غوتيريش: لا مخرج لأزمة واشنطن وطهران إلا بالتفاوض
الدبلوماسية لا القوة: لماذا يصر غوتيريش على التفاوض؟
في لحظة إقليمية شديدة الهشاشة، أعاد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش التأكيد على فكرة تبدو بديهية سياسياً لكنها غالباً ما تُهمَل عملياً: النزاع بين الولايات المتحدة وإيران لا ينبغي أن يُدار بالقوة، بل عبر المفاوضات، وفي إطار احترام القانون الدولي. هذا الموقف لم يأتِ كصياغة بروتوكولية عابرة، بل تكرر بوضوح في بيانات ومداخلات أممية خلال يونيو 2025، حين وصف غوتيريش أي انزلاق عسكري إضافي بأنه تهديد مباشر للسلم والأمن الدوليين، وشدد على أنه «لا يوجد حل عسكري» وأن «الطريق الوحيد هو الدبلوماسية».
الأهمية هنا لا تتعلق فقط بمضمون الرسالة، بل بتوقيتها أيضاً. فحين يصدر هذا التحذير من رأس المنظمة الدولية وسط تصاعد التوتر بشأن إيران والبرنامج النووي وحركة الملاحة في الخليج، فإننا نكون أمام محاولة لوضع خطوط حمراء سياسية وقانونية قبل أن تتحول الأزمة إلى واقع أوسع يصعب احتواؤه.
ما الذي قالته الأمم المتحدة فعلياً؟
البيانات الرسمية الصادرة عن الأمم المتحدة في 20 و21 و24 يونيو 2025 رسمت موقفاً متماسكاً: خفض التصعيد أولاً، احترام ميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي ثانياً، ثم العودة إلى مفاوضات جادة ومستدامة بشأن الملف الإيراني. وفي جلسة لمجلس الأمن، حذر غوتيريش من أن قصف المنشآت النووية الإيرانية يمثل منعطفاً خطيراً، ودعا إلى استئناف مفاوضات جدية حول البرنامج النووي الإيراني، مع التزام جميع الدول بالقانون الدولي، بما في ذلك القانون الدولي الإنساني.
هذا الربط بين الدبلوماسية والقانون ليس تفصيلاً لغوياً. فالأمم المتحدة لا تدعو فقط إلى تهدئة تكتيكية، بل إلى إطار سياسي يضبط سلوك القوى المتصارعة. ومن هنا يصبح حديث غوتيريش عن التفاوض جزءاً من دفاع أوسع عن النظام الدولي نفسه، لا مجرد تعليق على أزمة عابرة.
القانون الدولي هنا ليس شعاراً
حين تتحدث الأمم المتحدة عن احترام القانون الدولي في هذا السياق، فهي تشير عملياً إلى مجموعة مبادئ أساسية: الامتناع عن استخدام القوة خارج الأطر التي يقرها ميثاق الأمم المتحدة، حماية المدنيين، وصون حرية الملاحة في الممرات الدولية. وقد شددت المنظمة كذلك على ضرورة الحفاظ على وصول مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية ضمن أي مسار تفاوضي موثوق وقابل للتحقق.
الوكالة الدولية للطاقة الذرية نفسها واصلت خلال 2025 الإشارة إلى أن أي معالجة مستدامة للملف الإيراني تظل مرتبطة بالتفاهم السياسي، وأن استئناف أنشطة التحقق النووي يتوقف على وجود اتفاق بين الأطراف المعنية. وهذا يعني أن التصعيد العسكري، مهما بدا للبعض وسيلة ضغط، ينتهي عملياً إلى تقليص مساحة الرقابة والشفافية بدلاً من توسيعها.
من الزاوية المصرية: لماذا يهم هذا الموقف القاهرة؟
بالنسبة إلى القارئ في مصر، لا تبدو أزمة واشنطن وطهران ملفاً بعيداً. فكل توتر في الخليج أو حول مضيق هرمز ينعكس سريعاً على أسواق الطاقة، وكلفة التأمين البحري، وحركة التجارة، والمزاج الاستثماري في المنطقة. ومن ثم فإن دعوة غوتيريش إلى التفاوض تلتقي مباشرة مع المصلحة المصرية في منع توسيع دائرة الصراع.
الموقف المصري الرسمي خلال 2025 تحرك بوضوح في الاتجاه نفسه. وزارة الخارجية المصرية أعلنت دعمها لاستئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، ورحبت كذلك باستضافة سلطنة عُمان لجولات التفاوض، معتبرة أن الحوار السياسي هو الطريق الأنسب لتجنب انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة. كما أجرى وزير الخارجية بدر عبد العاطي مشاورات واتصالات متعددة تناولت تطورات المفاوضات الأمريكية الإيرانية وسبل خفض التصعيد، بما يعكس انخراط القاهرة في المسار الدبلوماسي الإقليمي.
