فيديو نتنياهو والذكاء الاصطناعي: سخرية سياسية تكشف أزمة أعمق
بين السخرية الرقمية والواقع الدبلوماسي
اختار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن يرد على موجة الانتقادات الدولية بفيديو مصنوع أو معالج بالذكاء الاصطناعي يسخر فيه من مواقف قادة العالم داخل الأمم المتحدة، في مقاربة دعائية تعيد تقديم الخصوم كأنهم يكررون خطابا واحدا: «لوموا إسرائيل». من حيث الشكل، يبدو الأمر جزءا من أسلوب سياسي اعتاده نتنياهو في مخاطبة جمهوره الداخلي والخارجي عبر الرسائل القصيرة والمباشرة. لكن من حيث التوقيت، فإن الفيديو يكشف شيئا أعمق من مجرد سخرية عابرة: إدراك متزايد داخل القيادة الإسرائيلية بأن معركة الصورة باتت لا تقل صعوبة عن المعركة العسكرية نفسها.
هذا التوقيت ليس منفصلا عن المناخ الذي يحيط باجتماعات الأمم المتحدة في سبتمبر 2026، حيث طغى ملف فلسطين مجددا على كلمات ومداولات الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة. الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش حذر في خطابه الافتتاحي يوم 22 سبتمبر 2026 من أن العنف والتهجير وتوسع الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة «يجرف طريق السلام» ويغذي شبح التطهير العرقي، بينما بقيت غزة حاضرة في قلب النقاش الدولي بوصفها بؤرة أزمة إنسانية وسياسية مفتوحة. كما اعتمدت الجمعية العامة في 17 سبتمبر 2026 قرارا يسمح لدولة فلسطين بالمشاركة افتراضيا في المناقشات رفيعة المستوى، بأغلبية 152 دولة مقابل معارضة 3 فقط، بينها إسرائيل والولايات المتحدة. هذه الأرقام تشرح، بحد ذاتها، لماذا تبدو السخرية الإسرائيلية أقرب إلى رد فعل دفاعي منها إلى هجوم سياسي واثق.
لماذا يهم هذا الفيديو أكثر مما يبدو؟
في الظاهر، يندرج الفيديو في إطار الحرب الإعلامية: تبسيط المشهد، تقزيم الانتقادات، وتقديم إسرائيل كضحية لتحيز دولي مزمن داخل الأمم المتحدة. نتنياهو نفسه بنى جزءا من خطابه السياسي منذ سنوات على فكرة أن المنظمة الدولية تكيل بمكيالين عندما يتعلق الأمر بإسرائيل. وقد كرر هذه الفكرة في خطابات سابقة من على منبر الجمعية العامة، معتبرا أن مؤسسات الأمم المتحدة تستهدف بلاده بشكل غير متناسب. لكن الفارق اليوم أن البيئة الدولية تغيّرت: الانتقاد لم يعد محصورا في خصوم إسرائيل التقليديين، بل اتسع ليشمل مؤسسات أممية مركزية، وتقارير حقوقية، ودولا غربية باتت تستخدم لغة أكثر حدة تجاه ما يجري في غزة والضفة الغربية.
من هنا، تصبح السخرية أداة سياسية ذات وظيفة مزدوجة. فهي من ناحية ترفع معنويات القاعدة المؤيدة لنتنياهو في الداخل الإسرائيلي، وتقول لها إن العالم لا يفهم إسرائيل أو يتعمد مهاجمتها. ومن ناحية أخرى، تحاول تحويل النقاش من جوهر الانتقادات إلى شكلها، أي من سؤال: ماذا تقول الأمم المتحدة عن غزة والضفة؟ إلى سؤال آخر أقل إزعاجا: لماذا يكرر الجميع الكلام نفسه ضد إسرائيل؟
أزمة السردية الإسرائيلية
المشكلة أن هذا التحويل لم يعد سهلا كما كان في مراحل سابقة. فخلال 2026، صدرت عن الأمم المتحدة ومكاتبها المختلفة سلسلة مواقف وتقارير تتحدث بلغة شديدة القسوة عن التهجير القسري، عنف المستوطنين، التوسع الاستيطاني، والانتهاكات اليومية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان تحدثت في فبراير 2026 عن مخاوف من تطهير عرقي في غزة والضفة الغربية، بينما أكد مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان لاحقا أن التهجير القسري في الضفة وصل إلى مستويات غير مسبوقة منذ عقود. وفي 30 يونيو 2026، قال غوتيريش إن الفلسطينيين في الضفة يواجهون عنف المستوطنين بلا هوادة، مع استمرار هدم المنازل ومصادرة الأراضي وتزايد التهديد بضم الضفة الغربية.
