Akhbar Cairo

قاليباف من بغداد: تنسيق إيراني عراقي لتقليص التدخل الأجنبي

قاليباف في بغداد: رسالة سياسية تتجاوز البروتوكول

حملت زيارة رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف إلى بغداد دلالات سياسية تتجاوز الطابع البروتوكولي، بعدما ربطها مباشرة بملفات السيادة والأمن والتنسيق الاقتصادي بين البلدين. وفي الرسائل المعلنة مع وصوله إلى العاصمة العراقية يوم 19 أغسطس 2026، شدد قاليباف على أن العلاقة بين الشعبين الإيراني والعراقي تقوم على تاريخ مشترك وحدود متجاورة ورفض التدخلات الأجنبية، مع تأكيده أن هذا الإرث يجب أن يتحول إلى قاعدة لتعاون أوسع في المرحلة المقبلة.

وتأتي هذه الزيارة في توقيت إقليمي حساس، إذ تواجه المنطقة ضغوطاً أمنية واقتصادية متشابكة، من بينها ملف الملاحة والطاقة، ومستقبل الوجود العسكري الأجنبي، وتوازنات العلاقات بين بغداد وطهران وواشنطن. لذلك، فإن حديث قاليباف عن القرار المستقل لا يُقرأ فقط بوصفه موقفاً سياسياً عاماً، بل كإشارة إلى رغبة إيرانية في تثبيت شراكة أوثق مع العراق في لحظة تتزاحم فيها الحسابات الإقليمية والدولية.

ماذا قال قاليباف؟

المضمون الأساسي الذي برز في خطاب قاليباف هو أن إيران والعراق يرفضان أن يُرسم مستقبلهما بإرادة خارجية. ووفق ما نُشر عن زيارته، وصف العلاقات بين البلدين بأنها “تاريخية وغير قابلة للكسر”، مستنداً إلى الجوار الجغرافي وروابط المصير المشترك ومقاومة التدخلات الخارجية. كما ربط بين هذا المسار وبين ضرورة توسيع التعاون في الملفات الأمنية والاقتصادية.

هذا الطرح ينسجم أيضاً مع مواقف سابقة لقاليباف خلال عام 2026، حين كرر في أكثر من مناسبة انتقاده للدور الأمريكي في المنطقة، معتبراً أن الوجود العسكري الأمريكي في غرب آسيا لم يجلب الاستقرار، وأن سلوك واشنطن يتناقض مع دعوات خفض التصعيد.

بغداد بين توازنات السيادة وضغوط الإقليم

بالنسبة للعراق، تبدو هذه الرسائل شديدة الحساسية. فبغداد تحاول منذ سنوات إدارة شبكة معقدة من العلاقات: شراكة أمنية مع الولايات المتحدة، وحدود ومصالح عميقة مع إيران، وحاجة داخلية متزايدة إلى تثبيت احتكار الدولة للسلاح وتهدئة الساحة السياسية. وفي هذا السياق، نقلت تغطيات عراقية أن جزءاً من محادثات الوفد الإيراني في بغداد شمل قضايا أمنية وسياسية واقتصادية، من بينها ملف حصر السلاح بيد الدولة وتأمين المصالح الاقتصادية الحيوية للعراق.

كما أكد السفير الإيراني لدى بغداد في مقابلة مع وكالة الأنباء العراقية أن طهران تعلن احترامها لسيادة العراق ولأي قرار تتخذه الحكومة العراقية بشأن احتكار استخدام القوة بيد الدولة، وهو تصريح يكتسب أهمية خاصة وسط الجدل العراقي المستمر حول تنظيم وضع الفصائل المسلحة ومستقبل الوجود الأجنبي.

ملف النفط ومضيق هرمز في صدارة الحسابات

من أبرز القضايا المرتبطة بالزيارة مسألة مرور صادرات النفط العراقية عبر مضيق هرمز. فمصادر عراقية تحدثت عن أن هذا الملف مطروح على طاولة المباحثات، نظراً إلى أن الجزء الأكبر من صادرات العراق النفطية يمر عبر هذا الممر البحري شديد الحساسية.

