Akhbar Cairo

غارات إثيوبية على قوات إريترية قرب أديغرات ترفع التوتر

تصعيد جديد في شمال تيغراي يضع القرن الأفريقي أمام اختبار صعب

دخل التوتر بين إثيوبيا وإريتريا مرحلة أكثر حساسية بعد تقارير متقاطعة تحدثت، يوم الخميس 8 أكتوبر 2026، عن غارات بطائرات مسيّرة إثيوبية استهدفت قوات إريترية في محيط مدينة أديغرات شمال إقليم تيغراي. وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة في ملف أفريقيا والقرن الأفريقي بالنسبة للقارئ المصري، لأن أي انفجار واسع في هذه الجبهة ينعكس على معادلات الأمن الإقليمي، وخطوط التجارة، وتوازنات البحر الأحمر ومحيطه.

وبحسب ما أوردته وكالة أسوشيتد برس نقلًا عن قائد متحالف مع الحكومة الإثيوبية ومعلومات من مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة ACLED، فإن قوات إريترية شوهدت داخل أديغرات ومناطق مجاورة، بينما أشارت بيانات الرصد إلى أن طائرات عسكرية إثيوبية بدون طيار استهدفت تلك القوات خلال تحركها في شرق تيغراي. كما نقلت تقارير صحفية عربية متطابقة عن شهود عيان حديثهم عن وقوع ضربات متعددة ليلًا في المنطقة نفسها.

ماذا حدث في أديغرات؟

أديغرات مدينة استراتيجية تقع على مقربة من الحدود الإريترية، وكانت خلال حرب تيغراي السابقة واحدة من النقاط الحساسة في خطوط الإمداد والتحرك العسكري. المعلومات المتاحة حتى الآن تشير إلى أن عناصر إريترية دخلت مناطق في شمال تيغراي خلال الأيام الماضية، بينها أديغرات وإداغا هاموس، قبل أن تتعرض مسارات تحركها لضربات جوية بطائرات مسيّرة. وحتى وقت إعداد هذا التقرير، لم تظهر حصيلة رسمية نهائية للخسائر البشرية أو المادية.

أهمية هذه التطورات لا تتعلق فقط بواقعة عسكرية محدودة، بل بما تمثله من انتقال محتمل إلى مواجهة مباشرة أكثر وضوحًا بين أديس أبابا وأسمرة. فخلال السنوات الماضية، كان التداخل الإريتري في حرب تيغراي أحد أكثر الملفات إثارة للجدل، أما الآن فإن الحديث يدور عن استهداف علني لقوات إريترية داخل مسرح العمليات في شمال إثيوبيا.

خلفية الأزمة: من اتفاق بريتوريا إلى عودة الاشتعال

لفهم المشهد الحالي، يجب العودة إلى اتفاق وقف الأعمال العدائية الذي وُقّع في بريتوريا بجنوب أفريقيا في 2 نوفمبر 2022 برعاية الاتحاد الأفريقي. الاتفاق كان يهدف إلى إنهاء الحرب المدمرة بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي، وهي حرب خلّفت آثارًا إنسانية وأمنية عميقة في شمال البلاد. لكن الأشهر الماضية شهدت تآكلًا متدرجًا في مكاسب الاتفاق مع عودة الاشتباكات وتبادل الاتهامات بين القوى المتصارعة داخل الإقليم وحوله.

الاتحاد الأفريقي كان قد شدد في بيانات سابقة على ضرورة الحفاظ على منجزات اتفاق بريتوريا، داعيًا جميع الأطراف إلى ضبط النفس ومنع العودة إلى السلاح. غير أن التطورات الميدانية الأخيرة توحي بأن التهدئة التي بُنيت بعد 2022 أصبحت أكثر هشاشة، خصوصًا مع تحوّل الحدود الإثيوبية الإريترية إلى بؤرة توتر مفتوحة من جديد.

الأزمة الدبلوماسية بين إثيوبيا وإريتريا

التصعيد العسكري الأخير يأتي بعد تدهور سياسي ودبلوماسي واضح بين البلدين. فقد أفادت تقارير دولية هذا الأسبوع بأن إريتريا أعلنت قطع العلاقات الدبلوماسية مع إثيوبيا، وذلك بعد خطوة إثيوبية شملت طرد 10 دبلوماسيين إريتريين وإغلاق سفارتها في أسمرة. هذا التطور وحده كان كافيًا للإشارة إلى أن العلاقات بين الجانبين تجاوزت مرحلة الخلافات المكتومة.

