فيدان: تعثر خطة غزة يضع الوساطة عند نقطة حرجة
فيدان يربط تعثر مسار غزة بالموقف الإسرائيلي
عاد ملف غزة إلى واجهة التحركات الدبلوماسية الإقليمية والدولية، بعدما قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لا يُظهر اهتماماً كافياً بالمضي في الخطة المطروحة لتهدئة الأوضاع، معتبراً أن التطورات وصلت إلى مرحلة حرجة تتطلب جهداً أكبر من الوسطاء. وجاءت تصريحات فيدان خلال مؤتمر صحفي مشترك مع وزير الخارجية المصري الدكتور بدر عبد العاطي في أنقرة، في سياق حديث أوسع عن جهود تثبيت وقف إطلاق النار، وضمان تدفق المساعدات، وتهيئة الأرضية السياسية والإدارية لليوم التالي في القطاع.
وبالنسبة للقارئ المصري، فإن هذه التصريحات تعيد التأكيد على مركزية الدور المصري في ملف غزة، ليس فقط باعتبار مصر طرفاً سياسياً فاعلاً، بل أيضاً لكونها بوابة المساعدات الأساسية إلى القطاع عبر رفح والعريش، إلى جانب دور الهلال الأحمر المصري في دعم الإغاثة الإنسانية. الوزير التركي شدد صراحة على أن التعاون بين القاهرة وأنقرة كان وثيقاً منذ بداية الأزمة، خاصة في ملفي الإغاثة الإنسانية والجهود السياسية الهادفة إلى وقف الحرب.
ماذا قال فيدان عن دور مصر وتركيا وقطر والولايات المتحدة؟
فيدان أوضح أن تركيا ومصر عملتا، بالتنسيق مع أطراف إقليمية ودولية أخرى، على أكثر من مسار بالتوازي: إدخال المساعدات، وقف العمليات العسكرية، وبحث ترتيبات الإدارة والاستقرار داخل غزة بعد تثبيت التهدئة. كما أشار إلى أن الدفع الأمريكي، وخصوصاً من جانب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وفق الصيغة التي تحدث عنها الوزير التركي، كان عاملاً مهماً في تحريك المسار التفاوضي، لكنه لم يُخفِ وجود عراقيل عملية وسياسية على الجانب الإسرائيلي.
وفي موازاة ذلك، تظهر المصادر الرسمية المصرية أن القاهرة واصلت خلال 2026 اتصالات مكثفة مع الشركاء المعنيين، وبينهم قطر وتركيا، للتوصل إلى ترتيبات تؤدي إلى انسحاب إسرائيلي من القطاع وفق الخطة المطروحة، مع الإبقاء على الزخم السياسي اللازم لمنع انهيار المسار. كما تؤكد وزارة الخارجية المصرية في أكثر من مناسبة أن الجهد المصري لا ينفصل عن هدفين ثابتين: وقف التصعيد، ومنع تدهور الوضع الإنساني.
لماذا تبدو المرحلة الحالية «حرجة»؟
وصف فيدان اللحظة الراهنة بالحساسة يعكس فجوة واضحة بين ما يطرحه الوسطاء وما تقبله الحكومة الإسرائيلية. فبحسب ما نقلته وكالة أسوشيتد برس هذا الأسبوع، رفض نتنياهو أحدث نسخة من خطة ترامب الخاصة بغزة، معلناً أن إسرائيل لن تنسحب من المناطق التي تسيطر عليها داخل القطاع قبل نزع سلاح حماس بالكامل. وتوضح الوكالة أن هذا الشرط يعطل عناصر أخرى في الخطة، منها الانسحاب التدريجي، ونشر ترتيبات دولية للاستقرار، وبدء إعادة الإعمار على نطاق واسع.
وتزداد حساسية الموقف لأن الخطة الأخيرة، وفق التقارير نفسها، بُنيت على تفاهمات أوسع تهدف إلى تثبيت وقف إطلاق النار وفتح الباب أمام إدارة انتقالية تكنوقراطية في غزة، بما يسمح بإعادة الخدمات وإطلاق مسار إعادة البناء. إلا أن الخلاف على ترتيب الأولويات—هل يبدأ الانسحاب أولاً أم نزع السلاح أولاً—يبقى العقدة الأكثر تأثيراً في مستقبل التفاهمات.
