غارات إسرائيلية في لبنان وقتلى بغزة رغم سريان اتفاقي التهدئة
تصعيد مستمر رغم التهدئة المعلنة
تُظهر التطورات الميدانية في جنوب لبنان وقطاع غزة أن ترتيبات وقف إطلاق النار لا تزال بعيدة عن التحول إلى استقرار فعلي على الأرض. ففي وقت تحدث فيه الجيش الإسرائيلي عن تنفيذ أكثر من 20 غارة على جنوب لبنان خلال أسبوع، تواصلت كذلك العمليات في غزة، حيث سقط قتلى فلسطينيون خلال الفترة نفسها، بما يعكس استمرار العمل العسكري رغم وجود تفاهمات يفترض أنها تحد من القتال.
وبالنسبة للقارئ المصري، لا تبدو هذه التطورات مجرد خبر خارجي عابر؛ إذ ترتبط مباشرة بجهود القاهرة المستمرة لاحتواء التوتر في الإقليم، سواء عبر دعم تثبيت التهدئة في غزة أو عبر تأكيدها المستمر على ضرورة احترام سيادة لبنان ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.
ما الذي يجري في جنوب لبنان؟
الجنوب اللبناني يعيش منذ شهور على إيقاع تهدئة هشة. الأمم المتحدة كانت قد رحبت في 26 نوفمبر 2024 بإعلان وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، بينما شدد مجلس الأمن لاحقًا، عند تمديد ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان يونيفيل، على أن هذا الترتيب يمثل خطوة مهمة لكنه يتعرض لانتهاكات متواصلة، بينها غارات جوية وتحركات عسكرية داخل الأراضي اللبنانية.
كما أوضحت الأمم المتحدة في فبراير ومارس 2026 أن قوات يونيفيل رصدت استمرار الضربات الجوية الإسرائيلية والأنشطة العسكرية داخل جنوب لبنان، ووصفت ذلك بأنه انتهاك للقرار 1701 ولسيادة لبنان، مع تأكيدها في الوقت نفسه بقاء قواتها على الأرض لمراقبة الوضع واحتواء مخاطر الانفجار الأوسع.
وتشير المعطيات الأحدث إلى أن الوضع لم يهدأ بصورة كاملة حتى بعد التفاهمات اللاحقة. ففي 19 يونيو 2026 قالت الأمم المتحدة إن القتال المستمر بين القوات الإسرائيلية وعناصر حزب الله اختبر الاتفاقات المؤقتة، وإن ظروف الهدوء لا تزال بعيدة عن التحقق بالكامل. كما لفتت تقارير أممية إلى أن الخط الأزرق وجنوب لبنان شهدا مرارًا تبادلًا للنيران وأنشطة عسكرية متكررة.
اتفاق الإطار الجديد ومحدودية أثره
زادت الصورة تعقيدًا بعد الحديث عن اتفاق إطار أُعلن في 26 يونيو 2026 بين لبنان وإسرائيل. ووفق تقارير دولية حديثة، جاء الاتفاق في واشنطن وسط مساعٍ لخفض التصعيد، لكنه لم ينجح حتى الآن في إيقاف جميع العمليات الميدانية بصورة حاسمة، كما أن مسألة الانسحاب الإسرائيلي وترتيبات التنفيذ ظلت محل تجاذب.
هذا يعني عمليًا أن أي إعلان سياسي لا يكفي وحده ما لم تقترن به آليات تنفيذ واضحة، وهو ما يفسر استمرار الحديث عن غارات وضربات داخل الجنوب اللبناني حتى مع بقاء الاتفاق قائمًا من الناحية الشكلية.
غزة أيضًا: وقف نار بلا هدوء كامل
في قطاع غزة، تبدو الصورة مشابهة من حيث هشاشة الهدنة. ففي 15 يناير 2025 أعلنت قطر نجاح وساطة مشتركة مع مصر والولايات المتحدة للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار وتبادل المحتجزين، على أن يدخل حيز التنفيذ في 19 يناير 2025، وهو الاتفاق الذي رحبت به الأمم المتحدة باعتباره فرصة لتوسيع إدخال المساعدات وتهيئة مسار نحو تهدئة أطول.
