فصائل عراقية تربط حصر السلاح بانسحاب أمريكي كامل
شروط الفصائل تعيد ملف السلاح إلى الواجهة في العراق
عاد ملف حصر السلاح بيد الدولة في العراق إلى صدارة النقاش السياسي والأمني، بعد موقف جديد من فصائل ضمن ما يُعرف بـالمقاومة الإسلامية في العراق ربط أي تفاهم مع الحكومة بشأن تنظيم هذا الملف بتحقق شرط أساسي يتمثل في الخروج الكامل والحقيقي للقوات الأمريكية من الأراضي والأجواء العراقية وعدم عودتها، إلى جانب ما تصفه تلك الفصائل بـتحرير القرار السياسي والاقتصادي العراقي. ويأتي هذا الموقف في لحظة حساسة، مع استمرار بغداد في الدفع نحو تثبيت احتكار الدولة للسلاح، بالتوازي مع ترتيبات إنهاء مهمة التحالف الدولي داخل العراق.
وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذا التطور لا تتوقف عند الشأن العراقي الداخلي فقط، بل تمتد إلى توازنات الإقليم ككل، في ظل ارتباط استقرار العراق بملفات الطاقة، وحركة التجارة، وأمن الممرات الإقليمية، فضلاً عن تأثير أي تصعيد أمني هناك على المشهد العربي الأوسع.
الحكومة العراقية: حصر السلاح قرار سيادي لا تراجع عنه
في المقابل، تؤكد الحكومة العراقية أن حصر السلاح بيد الدولة ليس بنداً تفاوضياً بقدر ما هو خيار سيادي ودستوري. ووفق ما نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع) في أكثر من مناسبة خلال 2026، شددت بغداد على أن هذا الملف يتقدم أولوياتها، وأنه جزء من مشروع ترسيخ دولة القانون والمؤسسات. كما أوصى المجلس الوزاري للأمن الوطني في اجتماع برئاسة رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني باتخاذ إجراءات حازمة بحق الجهات الخارجة عن القانون، مع التأكيد على منع استخدام الأراضي العراقية في الصراعات الإقليمية.
وبعد تشكيل الحكومة الجديدة، تسلم علي فالح الزيدي مهامه رسمياً رئيساً لمجلس الوزراء في 16 مايو 2026، بحسب وكالة الأنباء العراقية، وكرر لاحقاً أن حكومته ماضية في تنفيذ مشروع احتكار الدولة للسلاح، باعتباره جزءاً من بناء مؤسسات مستقرة قادرة على فرض القانون وحماية القرار الوطني.
ما الذي تغيّر في 2026؟
الجديد هذا العام أن النقاش لم يعد نظرياً فقط، بل بات مرتبطاً بجدول زمني واضح لوجود التحالف الدولي. فقد أفادت أسوشيتد برس في 12 أغسطس 2026 أن القوات الأمريكية تسير وفق خطة لاستكمال الانسحاب من العراق بحلول 30 سبتمبر 2026. ونقلت الوكالة عن رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي تأكيده أن هذا التاريخ هو الموعد الثابت والنهائي لإنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي ضد تنظيم داعش داخل العراق.
هذا التطور يفسر جانباً من تصاعد الجدل الحالي؛ إذ إن بعض الفصائل المسلحة بررت استمرار سلاحها لسنوات بوجود القوات الأمريكية، بينما ترى الحكومة أن انتهاء تلك المهمة يفتح الباب عملياً لإعادة ترتيب المشهد الأمني الداخلي بصورة مختلفة، يكون فيها السلاح محصوراً بالمؤسسات الرسمية فقط.
بين خطاب السيادة ومخاوف الفراغ الأمني
اللافت أن خطاب الفصائل يركز على السيادة العراقية، سواء من زاوية الوجود العسكري الأمريكي أو من زاوية النفوذ السياسي والاقتصادي الخارجي. وفي بيانات ومواقف متداولة خلال 2026، تحدثت تلك الجهات عن استمرار تدخل واشنطن في الشأن العراقي، واعتبرت أن الانسحاب غير المكتمل من البر والجو يبقي مبررات بقاء سلاحها قائمة.
