Akhbar Cairo

قاليباف إلى بغداد: لماذا تتحرك الدبلوماسية البرلمانية الآن؟

زيارة تتجاوز المجاملة السياسية

يتجه رئيس مجلس الشورى الإسلامي الإيراني محمد باقر قاليباف إلى العراق على رأس وفد برلماني في زيارة تبدو، ظاهريًا، امتدادًا طبيعيًا للعلاقات المتشابكة بين البلدين، لكنها في التوقيت والمضمون تحمل ما هو أبعد من المجاملات الدبلوماسية. فالعراق وإيران لا يلتقيان فقط على حدود طويلة ومصالح اقتصادية متداخلة، بل أيضًا على ملفات أمنية حساسة وحسابات إقليمية تتأثر مباشرة بأي تصعيد في الشرق الأوسط.

أهمية الزيارة تنبع من كونها تأتي بعد سلسلة اتصالات ولقاءات معلنة بين الجانبين خلال 2026، من بينها لقاء سابق جمع قاليباف برئيس مجلس النواب العراقي هايبَت الحلبوسي في 3 يوليو 2026، حيث ناقش الطرفان العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية والقضايا المشتركة، بحسب الموقع الرسمي لمجلس النواب العراقي. كما سبقت ذلك اتصالات سياسية وبرلمانية أخرى بين بغداد وطهران خلال العام نفسه، بما يعكس أن القناة البرلمانية تحولت إلى مسار موازٍ للقنوات الحكومية التقليدية، لا سيما في القضايا التي تمزج الأمن بالاقتصاد وبملفات السيادة.

لماذا العراق مهم الآن لطهران؟

من منظور إيراني، يحتل العراق موقعًا لا يمكن تجاوزه في أي معادلة إقليمية. فإلى جانب البعد الجغرافي، يمثل السوق العراقية متنفسًا اقتصاديًا مهمًا لإيران، كما يشكل استقرار الحدود الغربية أولوية أمنية مباشرة. وخلال يوليو 2026 شدد قاليباف في أكثر من مناسبة على أهمية توسيع التعاون مع العراق، معتبرًا أن التقارب بين البلدين يمكن أن يساعد في معالجة أزمات إقليمية وتعزيز الاستقرار. هذا الخطاب لا يعكس فقط رغبة في توسيع النفوذ السياسي، بل يكشف أيضًا عن إدراك إيراني بأن مرحلة التوتر الإقليمي تتطلب تثبيت الجبهات القريبة أولًا.

بالنسبة للقارئ المصري، قد تبدو الزيارة شأنًا ثنائيًا بحتًا، لكنها في الحقيقة ترتبط بمشهد عربي أوسع: أمن الممرات، أسعار الطاقة، حركة التجارة البرية، ومستقبل التهدئة في الإقليم. والعراق، بحكم موقعه بين إيران والعالم العربي، بات ساحة اختبار دائمة لأي تفاهم أو تنافس بين القوى الإقليمية.

البرلمان كأداة نفوذ ناعمة

اللافت في هذه الزيارة أن من يقودها ليس وزير الخارجية ولا مسؤول أمني، بل رئيس البرلمان الإيراني. هذا الاختيار بحد ذاته رسالة. فالدبلوماسية البرلمانية تُستخدم عادة عندما ترغب الدول في توسيع الحوار السياسي من دون رفع الكلفة الرسمية المباشرة، أو عندما تسعى إلى ترسيخ تفاهمات طويلة المدى تتجاوز الحكومات المتبدلة.

قاليباف، بوصفه أحد أبرز الوجوه السياسية في إيران، لا يتحرك بصفته البروتوكولية فقط، بل باعتباره شخصية تجمع بين الخبرة التنفيذية والأمنية والسياسية. ومن ثم، فإن أي حديث عن أمن الحدود أو مكافحة الإرهاب أو التعاون الاقتصادي خلال الزيارة لا ينبغي قراءته كملفات منفصلة، بل كحزمة واحدة: استقرار أمني يسمح بحركة التجارة، وتعاون اقتصادي يعزز المصالح المتبادلة، وتنسيق سياسي يخفف احتمالات الاحتكاك.

ما الذي قد يُطرح على الطاولة؟

  • أمن الحدود: الحدود العراقية الإيرانية الممتدة تجعل من التنسيق الأمني مسألة يومية، خصوصًا في ظل حساسية مناطق التماس وملفات التهريب وتحرك الجماعات المسلحة.
  • مكافحة الإرهاب: رغم تراجع تنظيم داعش مقارنة بذروة تهديده، ما زال الملف حاضرًا في الخطاب الأمني العراقي والإيراني، خاصة مع استمرار القلق من خلايا متحركة ومناطق رخوة أمنيًا.
  • التعاون الاقتصادي: طهران تنظر إلى بغداد كشريك تجاري محوري، بينما يحتاج العراق إلى إدارة هذا التعاون بما يوازن بين حاجاته الاقتصادية ومتطلبات سيادته وعلاقاته العربية والدولية.
  • التطورات الإقليمية: أي زيارة رفيعة المستوى بين البلدين تحمل بالضرورة نقاشًا حول انعكاسات التوترات الجارية في المنطقة على الداخل العراقي.

