Akhbar Cairo

فرنسا تعيد 51 مليون يورو من أموال رفعت الأسد إلى سوريا

إعادة الأموال المنهوبة: لماذا تبدو الخطوة الفرنسية أكبر من رقم 51 مليون يورو؟

إعلان باريس بدء إجراءات إعادة 51 مليون يورو صودرت من رفعت الأسد إلى سوريا ليس مجرد خبر مالي عابر، بل تطور سياسي وقانوني ثقيل الدلالة في لحظة إقليمية حساسة. فالقرار تزامن مع زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق ولقائه الرئيس السوري أحمد الشرع، في أول زيارة لرئيس غربي كبير إلى سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024. بهذا المعنى، لا يمكن قراءة الملف باعتباره استرداد أصول فحسب، بل باعتباره جزءًا من إعادة صياغة العلاقة بين أوروبا وسوريا الجديدة، ومحاولة لترجمة شعار دعم الشعب السوري إلى إجراء ملموس.

بحسب ما أوردته الرئاسة الفرنسية، بدأت فرنسا وسوريا إجراءات إعادة الأموال التي تمت مصادرتها من أصول تعود إلى رفعت الأسد، عمّ الرئيس السوري السابق بشار الأسد. وتبلغ قيمة المبلغ المعني 51 مليون يورو، أي ما يقارب 58 مليون دولار وفق التقديرات المتداولة وقت الإعلان. وتؤكد الصياغة الفرنسية أن هذه الأموال ستُعاد إلى السوريين لتمويل مشروعات تنموية داخل البلاد، وهي نقطة مهمة لأنها تنقل الملف من منطق العقوبة القضائية وحدها إلى منطق المنفعة العامة.

ما الذي يجعل التوقيت مهمًا؟

التوقيت هنا ليس تفصيلًا. زيارة ماكرون إلى دمشق في 7 يوليو 2026 جاءت بعد أشهر من استقباله أحمد الشرع في قصر الإليزيه يوم 7 مايو 2025، في أول زيارة أوروبية رسمية للرئيس السوري الانتقالي. كما أن الزيارة الفرنسية الأخيرة حملت طابعًا سياسيًا واضحًا: باريس تريد أن تكون طرفًا فاعلًا في رسم مرحلة ما بعد الأسد، لا مجرد مراقب أوروبي من بعيد. ومن ثم، فإن إعادة الأموال المصادرة تبدو رسالة مزدوجة: دعم لمسار الانتقال السوري من جهة، وتأكيد فرنسي على أن ملاحقة الثروات المشبوهة يمكن أن تتحول إلى أداة دبلوماسية وقانونية في آن واحد.

وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذه النقطة تتجاوز سوريا نفسها. فملفات استرداد الأموال المنهوبة لطالما كانت حاضرة في النقاش العربي منذ 2011، لكن النتيجة غالبًا ما اصطدمت بتعقيدات قضائية وسياسية دولية. لذلك فإن أي سابقة عملية من هذا النوع، خاصة إذا تمت عبر مسار قانوني مكتمل وتحت غطاء رسمي بين دولتين، تستحق التوقف عندها بوصفها نموذجًا يمكن البناء عليه عربيًا.

من هو رفعت الأسد، ولماذا ارتبط اسمه بهذا الملف؟

رفعت الأسد هو شقيق الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد وعمّ بشار الأسد، وارتبط اسمه لسنوات طويلة بشبكات نفوذ واتهامات تتعلق بتكوين ثروات ضخمة خارج سوريا. القضاء الفرنسي كان قد أدانه في قضايا تتعلق بغسل الأموال والاستفادة من أصول وُصفت بأنها نتاج تحويلات غير مشروعة من المال العام السوري، وانتهت المعارك القضائية إلى تثبيت مصادرة جزء من ممتلكاته. وفي يناير 2026 توفي رفعت الأسد عن عمر ناهز 88 عامًا، لكن موته لم يُنهِ الملف، لأن القضية بالنسبة للدولة الفرنسية وللسوريين باتت تتعلق بمصير الأموال نفسها لا بصاحبها فقط.

هنا تكمن المفارقة: العدالة المتأخرة قد لا تعيد التاريخ، لكنها تستطيع على الأقل أن تعيد جزءًا من الثروة إلى أصحابها الأصليين، أي المواطنين. وهذا هو المعنى السياسي الأهم في الخطوة الفرنسية؛ فهي تعترف ضمنيًا بأن الأصول المصادرة ليست مجرد غنائم قضائية للدولة التي صادرتها، بل موارد ينبغي أن تعود إلى الشعب الذي نُهبت منه.

بين العدالة الانتقالية وإعادة الإعمار

في التحليل السياسي، يمكن النظر إلى هذه الخطوة باعتبارها تقاطعًا بين ملفين كبيرين في سوريا اليوم:

  • العدالة الانتقالية: أي ملاحقة إرث النظام السابق قانونيًا ورمزيًا.
  • إعادة الإعمار: أي البحث عن موارد حقيقية لتمويل الخدمات والبنية الأساسية في بلد أنهكته الحرب والعقوبات والانهيار المؤسسي.

