فرنسا تشدد انتشارها الأمني بعد اضطرابات واسعة في المدن
فرنسا تواجه موجة اضطرابات بخطة انتشار أمني موسعة
اتجهت السلطات الفرنسية إلى تشديد وجودها الأمني في الشوارع بعد تصاعد أعمال الشغب والنهب في عدد من المدن، في أزمة فجرتها وفاة الفتى نائل مرزوق، البالغ 17 عاما، بعد إطلاق شرطي النار عليه خلال تفتيش مروري في ضاحية نانتير قرب باريس في 27 يونيو 2023. ومع امتداد التوتر إلى مدن كبرى مثل مرسيليا وليون وتولوز وستراسبورغ وليل، وضعت الحكومة الفرنسية خطة انتشار واسعة هدفت إلى احتواء العنف ومنع تكرار الهجمات على المتاجر والمرافق العامة ووسائل النقل.
وبحسب المعطيات التي نقلتها رويترز، دفعت فرنسا بنحو 45 ألفا من عناصر الشرطة والدرك إلى الشوارع في ليلة السبت، مع استخدام بعض المدرعات في مناطق التوتر، بعدما كانت الحكومة نشرت قوة أقل في الليالي السابقة. كما طلب وزير الداخلية آنذاك جيرالد دارمانان تعليق حركة الحافلات والترام في أنحاء مختلفة من البلاد بدءا من التاسعة مساء، في إجراء استثنائي هدفه الحد من تنقل مجموعات الشغب ليلا.
ما الذي أشعل الأزمة؟
ترجع الشرارة المباشرة للأحداث إلى مقتل نائل مرزوق في نانتير، وهي واقعة التقطها مقطع فيديو وانتشرت بسرعة، لتعيد إلى الواجهة نقاشا قديما في فرنسا حول عنف الشرطة والعلاقة المتوترة بين قوات الأمن وبعض الضواحي ذات التنوع العرقي والاجتماعي. ووفقا للرئاسة الفرنسية، شهدت أكثر من 500 بلدية في أنحاء البلاد وقائع عنف خلال أسبوع واحد، استهدفت رموزا رسمية ومتاجر وسيارات ومرافق نقل عام.
وفي ذروة التوتر، وصفت الحكومة الوضع بأنه من أخطر اختبارات الأمن الداخلي منذ احتجاجات «السترات الصفراء» التي بدأت في 2018. كما أكدت أن الهجمات لم تقتصر على الشوارع التجارية، بل طالت أيضا مدارس ومكتبات ومقار بلديات ومراكز شرطة، وهو ما منح الأزمة بعدا سياسيا ومؤسسيا يتجاوز مجرد الاحتجاجات الغاضبة.
أرقام تكشف حجم الاضطرابات
البيانات الرسمية الفرنسية أظهرت اتساع نطاق المواجهة. فوزارة الداخلية الفرنسية قالت إن ليلة 30 يونيو إلى 1 يوليو 2023 شهدت 1311 توقيفا وإصابة 79 من رجال الشرطة والدرك، بينما كانت حصيلة الليلة السابقة 875 توقيفا. كما أشارت رويترز إلى أن مئات المتاجر تعرضت للنهب أو التخريب، وأن قرابة 2000 سيارة أُحرقت خلال الأيام الأولى من الاضطرابات، إلى جانب إصابة أكثر من 200 شرطي منذ بداية الأحداث.
وفي تحديث لاحق نشرته وزارة الداخلية في 3 يوليو 2023، قالت إن مستوى العنف تراجع مقارنة بالذروة، مع تسجيل 719 توقيفا بين ليل 1 و2 يوليو، ثم 157 توقيفا فقط في الليلة التالية، في إشارة إلى أن التشديد الأمني بدأ يحقق أثرا ميدانيا.
تحركات الحكومة الفرنسية
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (@emmanuelmacron على إنستغرام) تابع الأزمة من خلال اجتماعات حكومية وأمنية متتالية، بينما ترك الملف الميداني لوزارة الداخلية. وفي ذلك الوقت كان جيرالد دارمانان مسؤولا عن حقيبة الداخلية، وقد أعلن أن كل الخيارات مطروحة لاستعادة النظام العام، بما في ذلك عدم استبعاد خطوات استثنائية إذا استدعت التطورات ذلك.
