Akhbar Cairo

فريق مصري سوداني مشترك للزراعة.. خطوة فنية أم رهان استراتيجي؟

لماذا يكتسب الاتفاق المصري السوداني في الزراعة وزناً أكبر من عنوانه؟

في توقيت إقليمي شديد الحساسية على مستوى الغذاء وسلاسل الإمداد، جاء الاتفاق بين مصر والسودان على تشكيل فريق عمل مشترك في المجال الزراعي بوصفه أكثر من مجرد لقاء بروتوكولي بين مسؤولين. فالاجتماع الذي عُقد يوم الثلاثاء 28 يوليو 2026 جمع وزير الزراعة واستصلاح الأراضي المصري علاء الدين فاروق، ووزير الزراعة والري السوداني البروفيسور عصمت قرشي عبد الله محمد، إلى جانب مدير عام المنظمة العربية للتنمية الزراعية البروفيسور إبراهيم آدم أحمد الدخيري، وانتهى إلى اتفاق على متابعة محاور تعاون محددة عبر آليات تنفيذية ملموسة، وليس فقط تبادل عبارات الدعم المعتادة.

من منظور مصري، تبدو الخطوة منطقية للغاية. مصر تنظر منذ سنوات إلى ملف الأمن الغذائي باعتباره جزءاً من الأمن القومي، بينما يظل السودان، رغم أزماته الراهنة، أحد أهم البلدان العربية من حيث الموارد الزراعية والأراضي القابلة للإنتاج. لهذا فإن أي تقارب زراعي منظم بين القاهرة والخرطوم لا ينبغي قراءته باعتباره ملفاً فنياً محدوداً، بل باعتباره محاولة لإعادة بناء مسار تكاملي عربي طال انتظاره.

ما الذي تم الاتفاق عليه تحديداً؟

بحسب ما أعلنته المصادر المصرية، تناولت المباحثات ملفات عملية تشمل البحوث العلمية الزراعية، وبرامج التحسين الوراثي للسلالات الحيوانية لرفع الإنتاجية، وتوسيع الدعم الفني، وإتاحة التكنولوجيا الحديثة للمزارعين، إلى جانب تدريب الكوادر البشرية والفنية السودانية عبر المركز المصري الدولي للزراعة، وكذلك دفع التعاون في التصنيع الزراعي الغذائي بما يزيد القيمة المضافة للمنتجات ويساعد على تقليص الفجوة الغذائية. كما انتهى اللقاء إلى تشكيل فريق عمل مشترك لمتابعة التنفيذ ووضع آليات عملية تخدم المصالح المشتركة وتدعم منظومة الأمن الغذائي العربي.

أهمية هذه البنود أنها تتعامل مع الزراعة بوصفها سلسلة متكاملة: من التقاوي والبحث العلمي، إلى الإنتاج الحيواني، ثم التدريب، ثم التصنيع، وأخيراً التسويق والقيمة المضافة. وهذه نقطة تستحق التوقف؛ لأن كثيراً من اتفاقات التعاون العربي كانت تتعثر تاريخياً عند مستوى النوايا، بينما تبدأ الفاعلية الحقيقية حين تتحول الاتفاقات إلى جداول زمنية، ومؤشرات أداء، وموازنات، وأطراف مسؤولة عن التنفيذ والمراجعة.

السودان ليس شريكاً عادياً في هذا الملف

السودان يدخل أي معادلة زراعية عربية بثقل موضوعي. فهو بلد يملك مساحات واسعة وإمكانات كبيرة، لكنه يواجه في الوقت نفسه ضغوطاً قاسية بسبب الحرب وتعطل سلاسل الإنتاج والخدمات. وتُظهر بيانات حديثة لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة أن نحو 19.5 مليون شخص في السودان يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي في 2026، مع استمرار مخاطر المجاعة في بعض المناطق، في وقت نزح فيه قرابة 9 ملايين شخص داخل البلاد حتى نهاية مارس 2026. كما أشارت المنظمة إلى أن إنتاج الحبوب في السودان خلال 2025 انخفض بنسبة 22%، وهو ما يوضح لماذا لم يعد دعم الزراعة هناك رفاهية تنموية، بل ضرورة إنسانية واقتصادية وأمنية.

من هنا، فإن أي تعاون مصري سوداني جاد في الزراعة يمكن أن يُقرأ على مستويين: الأول مساعدة السودان على استعادة بعض قدرته الإنتاجية، والثاني بناء شراكة إقليمية أوسع تخفف هشاشة السوق العربية أمام الصدمات العالمية. وهذا بالضبط ما يمنح الاتفاق الحالي معنىً يتجاوز الخبر اليومي.

القاهرة ماذا تريد عملياً من هذا المسار؟

السياسة الزراعية المصرية في السنوات الأخيرة اتجهت بوضوح إلى رفع كفاءة الإنتاج، والتوسع في الخدمات الزراعية، وتحسين إدارة المدخلات، وربط الزراعة بالتصنيع والتصدير. والسيرة الرسمية لوزير الزراعة علاء الدين فاروق تُظهر خلفية تنفيذية ومصرفية، بعد توليه رئاسة البنك الزراعي المصري قبل انتقاله إلى الوزارة، وهو ما يعكس ميلاً لإدارة الملف بعين تمويلية وتشغيلية لا تقتصر على الجانب الإداري التقليدي.