لكن التطورات اللاحقة أظهرت أن التهدئة لم تتحول إلى توقف كامل للعمليات العسكرية. فمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية ذكر في تقريره الصادر في 3 يوليو 2026 أن عدد الضحايا المبلغ عنهم في غزة منذ الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر 2025 بلغ 1053 قتيلًا و3406 مصابين، بحسب بيانات وزارة الصحة في القطاع، كما أشار إلى أن الغارات والقصف خلال أسبوع واحد فقط تسببا في حرائق التهمت مئات الخيام.
وفي 8 يوليو 2026، أفادت تقارير إخبارية دولية بأن تسعة فلسطينيين قتلوا خلال يوم واحد نتيجة ضربات وإطلاق نار في غزة، بينما ارتفع إجمالي عدد القتلى منذ أشهر الهدنة إلى أكثر من ألف شخص بحسب مسؤولين صحيين محليين.
الأزمة الإنسانية تتفاقم
الأخطر أن استمرار العمليات لا يقتصر على الخسائر البشرية فقط، بل يمتد إلى تعميق الأزمة الإنسانية. الأمم المتحدة حذرت من أن توسيع المناطق المقيدة عسكريًا داخل القطاع، إلى جانب الضربات والقصف، يدفع إلى نزوح جديد ويعطل جهود الإغاثة. وفي السياق نفسه، تواصل القاهرة التأكيد على ضرورة فتح المعابر وضمان تدفق المساعدات الإنسانية والطبية بلا عوائق.
الموقف المصري: أولوية لوقف النار ومنع التوسع الإقليمي
مصر تتابع المسارين، اللبناني والفلسطيني، باعتبارهما جزءًا من أمن إقليمي مترابط. ففي ما يخص لبنان، شددت القاهرة على تضامنها مع الدولة اللبنانية وعلى ضرورة الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، وهو ما أكده وزير الخارجية بدر عبد العاطي في اتصالات وتحركات دبلوماسية خلال يونيو 2026.
أما في ملف غزة، فتواصل مصر الدفع باتجاه وقف إطلاق نار مستدام، مع إدخال المساعدات والتحضير لمؤتمر للتعافي المبكر وإعادة الإعمار فور التوصل إلى اتفاق أكثر ثباتًا. كما تكرر القاهرة في بياناتها أن استمرار الحرب في غزة هو أحد المحركات الأساسية للتوتر في المنطقة كلها، بما في ذلك الجبهة اللبنانية.
لماذا يهم هذا التطور العالم العربي؟
المشهد الحالي يوضح أن المنطقة لا تعاني فقط من خروق متفرقة للتهدئة، بل من أزمة أعمق تتعلق بغياب الضمانات الصلبة لتنفيذ الاتفاقات. في لبنان، لا تزال يونيفيل تحذر من الانتهاكات على جميع الأطراف، وفي غزة لا تزال أرقام الضحايا والنازحين تؤكد أن الهدنة لم تتحول إلى حماية حقيقية للمدنيين.
- في لبنان: ترتيبات وقف النار قائمة رسميًا، لكن الغارات والأنشطة العسكرية مستمرة.
- في غزة: الوساطة المصرية القطرية الأمريكية أوجدت إطارًا للتهدئة، لكن القتل والدمار لم يتوقفا تمامًا.
- إقليميًا: أي انهيار إضافي في أحد المسارين قد ينعكس سريعًا على المسار الآخر.
خلاصة المشهد
ما يجري خلال الأسبوع الأخير يؤكد أن اتفاقات وقف إطلاق النار، سواء في لبنان أو في غزة، لم تنجح بعد في فرض هدوء مستدام. وبينما تتواصل الضربات الإسرائيلية وسقوط الضحايا، يظل الرهان الأكبر على ترجمة التفاهمات السياسية إلى التزامات ميدانية فعلية، مع دور محوري لمصر والوسطاء الإقليميين والدوليين في منع اتساع دائرة الحرب.
وبالنظر إلى حساسية اللحظة، فإن السؤال الأهم لم يعد فقط: هل توجد تهدئة على الورق؟ بل: هل تستطيع هذه التهدئة حماية المدنيين فعلًا ومنع جولة تصعيد جديدة في واحدة من أكثر مناطق العالم قابلية للاشتعال؟