الاتحاد الأوروبي كان قد أكد في يونيو 2025 دعمه لانتقال سوري سلمي وشامل بقيادة سورية، ثم أعاد في مايو 2026 التطبيق الكامل لاتفاق التعاون بين الاتحاد الأوروبي وسوريا، مع الإبقاء على إجراءات تستهدف رموز النظام السابق. هذا التدرج الأوروبي مهم، لأنه يوضح أن المسار الحالي لا يعني تجاهل الماضي، بل محاولة الفصل بين دعم الدولة السورية الجديدة وبين استمرار ملاحقة الدائرة المرتبطة بالنظام السابق.

وفي هذا السياق، تبدو إعادة 51 مليون يورو ذات قيمة رمزية أعلى من قيمتها الحسابية. صحيح أن الرقم لن يغير وحده اقتصاد بلد دمرته الحرب، لكنه يفتح بابًا سياسيًا وقانونيًا واسعًا: ماذا عن باقي الأصول؟ وماذا عن الأموال والعقارات المحتملة في دول أوروبية أخرى؟ وهل يمكن أن تتكرر الآلية نفسها إذا توفرت أحكام نهائية ومسارات قانونية متماسكة؟

هل نحن أمام تحول فرنسي أوسع في سوريا؟

المؤشرات تقول إن باريس تتحرك بأكثر من أداة. فإلى جانب الإعلان عن إعادة الأموال، ظهرت خلال زيارة ماكرون إشارات إلى توسيع التعاون الاقتصادي، من بينها اتفاقات لشركات فرنسية، بينها مجموعة سي إم إيه-سي جي إم المرتبطة بقطاع الشحن والخدمات اللوجستية، مع حديث عن خدمات مناولة الشحن الجوي في مطار دمشق الدولي. هذا يوضح أن فرنسا لا تريد حصر دورها في الخطاب السياسي أو المساعدات، بل تسعى إلى موطئ قدم اقتصادي مبكر داخل سوريا.

لكن هذا المسار ليس بلا أسئلة. فكل انفتاح غربي على دمشق سيظل خاضعًا لاختبارين أساسيين: مدى قدرة السلطة السورية الجديدة على بناء مؤسسات مستقرة وشاملة، ومدى إمكانية تحويل الوعود الاقتصادية إلى مشروعات تنعكس على حياة الناس لا على شبكات مصالح جديدة. من هنا، فإن استرداد الأموال المصادرة قد يكون اختبارًا مهمًا للشفافية: أين ستذهب هذه الموارد؟ ومن سيديرها؟ وكيف سيُعلن عن أوجه إنفاقها؟

ماذا تعني الخطوة للسوريين وللمنطقة؟

بالنسبة للسوريين، الخبر يحمل معنى نفسيًا وسياسيًا لا يقل عن معناه المالي. فبعد سنوات من الحرب والتشريد والانهيار، تبدو فكرة استعادة جزء من الأموال المنسوبة إلى أركان النظام السابق بمثابة إشارة إلى أن الإفلات الكامل من المحاسبة ليس قدرًا محتومًا. أما إقليميًا، فالخطوة تندرج ضمن مشهد أوسع يعاد فيه ترتيب العلاقة مع سوريا بعد 2024، وسط سباق دبلوماسي واقتصادي على النفوذ والمشاركة في إعادة البناء.

وفي مصر تحديدًا، يهم المتابع أن يقرأ هذا التطور من زاويتين: الأولى أن استقرار سوريا يظل عنصرًا مركزيًا في توازن المشرق العربي، والثانية أن استرداد الأصول المنهوبة من الخارج لم يعد شعارًا سياسيًا فقط، بل يمكن أن يتحول إلى مسار فعلي إذا التقت الإرادة السياسية مع الأدلة القانونية.

الخلاصة

إعادة 51 مليون يورو من أموال رفعت الأسد إلى سوريا ليست نهاية القصة، بل ربما بدايتها الحقيقية. فهي تطرح أسئلة عن العدالة، والشرعية، وإدارة المال العام، وشكل العلاقة الجديدة بين دمشق والعواصم الأوروبية. وإذا نجحت هذه السابقة في التحول إلى نموذج مؤسسي شفاف، فقد تصبح أكثر من مجرد خبر دبلوماسي: قد تصبح علامة على أن مرحلة ما بعد الأسد لا تُقاس فقط بتغيير الوجوه، بل أيضًا بطريقة التعامل مع تركة السلطة والثروة المنهوبة.

في النهاية، الرقم مهم، لكن الأهم منه هو المبدأ: أن المال الذي خرج من بلد ممزق يمكن، ولو بعد سنوات طويلة، أن يجد طريقه إلى الشعب نفسه. وهذه في السياسة، كما في القانون، رسالة لا تقل وزنًا عن أي اتفاق أو زيارة رسمية.