Akhbar Cairo

فريد زهران يفتح جدلًا جديدًا حول شروط الرئاسة

تصريحات فريد زهران تعيد ملف الرئاسة إلى صدارة النقاش

أعاد فريد زهران، رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، فتح نقاش سياسي حساس في مصر بعد قوله إن المقترحات المتعلقة بالشروط المنظمة لتولي منصب رئيس الجمهورية ليست محل إجماع، حتى داخل الدوائر المؤيدة للرئيس. وجاءت تصريحاته مساء الأحد 25 أكتوبر 2026 خلال ظهوره التلفزيوني، حيث اعتبر أن مجرد طرح قواعد إضافية أو تصورات جديدة لشغل المنصب يثير بطبيعة الحال نقاشًا عامًا يتجاوز الاصطفافات التقليدية بين موالاة ومعارضة.

أهمية التصريح لا تكمن فقط في مضمونه، بل في توقيته أيضًا. فالمشهد السياسي المصري يعيش منذ منتصف أكتوبر حالة نقاش متسارع بعد تأكيد الرئيس عبد الفتاح السيسي أن الدستور المصري لن يُمس، وهو تصريح صدر خلال فعالية رسمية بالأكاديمية العسكرية المصرية يوم 17 أكتوبر 2026، وجرى تداوله على نطاق واسع باعتباره رسالة مباشرة تتصل بمسألة مدة الحكم وحدود تعديل القواعد الحاكمة للسلطة التنفيذية.

لماذا أثارت عبارة «لن يُمس الدستور» كل هذا الجدل؟

في الظاهر، يبدو الموقف محسومًا: احترام النص الدستوري وإغلاق الباب أمام أي تعديل جديد في المواد المنظمة للرئاسة. لكن على مستوى القراءة السياسية، فإن الرسالة حملت دلالات أوسع. فحين يؤكد الرئيس تمسكه بالدستور، فإن ذلك يبعث بإشارة إلى أن نهاية الولاية الرئاسية الحالية ستظل محكومة بالنصوص القائمة، لا بتعديلات استثنائية أو ترتيبات فوق العادة.

هذا بالضبط ما التقطه زهران في تعليقه، حين قال إن تصريح السيسي صدم مواطنين كثيرين، خصوصًا لأن السؤال لم يعد: هل يجري تعديل الدستور؟ بل أصبح: كيف سيُدار انتقال السلطة إذا بقيت القواعد كما هي؟ وهنا ينتقل النقاش من مستوى النص إلى مستوى الممارسة السياسية، أي إلى جاهزية الأحزاب، وقدرة المجال العام على إنتاج بدائل، وإقناع الرأي العام بأن الدولة لا ترتبط بشخص واحد مهما كان موقعه أو ثقله.

بين الدستور والقانون: أين يبدأ الخلاف الحقيقي؟

وفق الموقع الرسمي للهيئة العامة للاستعلامات، تنص المادة 141 من الدستور على مجموعة شروط أساسية للترشح لرئاسة الجمهورية، من بينها أن يكون المرشح مصريًا من أبوين مصريين، وألا يكون قد حمل أو أحد والديه أو زوجه جنسية دولة أخرى، وأن يتمتع بحقوقه المدنية والسياسية، وأن يكون قد أدى الخدمة العسكرية أو أُعفي منها قانونًا، وألا يقل عمره يوم فتح باب الترشح عن 40 سنة ميلادية، مع ترك مساحة للقانون لتحديد شروط أخرى.

هذه المساحة الأخيرة هي جوهر الجدل الحالي. ففي 20 أكتوبر 2026، تحدث النائب صلاح فوزي، أستاذ القانون الدستوري وعضو لجنة الشئون الدستورية والتشريعية بمجلس النواب، عن توقعات بإجراء تعديلات على قانوني مباشرة الحقوق السياسية وانتخاب رئيس الجمهورية، موضحًا أن القانون يمكن أن يضيف شروطًا تنظيمية أخرى ما دامت لا تصطدم بمبدأ المساواة الدستوري. كما أشار إلى أن القانون القائم يتضمن بالفعل شروطًا إضافية مثل الخلو من الأمراض الذهنية والعقلية والحصول على مؤهل عال.

من هنا يمكن فهم تحفظ زهران: فهو لا يناقش فقط النصوص، بل فكرة التوسع في الشروط أو في آليات الإعداد السياسي للمرشحين، وما إذا كانت هذه المقترحات ستُنظر إليها باعتبارها تطويرًا للعملية السياسية أم تضييقًا عمليًا على فرص التنافس.

زهران والرهان على فكرة «الدولة الأكبر من الأشخاص»

في مداخلته الأخيرة، شدد فريد زهران على أن مصر «دولة كبيرة وزاخرة بالكفاءات»، وأن الحديث عن مستقبل ما بعد الرئيس لا ينبغي أن يُقابل بالخوف. هذه العبارة تحمل مضمونًا سياسيًا لافتًا: فالرجل يحاول نقل النقاش من منطق القلق من الفراغ إلى منطق الثقة في المؤسسات.

