Akhbar Cairo

فلسطين الواحدة بين احتلال غزة والضفة ومأزق التقسيم

فلسطين واحدة رغم تعدد وجوه الاحتلال

حين يُقال إن هناك «احتلالين» في فلسطين، فالمقصود ليس وجود قضيتين منفصلتين، بل تعدد الأدوات التي تُدار بها السيطرة على أرض واحدة وشعب واحد. فالمشهد الفلسطيني اليوم يكشف تباينًا واضحًا بين ما يجري في قطاع غزة من حرب وحصار ودمار واسع، وما تتعرض له الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية من توسع استيطاني ومصادرة أراضٍ وعنف متصاعد. لكن هذا التباين لا يغيّر الحقيقة الأساسية: فلسطين، سياسيًا وقانونيًا وجغرافيًا، تظل وحدة واحدة.

هذه الحقيقة لم تعد مجرد شعار سياسي، بل دعمتها بوضوح مؤسسات دولية ومواقف رسمية عربية، بينها الموقف المصري الذي عاد في الأيام الأخيرة للتشديد على ضرورة الحفاظ على الوحدة الإقليمية للأراضي الفلسطينية، ورفض التعامل مع غزة والضفة باعتبارهما ملفين منفصلين.

من غزة إلى الضفة: أدوات مختلفة للسيطرة

في غزة، تتركز الصورة حول حرب مدمرة وأزمة إنسانية ممتدة. الأمم المتحدة ومؤسساتها الإغاثية تواصل التحذير من تدهور الأوضاع المعيشية والصحية، مع استمرار الضربات ونقص الإمدادات الأساسية وتركّز السكان في مساحات ضيقة من القطاع. وفي المقابل، تشهد الضفة الغربية نمطًا مختلفًا من الضغط، يقوم على الاستيطان، وتوسيع السيطرة على الأرض، وارتفاع وتيرة عنف المستوطنين، بما يعمّق تفكيك الجغرافيا الفلسطينية على الأرض.

هذا الاختلاف بين غزة والضفة قد يوحي للبعض بأن الاحتلال يعمل في مسارين منفصلين، لكن القراءة الأوسع تقول إن الهدف النهائي واحد: إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني بما يضعف فرص قيام دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة. ولهذا تحديدًا يكتسب التعبير القائل إن هناك «احتلالين» معناه الحقيقي؛ فهو يصف تعدد الأساليب لا تعدد القضية.

القانون الدولي: الأرض المحتلة وحدة إقليمية واحدة

في 19 يوليو 2024، أصدرت محكمة العدل الدولية رأيًا استشاريًا بالغ الأهمية بشأن الآثار القانونية لسياسات وممارسات إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية. ومن أبرز ما أكده ملخص المحكمة أن الإشارة إلى الأرض الفلسطينية المحتلة تعني وحدة إقليمية واحدة، وأن استمرار الاحتلال وما يرتبط به من استيطان وضم وإجراءات تمييزية يخضع لتقييم قانوني شامل لا يفصل غزة عن الضفة أو القدس الشرقية.

هذه النقطة شديدة الأهمية في أي نقاش سياسي أو إعلامي، لأنها تقاوم السرديات التي تحاول تصوير قطاع غزة ككيان منفصل بذاته، أو الضفة الغربية باعتبارها ملفًا مختلفًا يمكن التعامل معه بمعزل عن باقي الأرض الفلسطينية. ومن منظور القانون الدولي، فإن تجزئة القضية لا تلغي وحدة الأرض ولا حقوق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

الموقف المصري: لا فصل بين القطاع والضفة

بالنسبة إلى القاهرة، تبدو هذه المسألة مركزية. فقد أكدت وزارة الخارجية المصرية في أكثر من بيان حديث أن الحفاظ على الوحدة الإقليمية للأراضي الفلسطينية أولوية سياسية، وأن تمكين السلطة الفلسطينية من الاضطلاع بمسؤولياتها في غزة والضفة جزء من أي مسار جاد نحو التسوية. وفي 23 أغسطس 2026، تناول اتصال بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي وقيادات فلسطينية هذا المعنى بوضوح، مع التشديد على عدم فصل غزة عن الضفة الغربية.

كما شاركت مصر في بيان مشترك صدر في 6 أغسطس 2026 مع عدد من الدول العربية والإسلامية، أدان الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة في غزة، وفي بيان آخر صدر في عمّان يوم 5 أغسطس 2026 بشأن القدس وأماكنها المقدسة. ويعكس ذلك أن القاهرة تتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها ملفًا واحدًا يمتد من غزة إلى القدس مرورًا بالضفة الغربية، لا مجرد أزمة إنسانية منفصلة داخل القطاع.

