Akhbar Cairo

في ذكرى 7 أكتوبر: هل تنجح دعوات غزة في فرض أولوية السياسة؟

دعوات متجددة في توقيت بالغ الحساسية

في الذكرى الثالثة لأحداث 7 أكتوبر 2023، عادت الساحة الفلسطينية لتُصدر خطابًا سياسيًا يركز على ثلاث أولويات مترابطة: وقف الحرب على غزة، ومنع التهجير، وإعادة ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي بما يسمح ببدء مرحلة التعافي وإعادة الإعمار. هذا الخطاب لا يمكن قراءته باعتباره مجرد بيان موسمي، بل باعتباره انعكاسًا لتحول أعمق فرضته الوقائع الميدانية بعد ثلاث سنوات من الانفجار الكبير الذي أعاد القضية الفلسطينية إلى مركز النقاش الإقليمي والدولي.

وبالعودة إلى المشهد الأوسع، فإن 7 أكتوبر لم يعد مجرد تاريخ يرتبط ببداية الحرب، بل صار نقطة مرجعية في تقييم ما جرى بعدها: حجم الخسائر، شكل التوازنات الجديدة، وحدود ما تستطيع الأطراف المختلفة فرضه بالقوة أو انتزاعه عبر السياسة. وفي هذا السياق، تبدو الدعوات الفلسطينية الأخيرة أقرب إلى محاولة لإعادة تعريف الأولويات: من إدارة الحرب إلى إدارة اليوم التالي لها.

من الشعار إلى البرنامج: ما الذي تطلبه الفصائل فعليًا؟

الرسائل الأساسية التي برزت في المواقف الفلسطينية خلال الأسابيع الأخيرة تتقاطع حول قضايا محددة: تثبيت وقف إطلاق النار، تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق، الانسحاب الإسرائيلي الكامل من قطاع غزة، وبدء مسار التعافي المبكر ثم إعادة الإعمار. كما يبرز بند إنهاء الانقسام باعتباره شرطًا لازمًا لأي ترتيبات مستدامة، سواء في الإدارة المدنية أو في التمثيل السياسي أو في مخاطبة المجتمع الدولي بلغة فلسطينية أكثر تماسكًا.

هذه النقاط ليست معزولة عن مداولات رسمية فلسطينية أوسع. فالرئيس الفلسطيني محمود عباس تحدث مرارًا خلال 2026 عن أولوية إدخال المساعدات والبدء الفوري في التعافي وإعادة الإعمار، مع التشديد على أن الوحدة الوطنية تظل قاعدة المواجهة السياسية المقبلة. كما أن اللجنة المركزية لحركة فتح دعت إلى حوار وطني شامل تستضيفه مصر، في إشارة واضحة إلى أن ملف المصالحة عاد مجددًا إلى صدارة الحسابات الفلسطينية.

لماذا اكتسب مطلب إنهاء الانقسام وزنًا أكبر الآن؟

من منظور تحليلي، فإن الحديث عن إنهاء الانقسام في أكتوبر 2026 يختلف عن سنوات سابقة. ففي المراحل الماضية كان الانقسام يُطرح غالبًا باعتباره مطلبًا وطنيًا عامًا، أما اليوم فهو يُقدَّم باعتباره ضرورة عملية لإدارة قطاع غزة نفسه: من يتولى الخدمات؟ من يشرف على المعابر؟ من ينسق مع المانحين؟ ومن يملك شرعية التفاوض على ترتيبات ما بعد الحرب؟ هذه الأسئلة لم تعد نظرية، خصوصًا مع تداول أطر تتحدث عن اللجنة الوطنية لإدارة غزة ودور مؤسسات انتقالية مدنية في إدارة القطاع.

وهنا تظهر المعضلة الفلسطينية التقليدية بصورة أشد وضوحًا: لا إعادة إعمار من دون إدارة موحدة، ولا إدارة موحدة من دون تفاهم سياسي، ولا تفاهم سياسي مستقر من دون معالجة مسألة الشرعية والسلاح وموقع الفصائل داخل النظام السياسي الفلسطيني. لذلك فإن دعوات الفصائل، رغم طابعها التعبوي، تعكس أيضًا إدراكًا متزايدًا بأن الكلفة السياسية للانقسام باتت أعلى من أي وقت مضى.

إعادة الإعمار: رقم ضخم وعقبات أكبر

إذا كان وقف الحرب هو الشرط الأول، فإن إعادة إعمار غزة هي الاختبار الأصعب. تقديرات فلسطينية نُشرت في سبتمبر 2026 تشير إلى أن القطاع يحتاج إلى نحو 80 مليار دولار لإعادة بناء ما دمرته الحرب، بينما تحدثت تقارير أخرى في الأشهر الماضية عن تقديرات تتجاوز 30 مليار دولار كحد أدنى لبدء المسار، ما يعكس اتساع فجوة الدمار وتعقيد حصر الخسائر النهائية.

الأزمة لا تتعلق بالتمويل فقط. فبحسب وزير الأشغال العامة والإسكان الفلسطيني عاهد بسيسو، لا تزال هناك قيود تعرقل دخول مواد البناء، في وقت يعيش فيه نحو مليوني شخص داخل مساحة محدودة من القطاع، مع ضغط هائل على الملاجئ والخدمات الأساسية. كما أشار إلى إدخال نحو 4 آلاف وحدة إيواء متنقلة من أصل خطة تستهدف 10 آلاف وحدة، وهو رقم يوضح حجم الفجوة بين الاحتياج الفعلي والاستجابة المتاحة حتى الآن.