القاهرة في قلب المشهد: معبر رفح والعريش والمساعدات
من الزاوية المصرية، لا يقتصر الملف على التفاوض السياسي فقط. فأنقرة نفسها أقرت بأن معبر رفح وميناء العريش والهلال الأحمر المصري عناصر رئيسية في توصيل المساعدات إلى الفلسطينيين. وهذه الإشارة تحمل أهمية خاصة داخل التغطية المصرية، لأنها تؤكد أن القاهرة ما زالت تمثل الشريان اللوجستي الأكثر حضوراً في أي مقاربة عملية للتعامل مع الكارثة الإنسانية في غزة.
كما أن استضافة مصر لاجتماعات ولقاءات مرتبطة بترتيبات غزة لم تتوقف. وتشير تقارير حديثة إلى أن القاهرة تستضيف منذ أشهر اجتماعات تخص مجموعة فلسطينية تكنوقراطية يُفترض أن تتولى أدواراً إدارية في القطاع ضمن ترتيبات ما بعد التهدئة، وهو ما ينسجم مع الحديث التركي عن ضرورة تحديد الإطارين القانوني والسياسي للجهات التي ستتولى إدارة غزة في المرحلة المقبلة.
نقاط رئيسية في التحرك المصري-التركي
- تثبيت وقف إطلاق النار ومنع انهياره تحت ضغط الخلافات السياسية والميدانية.
- ضمان تدفق المساعدات عبر المسارات التي تلعب فيها مصر دوراً محورياً، خاصة رفح والعريش.
- الدفع نحو انسحاب إسرائيلي يسمح ببدء ترتيبات الاستقرار وإعادة الإعمار.
- بلورة إدارة فلسطينية للقطاع ضمن إطار قانوني وسياسي واضح، من دون فصل غزة عن الدولة الفلسطينية.
تحركات موازية: زيارات واجتماعات لكسر الجمود
المعطيات الأحدث تشير إلى أن الجهد الدبلوماسي لم يتوقف رغم التعثر. فقد أفادت أسوشيتد برس بأن جاريد كوشنر يعتزم التوجه إلى إسرائيل ثم إلى مصر برفقة مسؤولين من الجهة المشرفة على الهدنة لمناقشة تطورات غزة، في مؤشر إلى أن واشنطن لا تزال ترى فرصة لإنقاذ التفاهمات أو على الأقل منع انهيارها الكامل. وتفيد الوكالة أيضاً بأن هذه الزيارة تأتي بعد بروز معارضة إسرائيلية علنية للخطة، ما يعكس حجم التحدي الذي يواجه الوسطاء.
وفي الإطار الإقليمي الأوسع، حافظت القاهرة وأنقرة على وتيرة تشاور منتظمة خلال العام الجاري. وتوضح البيانات الرسمية المصرية والتركية أن ملف غزة كان حاضراً بقوة في لقاءات الوزيرين وفي المشاورات متعددة الأطراف، بما في ذلك الاجتماعات التي استضافتها القاهرة في يونيو 2026 لبحث قضايا الإقليم، وسط تأكيد متكرر على خفض التصعيد ودعم الاستقرار.
ما الذي يعنيه ذلك لمستقبل غزة؟
القراءة الأرجح في هذه المرحلة هي أن مسار الوساطة لم يسقط، لكنه بات يعمل تحت ضغط سياسي كبير. فتصريحات فيدان لا تعلن فشل الجهود، بل تكشف أن الوسطاء—وفي مقدمتهم مصر وتركيا وقطر والولايات المتحدة—ما زالوا يحاولون تثبيت الخطة رغم التعقيدات الإسرائيلية. وفي الوقت نفسه، يظل نجاح أي ترتيبات لاحقة مشروطاً بحسم ملفات شائكة تتعلق بالانسحاب، ونزع السلاح، وشكل الإدارة الفلسطينية، وضمانات الأمن، وآليات إعادة الإعمار.
بالنسبة لمصر، يبقى الرهان مزدوجاً: منع الانفجار الإنساني على حدودها الشرقية، والحفاظ على حضورها المركزي في صياغة أي تسوية تخص غزة ومستقبلها السياسي. ولهذا تبدو تصريحات أنقرة منسجمة مع الموقف المصري المعلن: لا بديل عن مواصلة الوساطة، ولا إمكانية لاستقرار حقيقي من دون وقف دائم للقتال، وانسحاب يفتح الطريق أمام الإغاثة والإعمار وإدارة فلسطينية تحافظ على وحدة الأرض الفلسطينية.