في ذكرى نصر أكتوبر 2026.. السيسي يجدد رمزية الوفاء للشهداء
مراسم بروتوكولية تحمل ما هو أبعد من البروتوكول
في صباح الإثنين 5 أكتوبر 2026، أحيا الرئيس عبد الفتاح السيسي ذكرى مرور 53 عامًا على انتصارات حرب أكتوبر 1973 بوضع إكليل من الزهور على النصب التذكاري لشهداء القوات المسلحة، ثم على قبر الرئيس الراحل محمد أنور السادات، قبل التوجه إلى ضريح الزعيم الراحل جمال عبد الناصر. وفي الظاهر تبدو المناسبة جزءًا من تقاليد الدولة في إحياء الذكرى الوطنية، لكن القراءة السياسية الأوسع تكشف أن هذه المراسم لا تُدار بوصفها طقسًا رمزيًا فقط، بل كإعادة تثبيت لمعاني الشرعية الوطنية، واستدعاء لذاكرة الدولة المصرية في لحظات التحول والاختبار.
وبحسب بيان رئاسة الجمهورية الصادر صباح اليوم، جرت المراسم بحضور الفريق أشرف سالم زاهر، القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربي، والفريق أحمد خليفة رئيس أركان حرب القوات المسلحة، مع أداء حرس الشرف التحية وعزف السلام الوطني، ثم سلام الشهيد عند قبر الجندي المجهول. كما شملت الزيارة لقاء الرئيس بعدد من قادة حرب أكتوبر، إلى جانب حضور كبار مسؤولي الدولة ورؤساء السلطات التنفيذية والتشريعية والدينية. وضمت قائمة الحضور الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، وفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، والبابا تواضروس الثاني، واللواء محمود توفيق وزير الداخلية، والدكتور إبراهيم صابر محافظ القاهرة، إضافة إلى رئيسي مجلسي النواب والشيوخ. هذا الاتساع في التمثيل المؤسسي يجعل من المناسبة مشهدًا للدولة بكامل رموزها، لا مجرد فعالية عسكرية مغلقة.
لماذا تبقى أكتوبر مركزية في الخطاب السياسي المصري؟
رغم تعاقب العقود، لا تزال حرب أكتوبر تحتفظ بمكانة استثنائية في الوعي المصري، لأنها ليست مجرد محطة عسكرية ناجحة، بل لحظة استعادة ثقة وطنية بعد هزيمة يونيو 1967. وتُظهر المواد التوثيقية المنشورة عبر الموقع الرسمي لوزارة الدفاع أن الحرب مثّلت تحولًا استراتيجيًا عبر عبور قناة السويس واقتحام خط بارليف وفرض مسار سياسي جديد انتهى إلى وقف إطلاق النار ثم مباحثات فض الاشتباك. ومن هنا، فإن استدعاء أكتوبر في الخطاب العام المصري لا يتعلق بالماضي وحده، بل بوظيفة الحاضر أيضًا: ربط الدولة الحديثة بمعنى القدرة على تجاوز الأزمات، وامتلاك القرار، ودفع كلفة السيادة عند الضرورة.
هذا يفسر لماذا تبقى ذكرى أكتوبر مناسبة تتجاوز الاحتفال إلى إعادة إنتاج سردية الدولة. فحين تقف الرئاسة والجيش ومؤسسات الحكم في مشهد واحد أمام النصب التذكاري، فإن الرسالة المضمرة تقول إن الدولة الحالية تقدم نفسها بوصفها امتدادًا لكيان تاريخي واحد، لا سلطات منفصلة أو ذاكرات متنافسة. وفي السياق المصري تحديدًا، تكتسب هذه الرسالة وزنًا إضافيًا، لأن الرأي العام يربط بين تماسك مؤسسات الدولة وبين القدرة على مواجهة اضطرابات الإقليم وضغوط الاقتصاد وتحديات الأمن القومي.