لهذا، فإن أي حديث عن الإعمار من دون بنية سياسية وأمنية مستقرة سيظل منقوصًا. وكالة أسوشيتد برس أفادت في 7 أكتوبر 2026 بأن خطة الإعمار واسعة النطاق لم تنطلق فعليًا، بسبب استمرار الخلافات حول نزع السلاح والترتيبات التالية للهدنة. وهذه نقطة جوهرية: إعادة البناء ليست مجرد ورشة هندسية، بل ملف سيادي وأمني وسياسي بامتياز.

أين تقف مصر في هذه المعادلة؟

بالنسبة إلى القارئ المصري، لا يمكن فصل أي نقاش جدي حول غزة عن الدور المصري. القاهرة لا تظهر فقط كوسيط في تثبيت الهدنة، بل كطرف مركزي في منع التهجير القسري، وتسهيل المساعدات، والدفع نحو ترتيبات سياسية وإدارية قابلة للاستمرار. الموقف المصري الرسمي كرر خلال 2026 ضرورة الحفاظ على وقف إطلاق النار، وضمان النفاذ الآمن للمساعدات، وبدء إعادة الإعمار، مع رفض واضح لأي محاولات لتصفية القضية الفلسطينية عبر الإزاحة السكانية أو تغيير الواقع الديموغرافي.

وتشير بيانات مصرية رسمية إلى أن القاهرة دعمت الانتقال إلى مراحل تشمل الانسحاب الإسرائيلي، وتمكين هياكل الإدارة الفلسطينية في غزة، والانطلاق نحو التعافي المبكر وإعادة الإعمار. كما استضافت مصر اتصالات مباشرة بين مسؤولين مصريين ووفود من حركة حماس خلال 2026 لبحث تثبيت الاتفاق والحد من الخروقات. وفي الحسابات المصرية، لا يبدو استقرار غزة ملفًا خارجيًا فقط، بل مسألة أمن قومي ترتبط مباشرة بحدود مصر الشرقية وبأمن الإقليم ككل.

محمود عباس ومأزق “اليوم التالي”

يظل الرئيس الفلسطيني محمود عباس محورًا مهمًا في أي تصور لمرحلة ما بعد الحرب، بحكم موقعه الرسمي ورمزية السلطة الفلسطينية دوليًا، حتى مع تصاعد الجدل بشأن شكل القيادة الفلسطينية المقبلة. عباس شدد في خطاباته خلال 2026 على أن الكارثة الإنسانية في غزة تستدعي وقف المأساة فورًا، وإدخال المساعدات، ثم الانتقال إلى إعادة الإعمار والعودة للمسار السياسي. كما أعاد التأكيد على فكرة النظام الواحد والقانون الواحد والسلاح الشرعي الواحد باعتبارها مدخلًا لإنهاء الانقسام.

تحليليًا، تكمن صعوبة هذا الطرح في أنه يلامس أصل الأزمة الفلسطينية الداخلية: كيف يمكن الجمع بين مطلب الشراكة الوطنية وبين إعادة بناء سلطة مركزية موحدة؟ هذا السؤال لن تحسمه البيانات وحدها، لكنه يفسر لماذا باتت ذكرى 7 أكتوبر في عام 2026 مناسبة سياسية بامتياز، لا مناسبة رمزية فقط.

ما الذي تغيّر في الذكرى الثالثة؟

الجديد في ذكرى هذا العام أن الخطاب الفلسطيني، والفلسطيني-العربي عمومًا، يبدو أقل انشغالًا بتوصيف ما حدث في 2023 وأكثر تركيزًا على ما ينبغي فعله الآن. فبعد أن دخل وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025 وفق ما وثقته مصادر رسمية وتقارير أممية، لم تتحول الهدنة تلقائيًا إلى تسوية كاملة، ولم تبدأ إعادة الإعمار بالمستوى المتوقع، كما استمرت الخروقات والضغوط الإنسانية. لذلك، فإن جوهر الرسالة الحالية هو أن تجميد النار لا يساوي إنهاء الحرب سياسيًا.

ومن هنا يمكن فهم دعوات الفصائل الفلسطينية: هي محاولة للقول إن بقاء غزة في حالة “هدنة بلا أفق” لم يعد مقبولًا، وإن أي استقرار حقيقي يحتاج إلى ربط ثلاث دوائر ببعضها: الإغاثة، والمصالحة الفلسطينية، والحل السياسي الأشمل. وفي غياب هذا الربط، ستظل كل ذكرى جديدة لـ7 أكتوبر مناسبة لاستعادة المأساة بدلًا من تجاوزها.

خلاصة المشهد

في المحصلة، لا تبدو دعوات وقف الحرب وإنهاء الانقسام وإعادة إعمار غزة منفصلة عن الواقع، بل على العكس: هي أقرب إلى اعتراف متأخر بأن السياسة، مهما تعثرت، عادت لتفرض نفسها بعد سنوات من الاستنزاف. بالنسبة لمصر، فإن نجاح هذا المسار ليس شأنًا فلسطينيًا داخليًا فحسب، بل رهان إقليمي يمس الأمن والاستقرار. أما بالنسبة للفلسطينيين، فالتحدي لم يعد فقط في رفع سقف المطالب، بل في بناء صيغة عملية تُحوّل هذه المطالب إلى مؤسسات واتفاقات قابلة للحياة على الأرض. وهذا بالتحديد هو السؤال المفتوح في الذكرى الثالثة لـ7 أكتوبر: هل تتحول الدعوات إلى مشروع، أم تبقى عنوانًا يتكرر كل عام؟