العراق بين الشراكة مع إيران وحسابات التوازن

العراق ليس في موقع يسمح له بالانحياز السهل. فمن جهة، تربطه بإيران علاقات سياسية واقتصادية وأمنية وثيقة. ومن جهة أخرى، يسعى إلى تثبيت صورة الدولة القادرة على تنويع شراكاتها وعدم الارتهان لمحور واحد. لهذا تبدو بغداد حريصة عادة على إبقاء الحوار مع طهران مفتوحًا، لكن ضمن معادلة تؤكد السيادة العراقية وتجنب تحويل البلاد إلى ساحة رسائل متبادلة.

المؤشرات الصادرة عن المؤسسة التشريعية العراقية خلال 2026 تعكس هذا المنطق. ففي بيانات وخطابات رسمية صدرت عن رئاسة مجلس النواب، برز التركيز على الاستقرار السياسي الداخلي، واستكمال عمل مؤسسات الدولة، وحماية السيادة، وهي عناوين ترتبط مباشرة بقدرة بغداد على إدارة علاقتها مع الجوار من موقع أكثر تماسكًا.

ومن هنا، فإن استقبال بغداد لوفد يقوده قاليباف لا يعني بالضرورة انتقالًا إلى صيغة جديدة في العلاقات، بقدر ما يعكس محاولة لتثبيت التفاهمات القائمة ومنع التوتر الإقليمي من فرض وقائع محرجة على الداخل العراقي.

ماذا تعني الزيارة عربيًا ومصريًا؟

في السياق العربي، لا يمكن فصل أي تقارب عراقي إيراني عن سؤال التوازن في المشرق. فالدول العربية، ومنها مصر، تتابع باهتمام أي حراك قد يؤثر في خرائط النفوذ أو في استقرار الممرات التجارية والطاقة. ومصر تحديدًا تنظر إلى استقرار العراق باعتباره عنصرًا مهمًا في معادلة الأمن العربي، كما أن أي خفض للتوتر بين بغداد وطهران ينعكس، ولو بشكل غير مباشر، على المشهد الإقليمي الأوسع.

لكن من المهم أيضًا عدم المبالغة. فالزيارة، مهما كانت أهميتها، لن تبدل وحدها موازين القوى. ما يمكن أن تفعله هو تعزيز قنوات التنسيق، وتخفيف سوء الفهم، وربما فتح مساحات إضافية للتعاون الاقتصادي والأمني. أما الملفات الكبرى، من النفوذ الإقليمي إلى الترتيبات الأمنية الأوسع، فستظل رهينة تفاهمات أكبر من مجرد جولة برلمانية.

بين الرمزية والنتائج العملية

الاختبار الحقيقي لأي زيارة من هذا النوع لا يكون في الصور الرسمية ولا في البيانات العامة، بل في ما إذا كانت ستنتج خطوات قابلة للقياس: لجان متابعة، تفاهمات أمنية، آليات اقتصادية، أو على الأقل خطابًا سياسيًا أقل حدة في لحظة إقليمية متوترة. وهنا تبدو ميزة الدبلوماسية البرلمانية أنها تمنح الأطراف هامشًا أوسع لصياغة التفاهمات من دون ضجيج كبير.

قاليباف، الذي يظهر مجددًا في واجهة التحرك الخارجي الإيراني، يدرك أن العراق ليس مجرد جار، بل بوابة تأثير ومجال اختبار لسياسة طهران الإقليمية. وبغداد بدورها تعرف أن إدارة العلاقة مع إيران تحتاج إلى قدر كبير من البراغماتية، خصوصًا عندما تتقاطع ملفات الحدود والأمن والتجارة مع حسابات الداخل العراقي نفسه.

في المحصلة، الزيارة المرتقبة ليست خبرًا بروتوكوليًا عابرًا، بل حلقة جديدة في مسار معقد من التفاهمات والشد والجذب بين دولتين تجمعهما الجغرافيا وتفرقهما أحيانًا ضغوط الإقليم. لهذا فإن السؤال الأهم ليس فقط ماذا سيبحث قاليباف في بغداد، بل إلى أي مدى يستطيع الطرفان تحويل الحوار السياسي إلى استقرار عملي يخدم مصالحهما، ويخفف من ارتدادات التوتر على المنطقة بأسرها.