هذا الخطاب ليس منفصلًا عن مواقفه السابقة. ففي مايو 2026 أعلن زهران أنه لن يترشح مجددًا لرئاسة حزبه، مبررًا ذلك بأهمية تداول السلطة داخل المؤسسات الحزبية نفسها. كما سبق له أن وصف الحياة السياسية في مصر بأنها موجودة «لكن بعافية»، في تعبير يلخص رؤيته لمحدودية الحيوية الحزبية وضرورة ضخ دماء جديدة في المجال العام.

ومن زاوية تحليلية، تبدو تصريحات زهران محاولة للجمع بين أمرين: الاعتراف بأن قرار عدم المساس بالدستور يمثل من حيث المبدأ خطوة تحصّن القاعدة القانونية، وفي الوقت نفسه الإشارة إلى أن احترام الدستور وحده لا يكفي إذا لم تصاحبه بيئة سياسية تسمح بظهور مرشحين مؤهلين، وأحزاب فاعلة، ونقاش علني حول برامج الحكم لا فقط حول الأشخاص.

ما الذي يعنيه ذلك بالنسبة لانتقال السلطة في مصر؟

دستوريًا، الصورة واضحة أكثر مما كانت عليه في أوقات سابقة. النسخة المنشورة من الدستور على المواقع الرسمية المصرية تنص على أن انتخاب الرئيس يتم وفق مواعيد وإجراءات محددة، كما تنظم المواد ذات الصلة حالات خلو المنصب وآليات الانتقال المؤقت للسلطة، بما يمنع الفراغ الدستوري.

سياسيًا، الصورة أكثر تعقيدًا. فالسؤال المطروح الآن ليس قانونيًا خالصًا، بل يتعلق بمدى استعداد النظام الحزبي المصري للتعامل مع استحقاق رئاسي مستقبلي تُطرح فيه مسألة الخلافة السياسية بشكل طبيعي. هل لدى الأحزاب كوادر جاهزة؟ هل توجد مساحات كافية للتنافس البرامجي؟ وهل يمكن للرأي العام أن يرى انتقال السلطة كأمر اعتيادي في دولة المؤسسات، لا كحدث استثنائي؟

هذا ما يجعل تصريحات زهران مهمة داخل قسم تحليلات ورأي: فهي لا تضيف معلومة خبرية فقط، بل تكشف عن لحظة مراجعة أوسع لفكرة السياسة نفسها في مصر. فالجدل الحالي لا يدور حول اسم بعينه بقدر ما يدور حول قواعد اللعبة السياسية المقبلة.

خلفية حزبية تزيد المشهد تعقيدًا

لا يمكن فصل مواقف زهران عن وضع حزبه الداخلي. فالحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي يشهد بدوره ترتيبات وانتخابات داخلية مقرر حسمها في 6 نوفمبر 2026، بعد إعلان القائمة النهائية للمرشحين في 30 أكتوبر. كما شهدت الأسابيع الأخيرة خلافات داخلية وتصريحات متبادلة بشأن المنافسة على قيادة الحزب، وهو ما يضفي بعدًا إضافيًا على حديث رئيسه عن تداول السلطة والتنافس المنظم.

ورغم أن الخلاف الحزبي الداخلي يظل شأنًا تنظيميًا، فإنه يمنح تصريحات زهران بشأن الرئاسة وزنًا مضاعفًا. فالرجل يتحدث عن انتقال السلطة داخل حزبه، وفي الوقت نفسه يربط هذا المفهوم بمستقبل الدولة كلها. هذه المزاوجة تمنح خطابه اتساقًا سياسيًا، حتى لو اختلف معه كثيرون في الاستنتاجات.

قراءة أخيرة: هل نحن أمام بداية نقاش جديد؟

الأرجح أن الجدل لن يتوقف عند تصريحات 25 أكتوبر 2026. فكل المؤشرات تقول إن ملف شروط الترشح للرئاسة، وحدود ما يمكن تنظيمه بالقانون دون المساس بالدستور، سيظل حاضرًا في الأسابيع والشهور المقبلة. كما أن تمسك الرئيس بعدم تعديل الدستور أغلق بابًا، لكنه فتح أبوابًا أخرى للنقاش حول التأهيل السياسي، وبدائل القيادة، وقوة الأحزاب، ومدى نضج المجال العام.

في هذا السياق، تبدو مداخلة فريد زهران أقرب إلى اختبار للرأي العام السياسي في مصر: هل توجد قابلية فعلية لتقبل فكرة انتقال السلطة باعتبارها عملية مؤسسية طبيعية؟ أم أن الثقافة السياسية لا تزال أسيرة الشخصنة والرهان على الاستثناء؟

الإجابة لم تُحسم بعد. لكن المؤكد أن السجال الدائر اليوم يتجاوز خلافًا عابرًا حول شروط الرئاسة، ليصل إلى سؤال أكبر: كيف تبني مصر انتقالًا سياسيًا مطمئنًا داخل إطار دستوري ثابت ومجال عام أكثر حيوية؟