Akhbar Cairo

فانس: التفاوض مع إيران بالغ التعقيد والنظام منقسم

فانس يصف المسار مع طهران بأنه شديد التعقيد

قال نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس إن التفاوض مع إيران يظل واحدًا من أكثر الملفات تعقيدًا في السياسة الخارجية الأمريكية، مشيرًا إلى أن التعامل مع طهران لا يصطدم فقط بالخلافات حول البرنامج النووي، بل أيضًا بما وصفه بانقسام داخل بنية صنع القرار الإيراني نفسها. ويعكس هذا التوصيف الأمريكي حجم التشابك الذي يحيط بأي محاولة لإحياء التفاهمات أو التوصل إلى صيغة جديدة بين واشنطن والجمهورية الإسلامية.

وتكتسب تصريحات فانس أهمية إضافية لأن صاحبها يشغل منصب نائب رئيس الولايات المتحدة منذ 20 يناير 2025، في إدارة الرئيس دونالد ترامب، ما يجعل كلماته جزءًا من خطاب رسمي يراقبه الإقليم عن قرب، خصوصًا في دول الشرق الأوسط التي ترتبط مباشرة بتداعيات أي تفاوض أمريكي-إيراني، سواء على أمن الملاحة أو أسعار الطاقة أو حسابات النفوذ الإقليمي.

لماذا ترى واشنطن أن التفاوض مع إيران “شائك”؟

جوهر الرسالة الأمريكية هنا أن المشكلة لا تتعلق فقط بمسألة فنية تخص تخصيب اليورانيوم أو آليات الرقابة الدولية، بل بطبيعة النظام السياسي في إيران. فوفق القراءة التي عبّر عنها فانس، فإن تعدد مراكز التأثير داخل طهران يجعل من الصعب معرفة الجهة القادرة على اتخاذ قرار نهائي ملزم، أو الالتزام به دون ارتباك لاحق. هذه النقطة تتكرر أيضًا في تقارير وتحليلات دولية رصدت تباينات داخل المؤسسة الإيرانية بين تيارات تفضّل خفض التصعيد للوصول إلى اتفاق، وأخرى تتبنى نهجًا أكثر تشددًا.

وبالنسبة للمتابع المصري، فإن هذه الإشارة ليست تفصيلًا نظريًا؛ لأن أي تعثر في التفاهم بين واشنطن وطهران ينعكس عادة على مجمل الإقليم العربي، من الخليج إلى البحر الأحمر، مرورًا بأسواق النفط والغاز، وهي ملفات تمس اقتصادات المنطقة وسلاسل الإمداد والأمن البحري. لذلك فإن وصف المفاوضات بأنها معقدة لا يُقرأ باعتباره تصريحًا عابرًا، بل إشارة إلى أن الطريق نحو أي تسوية ما زال مليئًا بالعقبات.

الملف النووي يظل في قلب الأزمة

الموقف الأمريكي المعلن يركز على نقطة أساسية: منع إيران من امتلاك سلاح نووي. وقد كرر البيت الأبيض في أكثر من مناسبة أن هذا الهدف يظل أولوية ثابتة لدى إدارة ترامب، بينما شدد فانس في تصريحات منشورة عبر المنصات الرسمية للبيت الأبيض على أن إيران “لا يمكن” السماح لها بامتلاك سلاح نووي.

وفي الخلفية، لا تزال الوكالة الدولية للطاقة الذرية تتابع بقلق وضع المخزون الإيراني من اليورانيوم عالي التخصيب. وتُظهر تقارير حديثة نُشرت خلال 2025 و2026 استمرار المخاوف المرتبطة بإمكانية التحقق الكامل من بعض المواد والأنشطة، خاصة بعد فترات التوتر والقيود على الوصول والرقابة. كما أشارت متابعة لاحقة إلى أن الوكالة طالبت طهران بتوضيحات إضافية بشأن مصير مخزونات مخصبة وإتاحة الوصول اللازم للتحقق.

هذه المعطيات تجعل التفاوض أكثر صعوبة؛ لأن أي اتفاق جديد لن يُقاس فقط بالتصريحات السياسية، بل بمدى وجود آلية رقابة موثوقة، وجداول زمنية قابلة للتنفيذ، وضمانات تمنع الانهيار السريع للتفاهم. ومن هنا يمكن فهم سبب التشدد الأمريكي في رسم “خطوط حمراء” تتعلق بالتخصيب والرقابة الدولية وسلوك إيران الإقليمي.