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (@abiyahmedali على إنستغرام) يظل الشخصية الأبرز في هذه الأزمة بحكم موقعه التنفيذي وتأثيره المباشر على القرارين العسكري والدبلوماسي في أديس أبابا. ومع أن السلطات الإثيوبية لم تعلن تفصيلًا رسميًا كاملًا عن الضربات المبلغ عنها في أديغرات، فإن مجمل السياق السياسي والعسكري يشير إلى أن القيادة الفيدرالية تتعامل مع التحركات الإريترية باعتبارها تهديدًا مباشرًا على جبهة شديدة الحساسية.

لماذا يهم هذا التطور مصر والمنطقة؟

من زاوية مصرية، لا يُقرأ ما يجري في تيغراي باعتباره شأنًا محليًا إثيوبيًا فقط. فإقليم القرن الأفريقي يتصل مباشرة بأمن البحر الأحمر، وهو ممر حيوي للتجارة والطاقة وسلاسل الإمداد. أي توسع للحرب بين إثيوبيا وإريتريا قد يخلق موجات نزوح جديدة، ويزيد من عسكرة الإقليم، ويفتح الباب أمام اصطفافات سياسية وأمنية متغيرة تمس شرق أفريقيا بأكمله.

كما أن استقرار إثيوبيا يظل عاملًا مهمًا في توازنات الإقليم الواسع الذي يضم السودان والصومال وجيبوتي وإريتريا. ومن ثم، فإن تجدد القتال في تيغراي أو انزلاقه إلى حرب إقليمية محدودة أو مفتوحة سيؤثر بالضرورة على شبكة العلاقات والتحالفات في الجوار الأفريقي، وهي ملفات تتابعها القاهرة عن قرب بحكم الجغرافيا والمصالح الاستراتيجية.

ما الذي نعرفه وما الذي لا يزال غير محسوم؟

حتى الآن، هناك نقاط أصبحت شبه مؤكدة عبر أكثر من مصدر موثوق:

  • شوهدت قوات إريترية في مناطق بشمال تيغراي، بينها أديغرات.
  • سُجلت ضربات بطائرات مسيّرة استهدفت هذه القوات أو خطوط تحركها، وفق تقارير ميدانية وبيانات رصد نزاعات.
  • العلاقات الدبلوماسية بين أديس أبابا وأسمرة تراجعت بشدة خلال الأيام الأخيرة.
  • اتفاق بريتوريا 2022 الذي أنهى الحرب السابقة يواجه الآن اختبارًا بالغ الصعوبة.

في المقابل، تبقى تفاصيل مثل عدد القتلى بدقة، وحجم الخسائر العسكرية، ومدى اتساع العمليات المقبلة، أمورًا لم تُحسم بعد بصورة رسمية نهائية. كما لا تزال الصورة غير مكتملة بشأن ما إذا كانت هذه الغارات تمثل ردًا تكتيكيًا محدودًا أم بداية لمرحلة عسكرية أوسع على الحدود.

سيناريوهات الأيام المقبلة

المشهد الحالي يفتح الباب أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية. الأول هو احتواء التصعيد عبر ضغوط إقليمية وأفريقية تعيد الأطراف إلى خطوط التهدئة. الثاني هو استمرار الضربات والاشتباكات على نطاق حدودي محدود داخل شمال تيغراي. أما السيناريو الثالث، وهو الأخطر، فيتمثل في تحوّل التوتر إلى صدام أوسع بين إثيوبيا وإريتريا، بما يعيد المنطقة إلى أجواء الحرب المفتوحة التي عانت منها سابقًا.

وبالنسبة للمتابع المصري، فإن القضية ليست بعيدة جغرافيًا أو سياسيًا كما قد تبدو. فكل تطور في القرن الأفريقي، من تيغراي إلى البحر الأحمر، يظل جزءًا من معادلة أمن إقليمي شديدة الترابط. ولهذا فإن ما جرى في أديغرات لا يمكن اعتباره حادثًا حدوديًا عابرًا، بل مؤشرًا جديدًا على أن شمال إثيوبيا عاد إلى واجهة الأزمات الأفريقية الأكثر قابلية للتصعيد في 2026.

خلاصة المشهد: الغارات المبلغ عنها قرب أديغرات تعكس انتقال الأزمة الإثيوبية الإريترية من التوتر السياسي إلى اختبار عسكري مباشر، في لحظة تبدو فيها ترتيبات ما بعد اتفاق بريتوريا أضعف من أي وقت مضى. وإذا لم تنجح الوساطات الأفريقية سريعًا، فقد تواجه المنطقة جولة جديدة من عدم الاستقرار ستكون تداعياتها أبعد من حدود تيغراي نفسها.