغة الأهمية لأن ما يجري في الداخل اليمني لم يعد منفصلًا عن أمن الإقليم الأوسع، خصوصًا مع ارتباط الصراع هناك بممرات بحرية حيوية تشمل البحر الأحمر وباب المندب، وهما شريانان لهما وزن مباشر في حركة التجارة وقناة السويس.

المكلا: الجبهة الأخرى الأقل ضجيجًا

إذا كانت إب ترتبط بعنوان الحرب بين الحوثيين والتحالف، فإن المكلا تستدعي عنوانًا آخر: مكافحة التنظيمات المتشددة. فمدينة المكلا، عاصمة محافظة حضرموت، احتلت موقعًا مركزيًا في أدبيات الأمن الإقليمي منذ سيطرة تنظيم القاعدة عليها في أبريل 2015 قبل أن يُطرد منها لاحقًا. ومنذ ذلك الوقت، بقيت المدينة ومحيطها ضمن نطاق عمليات الرصد والضربات ضد خلايا التنظيم أو العناصر المشتبه بها.

اللافت هنا أن الضربة التي استهدفت مركبة شرقي المكلا، وفق الرواية المتداولة في الخبر الأصلي، لا تتصل مباشرة بجبهة الحوثيين، بل تعكس استمرار الحرب الأمريكية المنخفضة الظهور ضد القاعدة داخل اليمن. وهذه الازدواجية في مسار العمليات تكشف أن اليمن ما زال بالنسبة للقوى الإقليمية والدولية ساحة تهديد مركب: جماعة مسلحة ذات نفوذ واسع في الشمال، وتنظيم جهادي قادر على إعادة التموضع في الشرق والجنوب كلما تراجعت قبضة الدولة.

تقارير دولية متعاقبة، بينها مواد أرشيفية من رويترز، وثقت خلال عام 2015 وما بعده أن حضرموت والمكلا كانتا مسرحًا لضربات متكررة على أهداف مرتبطة بالقاعدة. كما أن خبراء الأمم المتحدة ومتابعين للملف اليمني حذروا مرارًا من أن فترات الاستنزاف الطويل للحرب الأهلية تمنح هذه التنظيمات مساحة لإعادة التنظيم، حتى عندما تتعرض لخسائر تكتيكية.

ما الذي تقوله الضربات عن ميزان القوة؟

من الصعب اعتبار مثل هذه الغارات مؤشرًا كافيًا على تحول استراتيجي كبير بمفردها. فالخبرة اليمنية منذ 2015 تقول إن الضربات الجوية قد تُضعف موقعًا أو تعطل قدرة لوجستية أو تقطع مسار تحرك، لكنها لا تنتج بالضرورة حسمًا سياسيًا. لهذا تبدو القراءة الأكثر واقعية هي أن الضربات المتزامنة تعبّر عن إدارة للصراع أكثر مما تعبّر عن اقتراب نهايته.

السعودية، التي قادت تدخلًا عسكريًا واسعًا دعمًا للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، وجدت نفسها خلال سنوات في مواجهة معادلة صعبة: منع الحوثيين من توسيع قدراتهم وتهديداتهم عبر الحدود، من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة بلا سقف. وفي المقابل، تنظر الولايات المتحدة إلى ملف القاعدة من زاوية مكافحة الإرهاب العابر للحدود، وهي مقاربة لا تتطابق دائمًا مع أولويات الأطراف اليمنية المحلية.

هذا الاختلاف في الأولويات يفسر لماذا قد تتجاور في يوم واحد غارة على معسكر للحوثيين في إب مع ضربة منفصلة على مركبة يُشتبه بارتباطها بالقاعدة في حضرموت. فالمشهد ليس موحدًا، بل قائم على خرائط تهديد متعددة، لكل منها أدواتها ورسائلها.

بين الخبر العاجل والسؤال الغائب

المشكلة في تغطية الملف اليمني أن المتلقي يتلقى غالبًا الحدث في صورته العسكرية المجردة: غارة هنا، انفجار هناك، ومركبة مستهدفة في مكان آخر. لكن السؤال الأعمق يظل غائبًا: هل يؤدي هذا النمط من الضربات إلى استقرار مستدام؟

حتى الآن، تبدو الإجابة أقرب إلى النفي. فاليمن ما زال يعاني من انقسام السلطة، وتعدد مراكز النفوذ، وتدهور الاقتصاد، واتساع الفجوات الإنسانية. وفي بيئة كهذه، تتحول الضربات الجوية إلى أداة ضرورية أحيانًا في نظر منفذيها، لكنها لا تعالج الجذور التي تسمح بإعادة إنتاج الصراع. من هنا، فإن أي قراءة جادة لغارات إب والمكلا يجب ألا تقف عند حدود من استهدف من، بل تتجاوز ذلك إلى معنى استمرار هذه العمليات بعد أكثر من عقد على انهيار المسار الانتقالي اليمني.

ماذا يعني ذلك لمصر والمنطقة؟

من منظور مصري، لا يمكن فصل التطورات في اليمن عن معادلة الأمن الإقليمي، خصوصًا في البحر الأحمر. فكل تصعيد داخل اليمن، سواء ارتبط بالحوثيين أو بتنظيمات مثل القاعدة، يضاعف من هشاشة البيئة الأمنية المحيطة بخطوط الملاحة. وهذا ملف حساس بالنسبة للقاهرة، ليس فقط سياسيًا، بل اقتصاديًا أيضًا في ظل أهمية حركة التجارة البحرية.

كما أن استمرار الحرب بصيغتها المتشعبة يكرس واقعًا إقليميًا عنوانه إدارة الأزمات بدل حلها. ومع كل ضربة جديدة، يتأكد أن اليمن لا يزال ساحة مفتوحة لتقاطع الملفات: نفوذ إقليمي، ومكافحة إرهاب، وصراع داخلي على الدولة، وممرات بحرية دولية. ولهذا فإن خبرًا قصيرًا عن غارة في إب وأخرى قرب المكلا ليس مجرد واقعة أمنية عابرة، بل نافذة على مأزق يمني أطول عمرًا وأشد تعقيدًا مما توحي به العناوين السريعة.

خلاصة تحليلية

الحدث في ظاهره عسكري محدود، لكنه في جوهره يكشف استمرار منطق الاحتواء بالقوة بدل التسوية الشاملة. غارات إب تقول إن الحوثيين ما زالوا هدفًا نشطًا كلما ارتبط الأمر بقدرات عسكرية أو خطوط إمداد، وضربة المكلا تقول إن القاعدة لم تختف من الحسابات الأمنية الدولية. وبين المسارين، يبقى اليمن بلدًا تتقاطع فيه الحروب الصغيرة داخل الحرب الكبيرة، فيما يدفع المدنيون الثمن الأكبر، وتبقى المنطقة كلها في حالة ترقب دائم لأي شرارة قد تتسع آثارها إلى ما هو أبعد من حدود الجغرافيا اليمنية.