من هذه الزاوية، لا يبدو موقف غوتيريش منفصلاً عن الحسابات المصرية، بل منسجماً معها إلى حد بعيد: لا مصلحة لمصر في حرب مفتوحة جديدة في الشرق الأوسط، ولا في إضعاف قواعد الملاحة الدولية، ولا في ارتفاع إضافي يضغط على اقتصادات المنطقة.
مضيق هرمز وقناة السويس: الرابط الذي لا يجوز تجاهله
الحديث عن إيران والولايات المتحدة لا ينفصل عن مضيق هرمز، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم. والأمم المتحدة في منصاتها الإقليمية شددت على وجوب احترام حرية الملاحة وفق القانون الدولي، ورفضت منطق الحصار على المضائق الدولية المستخدمة للملاحة العالمية. وبالنسبة لمصر، فإن أي اضطراب واسع في هذه المنطقة لا يبقى هناك؛ بل يمتد أثره إلى سلاسل الإمداد والبحر الأحمر وقناة السويس.
المؤسسات الدولية أشارت أيضاً إلى أن المنطقة عانت بالفعل من ضغوط كبيرة على حركة التجارة. فصندوق النقد الدولي لاحظ أن عبور قناة السويس لم يستعد عافيته بالكامل، فيما قدّر البنك الدولي خسائر كبيرة في الإيرادات والنقد الأجنبي لمصر نتيجة تراجع المرور عبر القناة بين ديسمبر 2023 ويوليو 2025. صحيح أن أزمة البحر الأحمر كانت العامل الأبرز، لكن التوترات المرتبطة بإيران والخليج تضيف طبقة أخرى من المخاطر على المشهد الملاحي والاقتصادي.
لماذا يخاطب غوتيريش العالم بلغة التحذير؟
لأن المشكلة لم تعد محصورة في خلاف ثنائي بين واشنطن وطهران. أي مواجهة أوسع قد تجر أطرافاً إقليمية أخرى، وقد تعطل مسارات تفاوض في ملفات متشابكة، من البرنامج النووي إلى أمن الطاقة وتهدئة الجبهات المشتعلة أصلاً في الشرق الأوسط. لذلك، فإن عبارة غوتيريش عن أن الصراع قد يخرج سريعاً عن السيطرة ليست مبالغة بل توصيفاً قريباً من الواقع الذي عكسته بيانات الأمم المتحدة ومداولات مجلس الأمن في يونيو 2025.
وفي هذا الإطار، يصبح التفاوض ليس خياراً مثالياً فحسب، بل خيار الضرورة. فالمفاوضات، حتى لو كانت بطيئة ومرهقة، تظل أقل كلفة من منطق الضربات والردود والردود المضادة. كما أن أي اتفاق قابل للتحقق، تشارك فيه المؤسسات الدولية المعنية، يوفر قدراً من اليقين لا تستطيع القوة العسكرية إنتاجه.
هل الدبلوماسية وحدها كافية؟
هنا تبدأ المنطقة الرمادية التي تهم قسم تحليلات ورأي. فالدبلوماسية ليست عصا سحرية، لكنها الإطار الوحيد الذي يتيح ترجمة المصالح المتعارضة إلى تفاهمات قابلة للحياة. التحدي الحقيقي ليس في إعلان الرغبة بالحوار، بل في توافر إرادة سياسية لتحويله إلى مسار مستقر، يوازن بين الهواجس الأمنية الأمريكية، ومطالب إيران المتعلقة بالعقوبات والسيادة، ومصالح دول الجوار في عدم دفع ثمن أي صفقة أو أي انهيار.
ومن منظور مصري، تبدو الأولوية واضحة: منع الانفجار، دعم الوساطات، حماية الملاحة، والدفع نحو اتفاق يوقف تآكل الاستقرار الإقليمي. لهذا تحديداً يكتسب كلام غوتيريش ثقله؛ لأنه يعبّر عن قاعدة بسيطة لكن جوهرية: إذا كانت الحرب قادرة على تفجير المنطقة في أيام، فإن التفاوض وحده قادر على منع هذا الانفجار من الأساس.
الخلاصة
رسالة أنطونيو غوتيريش ليست جديدة في جوهرها، لكنها باتت أكثر إلحاحاً في سياق 2025: احترام القانون الدولي، وقف التصعيد، والعودة إلى المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران. بالنسبة لمصر، هذا ليس مجرد خطاب أممي معتاد، بل مقاربة تصب مباشرة في مصلحة الأمن الإقليمي، واستقرار التجارة، وتخفيف الضغوط الاقتصادية الناتجة عن اضطراب الممرات البحرية. وفي عالم تتسع فيه دوائر الصراع بسرعة، تبدو الدبلوماسية أقل الخيارات درامية، لكنها غالباً الخيار الوحيد القابل للاستمرار.