كما أظهرت وثائق الإليزيه أن الحكومة ركزت على مسارين متوازيين: الأول أمني لاستعادة السيطرة في الشارع، والثاني قضائي لتسريع المحاكمات والعقوبات. وبحلول مساء 4 يوليو 2023، تحدث مجلس الوزراء الفرنسي عن نحو 990 إحالة إلى النيابة بعد انتهاء فترات الاحتجاز، و480 مثولا فوريا أمام المحاكم، و366 حالة سجن على خلفية أعمال العنف والتخريب. كما أُشير إلى أن ثلث الموقوفين كانوا قُصّرا.
لماذا يهم الخبر القارئ المصري؟
بالنسبة للمتابع المصري، فإن ما جرى في فرنسا يتجاوز كونه أزمة أوروبية داخلية. فرنسا دولة مؤثرة في ملفات المتوسط وشمال أفريقيا، وتطورات الاستقرار الداخلي فيها تنعكس على أولوياتها السياسية والأمنية، سواء في ما يتعلق بالهجرة أو التعاون الأمني أو النقاشات المرتبطة بالاندماج والتمييز داخل المجتمعات الغربية. كما أن مشاهد النهب واستهداف المرافق العامة تعطي مثالا جديدا على كيف يمكن لحادث فردي أن يتحول إلى أزمة دولة عندما تتراكم الاحتقانات الاجتماعية والسياسية.
ومن زاوية إقليمية أوسع، تبرز القضية أيضا حساسية العلاقة بين الدولة والضواحي المهمشة في أوروبا، ولا سيما مع وجود جاليات من أصول عربية ومغاربية. نائل مرزوق نفسه وُصف في تقارير رويترز بأنه من أصول جزائرية ومغربية، وهو ما جعل الحادث يحظى باهتمام واسع في المنطقة العربية وشمال أفريقيا تحديدا.
إلى أين تتجه الأمور؟
السلطات الفرنسية اعتبرت لاحقا أن التعبئة المكثفة لقوات الأمن ساعدت في خفض مستوى العنف تدريجيا، لكن الأزمة كشفت هشاشة الوضع في بعض الضواحي، وأعادت فتح أسئلة صعبة حول سياسات الأمن والعدالة والاندماج الاجتماعي. كما أكدت الرئاسة الفرنسية أن الأضرار طالت خدمات عامة أساسية، من بينها المدارس والمكتبات ومقار البلديات، ما دفع الدولة إلى التعهد بتسريع إعادة الإعمار وتقديم دعم مالي للمناطق المتضررة.
عمليا، لم يكن القرار الفرنسي مجرد زيادة عدد العناصر في الشوارع، بل جزءا من استراتيجية أوسع لاستعادة هيبة الدولة ومنع انتقال الاحتجاجات من التعبير الغاضب إلى فوضى مفتوحة. وبينما هدأت الاضطرابات مقارنة بالأيام الأولى، بقيت تداعيات القضية السياسية والاجتماعية حاضرة بقوة في النقاش الفرنسي، خصوصا أن الحادث وقع قبل عام واحد فقط من استضافة باريس دورة الألعاب الأولمبية الصيفية 2024، وهو ما زاد الضغوط على مؤسسات الدولة لإظهار قدرتها على فرض الأمن.
- تاريخ الحادث: 27 يونيو 2023 في نانتير قرب باريس.
- قوة الانتشار: 45 ألفا من الشرطة والدرك في ليلة السبت.
- مدن بارزة تأثرت: باريس، مرسيليا، ليون، تولوز، ستراسبورغ، ليل.
- أبرز الحصائل الرسمية: 1311 توقيفا في إحدى أكثر الليالي عنفا، ثم تراجع لاحق في الأعداد.
- الخلفية السياسية: أخطر تحد أمني لماكرون منذ احتجاجات السترات الصفراء، وفق توصيف رويترز.
الخلاصة أن فرنسا لم تلجأ إلى خطوة الانتشار الأمني الواسع من فراغ، بل بعد موجة غير مسبوقة من الحرائق والنهب والاشتباكات التي وضعت الحكومة أمام اختبار صعب بين حفظ النظام العام واحتواء الغضب الشعبي. وفي بلد يلعب دورا محوريا على ضفتي المتوسط، تظل هذه التطورات محل متابعة وثيقة في المنطقة العربية، بما فيها مصر.