لماذا يهم هذا لمصر والقارة الأفريقية؟

وضع هذا الملف داخل قسم «أفريقيا» ليس تفصيلًا شكليًا. فالقضية الفلسطينية ترتبط مباشرة بنقاشات أوسع في القارة حول الاستعمار الاستيطاني، وحقوق الشعوب في تقرير المصير، وحدود القانون الدولي حين يتعلق الأمر بالأراضي المحتلة. في الوعي السياسي الأفريقي، هناك حساسية تاريخية عالية تجاه نماذج السيطرة التي تقوم على تفتيت الأرض والسكان ثم فرض وقائع دائمة بالقوة.

ومن هذه الزاوية، تبدو فلسطين مثالًا حيًا على معضلة تعرفها القارة جيدًا: كيف يمكن لقوة احتلال أن توظف الحصار في مكان، والاستيطان في مكان آخر، والتقييد القانوني والإداري في ثالث، ثم تُقدَّم النتيجة للعالم باعتبارها «وقائع جديدة»؟ السؤال هنا لا يخص الفلسطينيين وحدهم، بل يخص أيضًا مستقبل النظام الدولي نفسه، وحدود قدرته على حماية المبادئ التي قامت عليها حركات التحرر في أفريقيا وآسيا.

الاستيطان وتفتيت الضفة.. الوجه الأقل ظهورًا

إذا كانت صور الدمار في غزة تحتل العناوين، فإن ما يحدث في الضفة الغربية لا يقل خطورة على المدى البعيد. تقارير وتحليلات حديثة من صحف ومؤسسات مصرية رسمية وإقليمية تشير إلى أن المشاريع الاستيطانية، خاصة في المناطق الحساسة حول القدس وممرات الربط بين شمال الضفة وجنوبها، تجعل التواصل الجغرافي الفلسطيني أكثر صعوبة. وهذا يعني أن فكرة الدولة الفلسطينية لا تتعرض فقط لضغط الحرب، بل أيضًا لإعادة هندسة جغرافية مستمرة على الأرض.

ومع تصاعد اعتداءات المستوطنين خلال 2026، باتت الضفة الغربية ساحة يومية لتآكل المساحة الفلسطينية المتاحة للحياة والسيادة. وهذا ما يفسر عودة النقاش عربيًا ودوليًا حول ما إذا كانت السياسات الإسرائيلية الراهنة لا تكتفي بإضعاف حل الدولتين، بل تدفع نحو واقع دائم من السيطرة غير المتساوية.

غزة ليست بديلًا.. والضفة ليست هامشًا

واحدة من أخطر الأفكار التي تتكرر في أوقات الأزمات هي التعامل مع غزة باعتبارها كيانًا مستقلًا يمكن عزله سياسيًا أو إداريًا، أو مع الضفة باعتبارها ملفًا تفاوضيًا مؤجلًا. غير أن المعطيات القانونية والرسمية والإنسانية تقول العكس تمامًا. فغزة ليست بديلًا عن فلسطين، والضفة ليست هامشًا يمكن تجاوزه، والقدس ليست تفصيلًا قابلًا للتجميد.

لهذا فإن العبارة الأدق ربما ليست «احتلالان» بقدر ما هي احتلال واحد بوسائل متعددة. في غزة، تظهر القوة العسكرية المباشرة والحصار. وفي الضفة، تظهر سياسة فرض الوقائع عبر الاستيطان والعنف الممنهج وتقطيع أوصال الأرض. أما النتيجة فهي واحدة: الضغط على الوجود الفلسطيني نفسه، وعلى إمكان تحوله إلى كيان سياسي كامل السيادة.

الخلاصة: فلسطين لا تُختزل في جبهة واحدة

بالنسبة إلى القارئ المصري، فإن فهم ما يجري في فلسطين اليوم يتطلب تجاوز الصور المجتزأة. غزة هي عنوان الكارثة الإنسانية الأكثر إلحاحًا، لكن الضفة الغربية والقدس الشرقية تمثلان في الوقت نفسه ساحة حاسمة لإعادة رسم الخريطة السياسية على الأرض. وبينهما تبقى فلسطين واحدة، في التاريخ والقانون والهوية الوطنية.

هذا هو جوهر الرسالة التي تؤكدها القاهرة في مواقفها الرسمية، ويكرسها أيضًا القانون الدولي: لا تسوية حقيقية من دون وحدة الأرض الفلسطينية، ولا معنى لأي مقاربة تفصل بين غزة والضفة أو تتجاهل القدس. فمهما تعددت أدوات السيطرة، تبقى القضية واحدة، وتبقى فلسطين واحدة.

  • تاريخ محوري: 19 يوليو 2024، صدور الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بشأن الأرض الفلسطينية المحتلة.
  • موقف مصري حديث: 23 أغسطس 2026، تأكيد مصري فلسطيني على الحفاظ على الوحدة الإقليمية لغزة والضفة الغربية.
  • تحرك دبلوماسي عربي: 5 و6 أغسطس 2026، بيانات مشتركة حول القدس والانتهاكات الإسرائيلية في غزة.