وفي هذا السياق، فإن مصر لا تتحرك فقط بدافع التضامن السياسي مع السودان، بل أيضاً بدافع المصلحة المباشرة. فتعزيز التعاون في إنتاج التقاوي، والإرشاد الزراعي، والثروة الحيوانية، والتصنيع الغذائي، قد يفتح مساحات جديدة أمام الشركات والخبرات والبرامج التدريبية المصرية. كما أن نجاح مثل هذا المسار يمنح القاهرة رصيداً إضافياً في ملف الأمن الغذائي العربي، وهو ملف يتصدر النقاشات الإقليمية منذ سنوات مع اضطراب التجارة الدولية وارتفاع كلفة الاستيراد في أوقات الأزمات.

دور المنظمة العربية للتنمية الزراعية.. لماذا هو مهم؟

وجود البروفيسور إبراهيم آدم أحمد الدخيري، مدير عام المنظمة العربية للتنمية الزراعية، ليس تفصيلاً شكلياً. فالمنظمة، التي تتخذ من القاهرة مقراً مؤقتاً في عدد من أنشطتها وملفاتها خلال المرحلة الحالية، تعمل على دعم التكامل الزراعي العربي وبرامج التعافي وبناء القدرات، ولها حضور مباشر في مسارات دعم القطاع الزراعي السوداني. وكانت المنظمة قد شاركت خلال 2025 في جهود إعادة تأهيل القطاع الزراعي في السودان، كما يبرز اسم الدخيري بانتظام في برامج تنسيق عربية مرتبطة بالغذاء والتنمية الزراعية.

هذا الحضور المؤسسي مهم لأن العلاقات الثنائية غالباً ما تحتاج إلى مظلة فنية إقليمية تساعد على المتابعة، وتسهّل الوصول إلى خبرات وتمويلات وشبكات تعاون أوسع. وإذا أحسن الأطراف استثمار دور المنظمة، فقد يتحول فريق العمل المشترك من لجنة متابعة إلى منصة لإطلاق مشروعات محددة قابلة للقياس.

أين تكمن فرص النجاح، وأين تكمن المخاطر؟

فرص النجاح

  • تطابق الحاجة مع الخبرة: السودان يحتاج دعماً سريعاً في استعادة القدرات الزراعية، ومصر تمتلك خبرات مؤسسية في الإرشاد والتدريب والخدمات الزراعية والبحوث.
  • التركيز على التنفيذ: الاتفاق لم يتوقف عند العناوين العامة، بل تحدث عن فريق عمل وآليات تنفيذية، وهي نقطة إيجابية إذا جرى الالتزام بها فعلاً.
  • الإطار العربي الأوسع: وجود المنظمة العربية للتنمية الزراعية يفتح الباب أمام تحويل التعاون الثنائي إلى نموذج عربي أشمل.

مخاطر التعثر

  • الظرف السوداني المعقد: استمرار الحرب والتهجير يضغطان بقوة على أي برامج إنتاج أو تدريب أو استثمار.
  • الفجوة بين القرار والتنفيذ: كثير من مبادرات التعاون الإقليمي تتباطأ عند مرحلة التمويل أو المتابعة أو التنسيق بين الجهات.
  • أولوية الإغاثة على التنمية: حين تكون الحاجة الإنسانية ضاغطة جداً، يصبح من الصعب تحقيق توازن سريع بين الإنقاذ العاجل وبناء المشاريع المستدامة.

كيف يجب أن يُقاس هذا الاتفاق بعد أسابيع لا سنوات؟

في تقديري، نجاح هذا التطور لن يُقاس بعدد الاجتماعات، بل بعدد الخطوات التي يمكن رصدها سريعاً على الأرض. من بينها مثلاً:

  • إعلان خطة زمنية لاجتماعات فريق العمل المشترك.
  • تحديد ملفات ذات أولوية مثل التقاوي، التدريب، الإرشاد، أو الدعم الفني للمشروعات الحيوانية.
  • الإفصاح عن برامج تدريب محددة للكوادر السودانية في مصر.
  • إطلاق مشروعات تجريبية صغيرة قابلة للتوسع بدلاً من البدء بعناوين ضخمة يصعب تنفيذها.
  • نشر نتائج دورية توضح ما تحقق وما تعثر وأسباب ذلك.

الرهان الحقيقي هنا ليس على قيمة الإعلان السياسي، بل على قدرة القاهرة والخرطوم على تحويل هذا الإعلان إلى نموذج تعاون قابل للحياة. وإذا حدث ذلك، فسيكون الاتفاق الزراعي الحالي أكثر من مجرد خبر عابر: قد يصبح اختباراً عملياً لفكرة أن الأمن الغذائي العربي لا يُبنى بالخطب، بل بالشراكات الفنية، والبيانات، والتمويل، والتدريب، والمتابعة الصارمة.

خلاصة الرأي

تشكيل فريق عمل مصري سوداني لدعم التعاون الزراعي يبدو خطوة صحيحة في الاتجاه الصحيح، خصوصاً في لحظة يعاني فيها السودان أزمة غذاء وإنتاج غير مسبوقة، وتبحث فيها مصر عن توسيع دوائر الفعل الإقليمي في ملف الأمن الغذائي. لكن التفاؤل المهني يجب أن يبقى مشروطاً: لا قيمة لأي فريق عمل بلا جدول واضح، ولا أثر لأي تفاهم بلا ترجمة ميدانية. بالنسبة للقارئ المصري، فالمسألة ليست خارجية فقط؛ إنها تتصل مباشرة بمستقبل الاستقرار الغذائي في الإقليم، وبقدرة مصر على لعب دور عملي لا رمزي في واحد من أهم ملفات السنوات المقبلة.