لكن في المقابل، يطرح هذا الموقف أسئلة داخل العراق بشأن مستقبل الترتيبات الأمنية بعد الانسحاب، خصوصاً أن البلاد لا تزال تواجه تحديات مرتبطة بخلايا تنظيم داعش، وضبط الحدود، ومنع تحول الساحة العراقية إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية. ولهذا تحاول بغداد، وفق تصريحات رسمية عراقية، الانتقال من العلاقة العسكرية التقليدية مع واشنطن إلى آلية تعاون أمني جديدة وشراكة أوسع في مجالات الاقتصاد والاستثمار والتكنولوجيا.
زيارة واشنطن والرسائل المتبادلة
زيارة رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى واشنطن في يوليو 2026 جاءت في هذا السياق، حيث وصفتها دوائر رسمية عراقية بأنها محطة لإعادة تعريف العلاقة بين البلدين على أساس المصالح المتبادلة واحترام السيادة. وبحسب تصريحات عراقية رسمية، فإن الحكومة تريد في المرحلة المقبلة تقليص البعد العسكري لصالح شراكة اقتصادية وتنموية أوسع.
ومن هنا، يبدو أن ملف حصر السلاح في العراق لم يعد منفصلاً عن ملف الاستثمار والاقتصاد. فالحكومة العراقية تربط بين الاستقرار الداخلي وجذب الشركات الكبرى وتطوير البنية التحتية والطاقة والاقتصاد الرقمي، بينما ترى أطراف مسلحة أن أي تنظيم جدي للسلاح يجب أن يسبقه حسم نهائي لملف الوجود الأمريكي.
لماذا يهم هذا الملف المتابع المصري؟
رغم أن القضية عراقية في الأساس، فإن تداعياتها عربية بامتياز. فاستقرار العراق عنصر مهم في معادلة الإقليم، سواء من حيث أسواق الطاقة أو حركة النقل والتجارة أو توازنات الأمن في المشرق العربي. كما أن أي توتر داخلي في بغداد قد ينعكس على ملفات إقليمية أوسع تتابعها القاهرة عن قرب، من بينها أمن البحر الأحمر، وسلاسل الإمداد، وتوازنات العلاقات العربية مع الولايات المتحدة وإيران.
ومن منظور مصري، تظل النقطة الأهم هي أن الدولة الوطنية تبقى الأكثر قدرة على إدارة السلاح والقرار الأمني والسياسي، وهي الفكرة التي تجعل النقاش العراقي الحالي محط اهتمام عربي يتجاوز حدوده الجغرافية.
السيناريوهات المحتملة بعد 30 سبتمبر
- السيناريو الأول: التزام فعلي بإكمال الانسحاب الأمريكي في الموعد المعلن، بما يضع الفصائل المسلحة أمام اختبار سياسي وأمني جديد بشأن مبررات الاحتفاظ بالسلاح.
- السيناريو الثاني: انتقال الملف إلى تسوية داخلية تدريجية، تتضمن ترتيبات قانونية ومؤسساتية لدمج أو ضبط بعض التشكيلات تحت سلطة الدولة.
- السيناريو الثالث: استمرار الخلاف إذا اعتبرت الفصائل أن الانسحاب لم يكن كاملاً أو أن النفوذ الأمريكي بقي قائماً بصيغ أخرى، سواء أمنية أو سياسية أو اقتصادية.
وفي كل الأحوال، يبدو أن الأشهر المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان العراق سيتجه نحو إغلاق واحد من أعقد ملفاته الداخلية، أم أن الجدل حول السلاح والسيادة سيبقى مفتوحاً حتى بعد انتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي.
حتى الآن، المؤكد أن الرسالتين القائمتين في بغداد واضحتان: الفصائل تشترط الانسحاب الكامل قبل أي تنظيم لملف السلاح، بينما الحكومة تصر على أن احتكار الدولة للسلاح قرار سيادي لا رجعة فيه. وبين هذين الموقفين، يتحرك العراق نحو استحقاق سياسي وأمني بالغ الحساسية، ستكون نتائجه مؤثرة ليس فقط داخلياً، بل على المشهد الإقليمي كله.