انقسامات داخلية إيرانية أم تفاوض محسوب؟

الحديث عن انقسام داخل النظام الإيراني ليس جديدًا، لكنه عاد بقوة مع تزايد الضغوط الدولية والتطورات العسكرية والسياسية الأخيرة. ووفق تقارير حديثة، هناك داخل إيران من يرى أن الضغوط قد تُستخدم لانتزاع اتفاق يخفف العزلة ويقلص المخاطر الاقتصادية، في مقابل تيارات أخرى تنظر إلى التنازل على أنه كلفة سياسية واستراتيجية باهظة. هذا التباين لا يعني بالضرورة غياب مركز للدولة، لكنه يعني أن المفاوض الأمريكي قد يواجه رسائل متباينة أو سقوفًا متغيرة أثناء التفاوض.

وفي هذا السياق، تحدثت تقارير إعلامية عن تفضيلات إيرانية مرتبطة بهوية من يدير التفاوض من الجانب الأمريكي، مع بقاء المبعوثين والمسؤولين الأمريكيين منخرطين بدرجات مختلفة في الملف. غير أن الصورة الأوسع تؤكد أن أي مسار تفاوضي لا يتوقف على الأشخاص وحدهم، بقدر ما يتوقف على قرار سياسي من أعلى المستويات لدى الطرفين.

ماذا يعني ذلك عربيًا وإقليميًا؟

بالنسبة للعالم العربي، يهم هذا الملف لأسباب تتجاوز العلاقة الثنائية بين واشنطن وطهران. فإيران لاعب مؤثر في عدد من ساحات الإقليم، وأي تقارب أو صدام مع الولايات المتحدة يترك أثرًا مباشرًا على التوازنات في الخليج والعراق وسوريا ولبنان، فضلًا عن أمن الممرات البحرية. ومن منظور مصري، تبرز أهمية الاستقرار في البحر الأحمر وشرق المتوسط ومسارات التجارة والطاقة، وهي كلها تتأثر عندما يرتفع منسوب التوتر بين القوى الكبرى في المنطقة.

كما أن التحولات في العلاقة الأمريكية-الإيرانية تبقى عاملًا مهمًا في تحديد اتجاهات الأسواق العالمية، خصوصًا إذا ارتبطت بعقوبات أو تهديدات للملاحة أو إمدادات الطاقة. ولهذا تتعامل العواصم العربية مع التصريحات الصادرة من واشنطن أو طهران بوصفها مؤشرات على ما إذا كانت المنطقة تتجه إلى خفض التصعيد أم إلى جولة جديدة من الشد والجذب.

بين الخطاب السياسي وواقع التفاوض

تصريحات فانس تعكس، في جانب منها، محاولة أمريكية لتهيئة الرأي العام لفكرة أن التقدم مع إيران لن يكون سريعًا أو سهلًا. كما أنها ترسل رسالة مزدوجة: الأولى إلى طهران بأن واشنطن ترى أن المماطلة أو تضارب المواقف داخل النظام الإيراني يعقد فرص التسوية، والثانية إلى حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة بأن الملف ما يزال خاضعًا لحسابات دقيقة تتعلق بالأمن والردع والدبلوماسية في آن واحد.

ومن المرجح أن يبقى هذا الملف مفتوحًا على أكثر من احتمال، خاصة مع استمرار النقاش الدولي حول البرنامج النووي الإيراني، ودور الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وحدود ما يمكن أن تقبله واشنطن أو طهران في أي اتفاق جديد. وحتى مع وجود رغبة معلنة لدى بعض الأطراف في التوصل إلى تفاهم، فإن العقدة الأساسية تظل في الثقة، وآليات التنفيذ، ومن يملك القرار النهائي داخل النظام الإيراني.

أبرز النقاط في المشهد الحالي

  • جي دي فانس قال إن التفاوض مع إيران معقد وأن التعامل مع الإيرانيين صعب بسبب انقسام النظام.
  • الإدارة الأمريكية تؤكد أن منع إيران من امتلاك سلاح نووي يظل هدفًا ثابتًا.
  • الوكالة الدولية للطاقة الذرية ما زالت تطالب بإيضاحات ووصول أكبر للتحقق من بعض الجوانب المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني.
  • التداعيات الإقليمية لأي تعثر أو اختراق في هذا الملف تمتد إلى الأمن البحري والطاقة والتوازنات العربية الأوسع.

وفي المحصلة، فإن توصيف فانس للمحادثات مع طهران بأنها “شائكة” يلخص مشهدًا أعقد من مجرد خلاف دبلوماسي عابر. فنحن أمام ملف تتداخل فيه الحسابات النووية مع بنية السلطة داخل إيران، ومع أولويات واشنطن الأمنية، ومع مصالح دول المنطقة العربية التي تراقب عن كثب كل إشارة تصدر من العاصمتين. وبين تشدد التصريحات وصعوبة الوقائع، يبقى السؤال المفتوح: هل تنتج هذه الضغوط تفاوضًا أكثر جدية، أم مزيدًا من المراوحة؟