غارة مسيّرة تعيد شبح الحرب إلى تيجراي في إثيوبيا
غارة مسيّرة في تيجراي تعيد المخاوف إلى الواجهة
عاد ملف تيجراي ليتصدر المشهد في إثيوبيا، بعد تقارير عن غارة بطائرة مسيّرة استهدفت منطقة في الإقليم الشمالي، ما أعاد إلى الأذهان سريعًا سنوات الحرب التي هزت البلاد وأثارت قلقًا واسعًا في منطقة القرن الأفريقي. وبينما تبادلت الأطراف الاتهامات بشأن مسؤولية التصعيد، بدا واضحًا أن أي حادث أمني جديد في تيجراي لم يعد يُقرأ باعتباره واقعة معزولة، بل مؤشرًا على هشاشة الوضع بعد اتفاق السلام.
السلطات المرتبطة بإدارة تيجراي تحدثت عن ضربة جوية نُسبت إلى الحكومة الفيدرالية الإثيوبية، معتبرة أنها تمثل تصعيدًا خطيرًا في لحظة حساسة سياسيًا وأمنيًا. كما أشارت تقارير صحفية متقاطعة إلى أن التوتر العسكري في الإقليم لم يبدأ مع هذه الواقعة وحدها، بل يأتي ضمن سلسلة احتكاكات ومواجهات متفرقة تجددت خلال عام 2026، خاصة في المناطق القريبة من الحدود مع السودان وفي غرب وشمال غرب تيجراي.
ماذا نعرف عن الحادث الأخير؟
المعلومات المتاحة حتى الآن تشير إلى أن الغارة المسيّرة استهدفت منطقة قرب شيرارو في شمال غرب تيجراي، وفق ما أوردته تقارير نقلت بيانًا من حكومة الإقليم. وذكرت هذه التقارير أن الهجوم تسبب في سقوط ضحايا وأضرار مادية، لكن التفاصيل الدقيقة المتعلقة بعدد القتلى أو حجم الخسائر لم تتأكد بشكل مستقل من مصادر رسمية اتحادية منشورة على نطاق واسع، وهو ما يجعل كثيرًا من المعطيات الميدانية محل تدقيق حتى الآن.
الأهمية هنا لا ترتبط فقط بموقع الضربة، بل بتوقيتها أيضًا. فشمال إثيوبيا شهد في مطلع أغسطس/آب 2026 جولة اشتباكات جديدة قرب مناطق متنازع عليها في غرب تيجراي، مع اتهامات متبادلة بين القوات الفيدرالية ومقاتلي تيجراي بالسعي إلى فتح جبهة جديدة. بعض التقارير تحدثت كذلك عن استخدام المدفعية الثقيلة والطائرات المسيّرة خلال تلك المعارك، بما عزز المخاوف من عودة أدوات الحرب التي طبعت النزاع السابق.
لماذا يثير هذا التطور كل هذا القلق؟
السبب الرئيسي هو أن إقليم تيجراي خرج أصلًا من واحدة من أكثر الحروب دموية في أفريقيا خلال السنوات الأخيرة. النزاع الذي انفجر في نوفمبر/تشرين الثاني 2020 بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيجراي خلف كلفة إنسانية وأمنية هائلة، قبل أن يوقع الطرفان في 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2022 اتفاق الوقف الدائم للأعمال العدائية في بريتوريا بجنوب أفريقيا، برعاية الاتحاد الأفريقي. الاتفاق نص على إنهاء القتال وتهيئة مسار لاستعادة الاستقرار ونزع السلاح ومتابعة التنفيذ عبر آلية للرقابة والتحقق والامتثال أنشأها الاتحاد الأفريقي في 29 ديسمبر/كانون الأول 2022.
لكن ما حدث منذ ذلك الحين أظهر أن السلام في تيجراي لم يترسخ بالكامل. فالتوترات الميدانية، وتعقيدات المناطق المتنازع عليها، واستمرار الأزمات الإنسانية، كلها عوامل جعلت الاتفاق عرضة لاختبارات متكررة. والأمم المتحدة في إثيوبيا قالت مؤخرًا إن الأمين العام يتابع التطورات في تيجراي عن قرب، في ظل توترات متجددة واشتباكات أبلغ عنها أسهمت في تدهور البيئة الأمنية. كما أن تقديرات إنسانية صادرة عن منظمات أممية أشارت إلى أن الاحتياجات الإنسانية في إثيوبيا مرشحة للارتفاع خلال 2026، مع استمرار الصراع في عدة أقاليم من بينها تيجراي.
