Akhbar Cairo

في عامها الـ59.. آسيان تعيد تثبيت أولوية السلام

رسالة الذكرى: السلام ليس شعارا بروتوكوليا

في 8 أغسطس 2026، أحيت رابطة دول جنوب شرق آسيا آسيان الذكرى التاسعة والخمسين لتأسيسها، في فعالية أُقيمت بمقر الأمانة العامة في جاكرتا، المدينة التي تستضيف المؤسسة التنفيذية الأهم داخل التكتل. وبحسب الأجندة الرسمية للمنظمة، فإن 8 أغسطس هو يوم آسيان، وهو التاريخ الذي يعود إلى توقيع إعلان بانكوك عام 1967، عندما تأسست الرابطة بخمسة أعضاء مؤسسين هم إندونيسيا وماليزيا والفلبين وسنغافورة وتايلاند. واليوم تضم آسيان عشر دول من جنوب شرق آسيا، فيما تواصل تيمور الشرقية مسار الانضمام التدريجي إلى المنظومة الإقليمية.

الرسالة الأبرز في المناسبة لم تكن احتفالية بقدر ما كانت سياسية: التأكيد مجددا على أن النزاعات يجب أن تُحل بالوسائل السلمية، من دون تهديد أو استخدام للقوة، ووفقا لمبادئ القانون الدولي. هذا المعنى لم يأت من فراغ، بل يتسق مع لغة آسيان الرسمية في اجتماعاتها الأخيرة، بما فيها مداولات وزراء الخارجية في مانيلا خلال يوليو 2026، ومع التذكير المتكرر بأهمية معاهدة الصداقة والتعاون في جنوب شرق آسيا التي احتفلت هذا العام بمرور 50 عاما على اعتمادها.

من بانكوك 1967 إلى جاكرتا 2026

تاريخ آسيان مهم لفهم وزن هذه العبارة. فالرابطة وُلدت أصلا في بيئة إقليمية مثقلة بالتوترات والشكوك المتبادلة، وكان أحد أهدافها الرئيسية تقليل احتمالات الصدام بين دول الجوار، وبناء إطار تدريجي للثقة والتعاون السياسي والاقتصادي. ولهذا ظل الحفاظ على الاستقرار الإقليمي جزءا من هوية المنظمة، حتى مع توسعها لاحقا في ملفات التجارة والاستثمار وسلاسل الإمداد والربط المؤسسي.

إقامة المناسبة في مقر الأمانة العامة لآسيان في جاكرتا ليست مجرد تفصيل تنظيمي، بل تذكير أيضا بأن إندونيسيا تظل ثقلا سياسيا محوريا داخل جنوب شرق آسيا. ومن موقعها الجغرافي والديموغرافي والدبلوماسي، كثيرا ما دفعت جاكرتا نحو تكريس منطق التهدئة والحوار، سواء في الأزمات الداخلية للإقليم أو في علاقته بالقوى الكبرى المتنافسة على النفوذ في آسيا.

لماذا يبدو التشديد على التسوية السلمية مهما الآن؟

لأن البيئة المحيطة بآسيان في 2026 أكثر تعقيدا مما توحي به لغة البيانات الدبلوماسية الهادئة. فالتكتل يواجه ضغوطا متزامنة: توترات بحرية، تنافس أمريكي صيني متصاعد، تداعيات الحربين في أوكرانيا والشرق الأوسط على التجارة والطاقة، إضافة إلى أزمات إقليمية تتطلب من المنظمة إثبات قدرتها على البقاء منصة للتوازن لا مجرد منتدى للاجتماعات. وفي هذا السياق، يصبح أي تأكيد على الحل السلمي للنزاعات بمثابة إعادة تثبيت لجوهر “المركزية الآسيانية”، أي حق الإقليم في إدارة خلافاته دون الانزلاق إلى الاستقطاب الحاد.

واللافت أن هذه الرسالة تزامنت مع عام شهد نشاطا كثيفا لوزراء خارجية آسيان. ففي الاجتماع الوزاري التاسع والخمسين في مانيلا خلال الفترة من 20 إلى 24 يوليو 2026، ناقش الوزراء ملفات الاستقرار الإقليمي، وأكدوا أهمية بنية إقليمية مفتوحة وشاملة وقائمة على القواعد. كما ارتبطت الاجتماعات بإحياء الذكرى الخمسين لمعاهدة الصداقة والتعاون، وهي وثيقة تُستخدم منذ عقود كمرجعية معيارية لتسوية الخلافات عبر الحوار والامتناع عن القوة.

