في ذكرى حريق الأقصى.. تحذير فلسطيني من تغيير الوضع القائم
ذكرى الحريق تعيد ملف الأقصى إلى الواجهة
جدّد المجلس الوطني الفلسطيني تحذيره، في 21 أغسطس 2026، من التعامل مع حريق المسجد الأقصى الذي وقع عام 1969 باعتباره واقعة معزولة من الماضي، مؤكداً أن الجريمة مثلت، في القراءة الفلسطينية الرسمية، محطة مبكرة ضمن مسار يستهدف هوية المسجد والقدس الشرقية ومكانتهما الدينية والتاريخية. ويأتي هذا الموقف في توقيت شديد الحساسية، مع استمرار الجدل الإقليمي والدولي حول محاولات المساس بما يُعرف بـالوضع التاريخي والقانوني القائم في الحرم القدسي الشريف.
وبالنسبة للمتابع المصري، فإن القضية لا تُقرأ فقط بوصفها شأناً فلسطينياً داخلياً، بل باعتبارها جزءاً من ملف عربي أوسع يرتبط بالقدس، وبالمقدسات الإسلامية والمسيحية، وباتجاهات الصراع في المنطقة. ولهذا تحظى ذكرى حريق الأقصى كل عام بحضور سياسي يتجاوز البعد الرمزي، لأنها تستدعي سؤالاً مستمراً: هل كان ما جرى في أغسطس 1969 حادثاً انتهى، أم بداية لسلسلة من الضغوط والاعتداءات التي ما زالت تداعياتها قائمة حتى الآن؟
ماذا جرى في 21 أغسطس 1969؟
توضح المصادر الفلسطينية الرسمية أن الحريق اندلع صباح 21 أغسطس 1969 داخل المصلى القبلي في المسجد الأقصى، وأدى إلى أضرار جسيمة، كان من أبرزها احتراق منبر صلاح الدين التاريخي، إضافة إلى تلف واسع في أجزاء من السقف الخشبي ومرافق داخلية مهمة. وتشير روايات موثقة إلى أن النيران استمرت ساعات طويلة قبل السيطرة عليها، وسط ظروف شديدة الصعوبة داخل البلدة القديمة في القدس. كما تذكر وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية أن الحريق كاد يمتد على نطاق أوسع لولا تدخل المقدسيين وفرق الإطفاء القادمة من بلدات عربية مجاورة.
وتنسب المصادر التاريخية الفعل إلى الأسترالي دينيس مايكل روهان، الذي دخل المسجد وأشعل النار في المصلى القبلي. ولا يزال هذا الاسم مرتبطاً في الذاكرة العربية والإسلامية بواحدة من أخطر الجرائم التي استهدفت أحد أقدس المواقع الإسلامية في القدس.
لماذا يحتفظ الحريق بثقله السياسي حتى اليوم؟
لا يقتصر ثقل الحادثة على حجم الخسائر المادية التي خلّفها الحريق، بل يمتد إلى ما ترتب عليها سياسياً. فبحسب وثائق منظمة التعاون الإسلامي، كان إحراق الأقصى في 21 أغسطس 1969 سبباً مباشراً في الدعوة إلى القمة الإسلامية الأولى في الرباط يوم 25 سبتمبر 1969، وهي الخطوة التي مهّدت لتأسيس المنظمة بصيغتها المعروفة لاحقاً. بهذا المعنى، لم يكن الحريق مجرد اعتداء على معلم ديني، بل لحظة فاصلة أسهمت في بلورة تحرك إسلامي جماعي حول القدس.
ومن هنا تفهم اللهجة التي يستخدمها المجلس الوطني الفلسطيني في بيانات الذكرى؛ إذ يربط بين الجريمة التاريخية وبين ما يعتبره استمراراً لسياسات تغيير الواقع في القدس الشرقية، سواء عبر التضييق على المصلين، أو دعم اقتحامات المستوطنين، أو السعي إلى فرض وقائع جديدة داخل محيط المسجد الأقصى.
تحذيرات من المساس بـ"الوضع القائم"
المقصود بالوضع التاريخي والقانوني القائم هو الإطار الذي يحكم إدارة المسجد الأقصى وساحات الحرم القدسي، ويؤكد أن الموقع الإسلامي يخضع لإدارة دائرة أوقاف القدس وشؤون المسجد الأقصى التابعة لوزارة الأوقاف الأردنية، في إطار الوصاية الهاشمية. وخلال عام 2026، كررت وكالة الأنباء الأردنية الرسمية بترا التأكيد في أكثر من مناسبة أن أي اقتحامات أو محاولات لفرض ترتيبات جديدة داخل الأقصى تمثل انتهاكاً لهذا الوضع، وأن دائرة الأوقاف هي الجهة الوحيدة المخولة بإدارة شؤون المسجد وتنظيم الدخول إليه.