السادات وعبد الناصر في المشهد نفسه
من التفاصيل ذات الدلالة السياسية أن المراسم لم تقتصر على النصب التذكاري وقبر الجندي المجهول، بل شملت أيضًا قبر الرئيس محمد أنور السادات وضريح الرئيس جمال عبد الناصر. هذا الجمع بين الرمزين ليس تفصيلًا بروتوكوليًا عابرًا. عبد الناصر يمثل في الوجدان المصري دولة الاستقلال الوطني وبناء الجيش بعد ثورة يوليو، بينما يمثل السادات قرار الحرب في أكتوبر 1973 ولحظة العبور نفسها. وعندما يمر الرئيس الحالي بالمحطتين معًا، فإن الرسالة تبدو أقرب إلى ربط حلقات الشرعية الوطنية من التأسيس إلى المواجهة إلى الدولة الراهنة.
سياسيًا، هذا النوع من الترتيب مهم للغاية. فهو يتجاوز الاستدعاء الانتقائي للتاريخ إلى محاولة الجمع بين مراحل قد تبدو متباينة في بعض القراءات الأكاديمية أو الأيديولوجية. أما في خطاب الدولة، فالمعادلة مختلفة: هناك تاريخ وطني متصل، فيه رموز متعددة وأدوار متكاملة، وفي النهاية تتقدم فكرة بقاء الدولة فوق الخلافات التفصيلية حول كل حقبة.
من حضر المراسم.. وماذا يعني ذلك؟
الحضور الواسع لشخصيات دينية وتنفيذية وتشريعية وعسكرية يعكس أن ذكرى أكتوبر تُدار في مصر باعتبارها مناسبة جامعة. وجود شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب والبابا تواضروس الثاني في المشهد نفسه يؤكد أن المناسبة تُصاغ على نحو وطني عابر للمؤسسات الدينية والطائفية. ووجود رئيس الوزراء ورئيسي البرلمان بغرفتيه يضيف إليها بعدًا دستوريًا ورسميًا، بما يحولها إلى إعلان وحدة سياسية ورمزية أكثر من كونها مراسم عسكرية صرف.
هذه الصياغة ليست منفصلة عن اللحظة الراهنة. فالدولة المصرية، في السنوات الأخيرة، تميل إلى توظيف المناسبات الوطنية الكبرى لتأكيد فكرة الاصطفاف المؤسسي، خصوصًا في الملفات المرتبطة بالأمن القومي والهوية الوطنية. وبالنسبة لقراء المشهد السياسي في مصر، فإن توسيع قائمة الحضور في مناسبات كهذه يرسل إشارة واضحة: أكتوبر لا تخص الجيش وحده، بل تُقدَّم باعتبارها ملكية رمزية لكل مؤسسات الدولة وكل قطاعات المجتمع.
أكتوبر 2026.. الذاكرة الوطنية كأداة حشد مدني
لا تقف الذكرى الثالثة والخمسون عند حدود المراسم الرسمية. فوزارة الدفاع أعلنت، بمناسبة احتفالات مصر والقوات المسلحة، فتح المتاحف والمزارات العسكرية مجانًا أمام الجمهور خلال الفترة من 3 إلى 6 أكتوبر 2026، بما يشمل بانوراما حرب أكتوبر والمتحف الحربي القومي بالقلعة ومتحف العلمين العسكري. وهذه الخطوة تحمل بُعدًا مهمًا: نقل الذكرى من المجال الرسمي إلى المجال المجتمعي، وتحويل التاريخ العسكري إلى مادة تفاعل مباشر مع المواطنين، لا سيما الأجيال التي لم تعش الحرب ولم تقترب من شهادات أبطالها إلا عبر الكتب أو الأعمال الوثائقية.
من زاوية تحليلية، فإن فتح هذه المزارات مجانًا ليس مجرد لفتة احتفالية، بل يدخل ضمن إدارة الذاكرة الوطنية. فالدول لا تكتفي بإحياء المناسبات في الكلمات والخطابات، بل تحاول تجسيدها في مؤسسات وصور ومتاحف ومسارات زيارة. وفي الحالة المصرية، تبدو حرب أكتوبر الحدث الأكثر قابلية لهذا النوع من التوظيف الإيجابي، لأنها تجمع بين البطولة العسكرية والنتيجة السياسية والقدرة على مخاطبة الحس الشعبي بلغة مفهومة وقريبة.