بين الطموح والقيود

لكن القراءة التحليلية تفرض سؤالا لا يحب الخطاب الرسمي التوقف عنده طويلا: هل تكفي هذه اللغة وحدها؟ الجواب الأقرب إلى الواقعية هو: لا. فآسيان نجحت تاريخيا في خفض احتمالات الانفجار بين أعضائها، لكنها غالبا ما تتعرض لانتقادات بسبب بطء قراراتها واعتمادها شبه الكامل على التوافق. هذا الأسلوب حافظ على تماسك المنظمة، لكنه في الوقت نفسه قيّد قدرتها على التحرك الحاسم في بعض الأزمات، خصوصا حين تتباين أولويات الدول الأعضاء. ومع ذلك، فإن قيمة آسيان لا تكمن فقط في سرعة القرار، بل في قدرتها على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة عندما تتعطل قنوات أخرى.

من هذه الزاوية، يمكن فهم شعار المناسبة الذي ورد بصيغة “معا نرسم ملامح مستقبلنا” بوصفه أكثر من عبارة احتفالية. فالمستقبل المقصود هنا ليس اقتصاديا فقط، بل أمني أيضا: مستقبل لا تتحول فيه المنافسات الجيوسياسية إلى مواجهات مباشرة داخل جنوب شرق آسيا. وهذا تحديدا ما يهم قارئا عربيا ومصريا يتابع خرائط التحالفات الدولية؛ لأن استقرار الممرات البحرية الآسيوية، وحركة التجارة، وأسعار الشحن والطاقة، كلها ملفات تنعكس في النهاية على اقتصادات بعيدة جغرافيا لكنها مترابطة عمليا، ومنها مصر.

ما الذي يعنيه ذلك لمصر والقارئ العربي؟

قد تبدو ذكرى تأسيس منظمة آسيوية بعيدة عن أولويات القارئ في القاهرة أو الإسكندرية، لكن الحقيقة أن جنوب شرق آسيا لم يعد هامشا في السياسة الدولية. آسيان تمثل إحدى أكثر مناطق العالم حيوية في الصناعة والتجارة وسلاسل التوريد، وأي اهتزاز في استقرارها ينعكس على حركة الاقتصاد العالمي. ومصر، الساعية إلى توسيع شراكاتها التجارية واللوجستية مع آسيا، لها مصلحة مباشرة في بقاء تلك المنطقة تحت سقف التهدئة لا التصعيد.

من هنا، فإن مغزى بيان الذكرى يتجاوز حدود جاكرتا. حين تتمسك آسيان بمبدأ التسوية السلمية، فهي تدافع عن نموذج إقليمي يفضّل إدارة الخلافات عبر المؤسسات والاتفاقات، لا عبر فرض الوقائع بالقوة. قد يبدو هذا المبدأ بديهيا، لكنه في عالم 2026 ليس بديهيا على الإطلاق.

شخصية المرحلة: كاو كيم هورن ودور الأمانة العامة

ومن الصعب فصل هذه المناسبة عن الدور المتزايد للأمانة العامة بقيادة الأمين العام كاو كيم هورن. فالرجل، الذي تولى المنصب في السنوات الأخيرة، حضر في عدد من المناسبات الرسمية التي شددت على وحدة الرابطة ومرجعياتها السياسية، كما شارك في الفعاليات المرتبطة بذكرى معاهدة الصداقة والتعاون خلال يوليو 2026. ورغم أن آسيان تبقى في النهاية منظمة تقودها الدول الأعضاء لا البيروقراطية المركزية، فإن خطاب الأمانة العامة يكتسب وزنا خاصا عندما تكون المنطقة تحت ضغط التوازنات الكبرى.

ولم يتم التحقق بشكل موثوق من حساب إنستغرام رسمي شخصي للأمين العام من مصادر رسمية متاحة، لذلك يظل ذكره هنا دون إشارة لحساب اجتماعي، التزاما بالدقة وعدم التخمين.

خلاصة الرأي

في ظاهر الحدث، نحن أمام ذكرى تأسيس منظمة إقليمية واحتفال بروتوكولي في جاكرتا. لكن في الجوهر، تعكس المناسبة إدراكا متزايدا داخل آسيان بأن الحفاظ على السلام الإقليمي لم يعد إرثا تاريخيا يُحتفى به، بل مهمة يومية تتطلب إعادة تأكيد مستمرة. وبعد 59 عاما على التأسيس، تبدو الرابطة كأنها تقول إن أهم ما تملكه ليس فقط سوقا واسعة أو شبكة شراكات ممتدة، بل قدرة نادرة على إبقاء الخلافات داخل حدود السياسة لا الحرب.

هذه هي الرسالة التي تستحق المتابعة من القاهرة بقدر ما تستحقها من جاكرتا: في زمن السيولة الدولية، يصبح التمسك بالتسوية السلمية للنزاعات مؤشرا على نضج إقليمي، وعلى إدراك أن التنمية لا تنفصل عن الأمن، وأن المستقبل لا يُرسم بالشعارات وحدها، بل بقواعد تضبط الخلاف قبل أن يتحول إلى أزمة مفتوحة.