وفي هذا السياق، صدرت خلال الأشهر الماضية مواقف أردنية متكررة تندد باقتحامات مسؤولين إسرائيليين ومجموعات من المستوطنين لباحات المسجد الأقصى، معتبرة أن تلك التحركات تمثل استفزازاً لمشاعر المسلمين ومخالفة واضحة للقانون الدولي وللوضع التاريخي والقانوني القائم. كما رحبت عمّان في يوليو 2026 بقرار صادر عن اليونسكو أبقى البلدة القديمة وأسوار القدس على قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر بسبب الممارسات التي تمس طابع المدينة وتراثها.
القراءة الفلسطينية: من حادثة تاريخية إلى مسار متصل
الرسالة الفلسطينية في ذكرى الحريق هذا العام تذهب إلى أن الخطر على الأقصى لا ينحصر في استعادة مشهد 1969، بل في اعتبار ذلك الحادث جزءاً من سلسلة أطول. هذه السلسلة، وفق الخطاب الفلسطيني، تشمل الاقتحامات المتكررة، والقيود على الوصول إلى المسجد، ومحاولات إعادة تعريف المكان سياسياً ودينياً. ولهذا يربط المسؤولون الفلسطينيون بين ذكرى الحريق وبين التطورات الجارية في القدس الشرقية، خصوصاً في ظل التوتر المستمر داخل الحرم القدسي ومحيطه.
وتتلاقى هذه القراءة مع مواقف إسلامية أوسع. ففي اجتماعات وبيانات حديثة، أكدت منظمة التعاون الإسلامي أن المسجد الأقصى، بمساحته الكاملة البالغة 144 ألف متر مربع، هو مكان عبادة خالص للمسلمين، وأن أي محاولات لتغيير هذه الحقيقة أو إعادة توصيفها مرفوضة. كما شددت المنظمة على مركزية قضية القدس في أجندتها منذ تأسيسها على خلفية حريق الأقصى.
لماذا يهم هذا التطور القارئ المصري؟
في مصر، تحظى القدس بمكانة خاصة في الوعي الشعبي والسياسي، كما أن أي تصعيد يتعلق بالمسجد الأقصى ينعكس فوراً على المزاج العام العربي. ومن منظور صحفي يهم القارئ المصري، فإن أهمية هذا الملف لا ترتبط فقط بالبعد الديني، بل أيضاً بما يكشفه من اتجاهات الصراع في المنطقة: مستقبل القدس الشرقية، وحدود الدور العربي، وقدرة المؤسسات الدولية على حماية التراث والمقدسات في أوقات التوتر.
كما أن استدعاء ذكرى حريق 1969 يوضح كيف تتحول الحوادث المفصلية إلى مرجع دائم في الخطاب السياسي. فكلما تصاعد التوتر في الأقصى، عادت هذه الواقعة إلى الواجهة بوصفها دليلاً تاريخياً على هشاشة الوضع في المدينة وعلى حساسية أي تغيير ميداني فيها.
بين الذاكرة والتحذير السياسي
بعد أكثر من 57 عاماً على حريق المسجد الأقصى، تبدو الذكرى أبعد من كونها استرجاعاً لحدث قديم. هي، في جوهرها، أداة تذكير بأن القدس ما تزال بؤرة صراع مفتوح على السيادة والرواية والرمزية الدينية. وفي هذا الإطار، يحرص المجلس الوطني الفلسطيني على تثبيت سردية مفادها أن جريمة 21 أغسطس 1969 لم تنته آثارها بانطفاء النيران، بل بقيت حاضرة في كل جدل لاحق حول المسجد الأقصى.
وبينما تتوالى التحذيرات الفلسطينية والأردنية والإسلامية من المساس بالوضع القائم، يبقى الأقصى عنواناً مركزياً في معادلة المنطقة، ليس فقط بوصفه موقعاً مقدساً، بل أيضاً باعتباره مؤشراً دائماً على مستوى التوتر السياسي في القدس الشرقية، وعلى مستقبل واحدة من أكثر قضايا العالم العربي حساسية وتعقيداً.
أبرز الحقائق المرتبطة بالقضية
- تاريخ الحريق: 21 أغسطس 1969.
- مكان الضرر الرئيسي: المصلى القبلي داخل المسجد الأقصى.
- أبرز الخسائر: احتراق منبر صلاح الدين وأجزاء من السقف والزخارف الداخلية.
- المتهم التاريخي: دينيس مايكل روهان، أسترالي الجنسية.
- الأثر السياسي الأوسع: الحريق كان من أبرز الدوافع التي قادت إلى قمة الرباط الإسلامية في 25 سبتمبر 1969 ثم إلى تأسيس منظمة التعاون الإسلامي.
- الوضع القائم حالياً: إدارة المسجد الأقصى من اختصاص دائرة أوقاف القدس التابعة لوزارة الأوقاف الأردنية في إطار الوصاية الهاشمية.