لهذا السبب، فإن تصوير المنتقدين على أنهم مجرد «ببغاوات» يرددون جملة واحدة لا يلغي الحقيقة الأهم: التوافق الدولي الواسع لا ينشأ عادة من فراغ، بل من تراكم مشاهد ووقائع وتقارير ومداولات رسمية. وبالنسبة للقارئ المصري، فإن هذه النقطة جوهرية؛ لأن القاهرة ظلت في قلب الجهود السياسية والإنسانية المرتبطة بوقف إطلاق النار، وإدخال المساعدات، والحفاظ على أفق حل الدولتين. وعندما يتسع نطاق الانتقاد داخل الأمم المتحدة، فإن ذلك ينعكس مباشرة على مساحة الحركة الدبلوماسية في الإقليم كله، وليس على صورة إسرائيل وحدها.
الذكاء الاصطناعي كأداة دعائية
اللافت أيضا أن اللجوء إلى الذكاء الاصطناعي هنا ليس تفصيلا تقنيا. فالأداة نفسها تعكس تحولا في أساليب الاتصال السياسي: سرعة إنتاج، قدرة على الانتشار، وكلفة أقل من الحملات التقليدية. لكن استخدام الذكاء الاصطناعي في المحتوى السياسي الساخر يحمل مخاطره كذلك، لأنه قد يضاعف الاستقطاب ويقوض النقاش الجاد حول الوقائع. بدل أن يناقش الرأي العام مضمون الانتقادات الموجهة لإسرائيل، يجد نفسه أمام مادة مصممة لتفريغ الاعتراضات من معناها عبر الكاريكاتير الرقمي.
وليس من قبيل المصادفة أن يتقاطع هذا مع أجندة الأمم المتحدة نفسها، التي جعلت الذكاء الاصطناعي أحد موضوعات النقاش خلال أسبوع الاجتماعات رفيعة المستوى هذا العام. ففي الوقت الذي تبحث فيه المنظمة أثر الذكاء الاصطناعي على التنمية والحكم العالمي، يظهر الاستخدام السياسي الفوري للتقنية كدليل على أن المعركة لم تعد فقط على الأرض أو في قاعات الدبلوماسية، بل أيضا على الشاشات والخوارزميات.
ما الذي يقوله ذلك عن موقع نتنياهو؟
نتنياهو، الذي لا يزال الشخصية الأكثر حضورا في المشهد السياسي الإسرائيلي الخارجي، يدرك أن صورته في الأمم المتحدة شديدة الحساسية. ظهوره السابق في الجمعية العامة خلال سبتمبر 2024 وسبتمبر 2025 كان محاطا أصلا بسجالات واسعة حول الحرب والرهائن وغزة والاعتراف بالدولة الفلسطينية. وفي سبتمبر 2026، ذكرت وكالة أسوشيتد برس أن رحلته إلى نيويورك لحضور اجتماعات الأمم المتحدة جرى التعامل معها كتحرك ضروري رغم الجدل المتزايد في المدينة نفسها حول الحرب على غزة. هذا يعني أن الرجل لا يتحدث من موقع راحة دبلوماسية، بل من موقع دفاع متواصل عن شرعية السياسات الإسرائيلية أمام جمهور دولي يزداد تشددا في انتقاداته.
ومن المهم هنا الإشارة إلى أن بنيامين نتنياهو يُقدَّم باستمرار في المواد الرسمية والإعلامية بصفته محور الرسالة الإسرائيلية وشخصيتها الأكثر قابلية للتصوير والاستدعاء الرمزي، وهو ما يفسر أن أي مادة بصرية من هذا النوع تتحول بسرعة إلى جزء من شخصنته للصراع السياسي. وقد استخدمت له صور رسمية منشورة من مكتب الصحافة الحكومي الإسرائيلي، من بينها بورتريه رسمي التُقط في 1 فبراير 2023.
هل تنجح السخرية في قلب المعادلة؟
على المدى القصير، ربما تنجح هذه الرسائل في شد انتباه الجمهور وتغذية سردية «العالم ضدنا» التي طالما أفادت نتنياهو سياسيا. لكن على المدى الأبعد، يصعب على فيديو ساخر أن يمحو أثر التصويتات الأممية، أو يقلل من وزن التقارير الحقوقية، أو يغير حقيقة أن ملف غزة والضفة الغربية بات بندا ثابتا في الانتقاد الدولي لإسرائيل.
في التحليل النهائي، لا تبدو «قمة الببغاوات» مجرد مزحة سياسية. إنها علامة على ضيق مساحة المناورة أمام حكومة إسرائيلية تواجه اتهامات متكررة في المحافل الدولية، وتجد نفسها مضطرة إلى خوض معركة موازية على الإدراك العام باستخدام أدوات العصر الرقمي. غير أن السخرية، مهما بلغت براعتها التقنية، لا تكفي وحدها لمحو أسئلة الحرب، ولا لتبديد آثار مشاهد الدمار والتهجير والاستيطان التي تعود في كل مرة لتفرض نفسها على النقاش العالمي. بالنسبة للمتابع في مصر، الرسالة الأهم ليست ما يقوله الفيديو، بل لماذا احتاج نتنياهو إلى نشره أصلا: لأن كلفة العزلة السياسية صارت أوضح من أن تُخفى خلف مادة ساخرة قصيرة.