آبي أحمد في قلب المشهد
يبقى رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد علي (@PMAbiyAhmedAli على إنستغرام) في صدارة المشهد السياسي المرتبط بالأزمة، بحكم موقعه على رأس الحكومة الفيدرالية منذ أبريل/نيسان 2018. أي تصعيد في تيجراي ينعكس مباشرة على حسابات حكومته داخليًا وإقليميًا، خصوصًا أن أديس أبابا تواجه بالفعل ملفات أمنية معقدة في أكثر من جبهة داخلية، إلى جانب حساسيات إقليمية مرتبطة بالسودان والقرن الأفريقي والبحر الأحمر.
ومن زاوية تهم القارئ المصري، فإن استقرار إثيوبيا لا يمكن فصله عن استقرار الإقليم الأوسع. فكل اضطراب كبير في الشمال الإثيوبي يضغط على مسارات التجارة والحدود وحركة السكان، ويؤثر على توازنات القرن الأفريقي، وهي منطقة ترتبط بالنسبة لمصر بحسابات الأمن الإقليمي والبحر الأحمر ودوائر النفوذ في شرق أفريقيا.
هل نحن أمام حرب جديدة فعلًا؟
حتى الآن، لا يمكن الجزم بأن إثيوبيا دخلت حربًا شاملة جديدة في تيجراي، لكن المؤشرات الحالية مقلقة. فالتقارير الواردة من الميدان تتحدث عن احتكاكات متكررة، واتهامات باستخدام المسيّرات، وتحركات عسكرية قرب الحدود السودانية، فضلًا عن نزاع قائم حول مناطق استراتيجية في غرب الإقليم. هذه المعطيات لا تعني بالضرورة انهيارًا كاملًا وفوريًا لاتفاق بريتوريا، لكنها تعني بالتأكيد أن الاتفاق يمر بمرحلة شديدة الحساسية.
بعض المتابعات الصحفية تحدثت أيضًا عن امتداد تأثير المعارك إلى الشريط الحدودي مع السودان، بل وعن إصابات وقصف طال مناطق داخل السودان وفق تقارير إعلامية، وهو ما يرفع مستوى القلق من تحوّل النزاع من أزمة داخلية إثيوبية إلى ملف إقليمي أكثر تعقيدًا. وإذا صحت هذه المؤشرات واتسع نطاقها، فإن التداعيات الإنسانية والأمنية لن تبقى محصورة داخل حدود تيجراي فقط.
أبرز النقاط التي تجعل الموقف خطيرًا
- هشاشة اتفاق السلام الموقع في بريتوريا منذ 2 نوفمبر 2022.
- عودة الحديث عن المسيّرات كأداة في الصراع داخل تيجراي.
- المناطق المتنازع عليها في غرب الإقليم ما زالت مصدر توتر دائم.
- الحدود السودانية تضيف بُعدًا إقليميًا حساسًا لأي اشتباك جديد.
- الوضع الإنساني في إثيوبيا لا يحتمل موجة عنف واسعة جديدة.
السيناريوهات المحتملة في المرحلة المقبلة
السيناريو الأفضل يتمثل في احتواء الحادث سريعًا عبر قنوات سياسية وأمنية، مع تفعيل أكثر جدية لآليات المراقبة التي أقرها الاتحاد الأفريقي ضمن ترتيبات ما بعد اتفاق بريتوريا. أما السيناريو الأخطر، فهو أن تتحول الضربة المسيّرة والاشتباكات الأخيرة إلى بداية دورة تصعيد أوسع، خاصة إذا تكررت الهجمات أو توسعت رقعة المواجهات قرب المناطق الحساسة.
في كل الأحوال، تبدو الرسالة الأوضح من التطورات الأخيرة أن السلام في تيجراي لم يصبح أمرًا محسومًا بعد. فبعد نحو أربع سنوات من اندلاع الحرب الأولى، لا تزال الجروح مفتوحة، ولا تزال أي شرارة أمنية قادرة على إعادة شبح الحرب إلى الواجهة. وبالنسبة للمنطقة، ومن بينها مصر التي تتابع باهتمام تحولات القرن الأفريقي، فإن استقرار إثيوبيا لم يعد شأنًا داخليًا إثيوبيًا فقط، بل جزء من معادلة إقليمية أوسع تتقاطع فيها السياسة والأمن والحدود والإنسان.