السيسي (@alsisiofficial على إنستغرام) ورسالة الاستمرارية
حين يظهر الرئيس عبد الفتاح السيسي (@alsisiofficial على إنستغرام) في مثل هذه المناسبة، فإن الصورة تتجاوز الخبر اليومي إلى بناء رسالة استمرارية. فالرئاسة، عبر هذا النوع من الحضور المباشر، تؤكد أن الدولة لا تتعامل مع أكتوبر كأرشيف من الماضي، بل كرصيد معنوي حاضر في خطابها الحالي. والأهم أن الرسالة لا تُصاغ فقط تجاه الداخل، بل أيضًا تجاه الخارج، حيث يبقى استحضار انتصار أكتوبر في الوعي السياسي المصري مرتبطًا بمعنى الردع والقدرة على حماية السيادة الوطنية.
لهذا تبدو مراسم وضع إكليل الزهور، رغم بساطتها الظاهرية، واحدة من أكثر الطقوس اختزالًا لمعنى الدولة المصرية: تكريم للشهداء، ووفاء للقيادات التاريخية، وتأكيد لامتداد المؤسسة العسكرية، ورسالة وحدة من مؤسسات الحكم، وتذكير بأن التاريخ الوطني ليس مادة مدرسية جامدة، بل أحد مكونات الشرعية السياسية في الحاضر.
ما الذي تقوله الذكرى 53 للمصريين اليوم؟
في ظل مناخ إقليمي معقد وتحديات اقتصادية واجتماعية متواصلة، تعود ذكرى أكتوبر كل عام بوصفها مساحة نادرة للاتفاق الواسع داخل المجتمع المصري. فهي لحظة يتقاطع فيها الوجدان الشعبي مع الخطاب الرسمي، والذاكرة العسكرية مع المعنى المدني للدولة. ومن هنا، فإن أهمية مشهد 5 أكتوبر 2026 لا تكمن في كونه تكرارًا سنويًا لمراسم محفوظة، بل في كونه تجديدًا متعمدًا لعقد رمزي بين الدولة وذاكرتها الوطنية.
في هذا الإطار، يصبح السؤال الأهم ليس ماذا حدث في المراسم فقط، بل لماذا تحرص الدولة على هذا المشهد عامًا بعد عام؟ الإجابة الأقرب أن مصر ما تزال ترى في أكتوبر مرآةً لواحدة من أكثر لحظاتها صفاءً في تعريف الذات الوطنية: جيش قاتل، وشعب تحمل، وقيادة اتخذت قرارًا غيّر المعادلة. ولذلك، فإن وضع إكليل الزهور في الذكرى الثالثة والخمسين لا يُقرأ باعتباره فعل وفاء للشهداء وحدهم، بل باعتباره أيضًا إعلانًا متجددًا بأن معاني أكتوبر لا تزال حية في بنية الخطاب السياسي المصري حتى اليوم.
أبرز الوقائع المؤكدة في مراسم 5 أكتوبر 2026
- التاريخ: الإثنين 5 أكتوبر 2026.
- المناسبة: الذكرى الثالثة والخمسون لانتصارات حرب أكتوبر 1973.
- الموقع: النصب التذكاري لشهداء القوات المسلحة وقبر الجندي المجهول، ثم قبر الرئيس محمد أنور السادات، ثم ضريح الرئيس جمال عبد الناصر.
- الحاضرون البارزون: الفريق أشرف سالم زاهر، الفريق أحمد خليفة، الدكتور مصطفى مدبولي، الدكتور أحمد الطيب، البابا تواضروس الثاني، اللواء محمود توفيق، والدكتور إبراهيم صابر.
- فعاليات موازية: فتح المتاحف والمزارات العسكرية مجانًا للجمهور من 3 إلى 6 أكتوبر 2026.