وزارة النفط العراقية كانت قد أعلنت في 14 أبريل 2026 أنها وضعت خططاً بديلة لتأمين الصادرات، وأشارت إلى وجود تفاهمات لتجنيب العراق آثار أي إغلاق محتمل للمضيق، مؤكدة أن الاقتصاد العراقي يعتمد على عائدات النفط بأكثر من 90%.

وتعزز مؤسسات دولية هذا القلق؛ فالبنك الدولي أشار إلى أن الاقتصاد العراقي يواجه ضغوطاً متجددة بسبب اعتماده الكبير على النفط، وأن أي اضطراب في مضيق هرمز ينعكس مباشرة على قدرته التصديرية والإنتاجية. كما لفت تحديث اقتصادي إقليمي للبنك إلى أن المضيق يمر عبره نحو 20% من استهلاك النفط العالمي وتجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً، ما يجعل أي توتر فيه قضية تتجاوز العراق وإيران إلى أسواق الطاقة الدولية، ومنها الأسواق التي تهم مصر كاقتصاد يتأثر بأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد.

لماذا يهم هذا التطور القارئ المصري؟

من زاوية مصرية، لا تبدو القضية شأناً ثنائياً يخص بغداد وطهران فقط. فكل تحرك يتعلق بأمن الخليج ومضيق هرمز وأسعار النفط يترك أثراً مباشراً أو غير مباشر على اقتصادات المنطقة، وعلى كلفة النقل والطاقة، وعلى بيئة الاستثمار والتجارة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ولهذا فإن متابعة مسار العلاقات الإيرانية العراقية ليست مجرد مادة سياسية، بل جزء من قراءة أوسع لتحولات الإقليم الذي تتقاطع فيه المصالح العربية والآسيوية والأفريقية.

كما أن العراق يمثل عمقاً مهماً في معادلات الأمن والطاقة العربيتين، وأي تقارب إيراني عراقي يُبنى على تقليص التوترات وفتح مسارات اقتصادية مستقرة قد ينعكس إيجاباً على الإقليم. لكن في المقابل، فإن هذا المسار يظل هشاً إذا ظل محكوماً بتصعيد عسكري أو صدامات نفوذ بين القوى الكبرى. وهذه هي النقطة التي تجعل خطاب “القرار المستقل” اختباراً عملياً أكثر من كونه مجرد شعار سياسي.

قاليباف وحضوره السياسي

يحظى قاليباف، المعروف أيضاً بحسابه الموثق المتداول باسم محمدباقر قالیباف | MB Ghalibaf (@mb_ghalibaf على إنستغرام) وفق ما تذكره قنواته الرسمية المتقاطعة، بموقع مؤثر داخل بنية القرار الإيراني، لا سيما في الملفات المرتبطة بالأمن والسياسة الإقليمية. وخلال الأشهر الأخيرة، كرر في أكثر من تصريح أن بلاده تنظر بعين الريبة إلى الدور الأمريكي، وأنها ترى في الترتيبات الإقليمية المحلية بديلاً أكثر استقراراً من الاعتماد على القوى الخارجية.

هذا الحضور يمنح زيارته لبغداد وزناً إضافياً، خصوصاً أنها جاءت بينما تواصل الحكومة العراقية سعيها إلى طمأنة الداخل والخارج معاً، وتقديم بغداد كعاصمة قادرة على إدارة علاقاتها الخارجية على أساس المصالح الوطنية والاستقرار الداخلي.

بين الشعار والواقع: ما الذي يمكن أن يتغير؟

الرسالة التي خرجت من الزيارة واضحة: طهران وبغداد تريدان الإيحاء بأن مستقبلهما يجب أن يُصاغ داخل المنطقة لا خارجها. لكن الترجمة الفعلية لهذه الرسالة ستعتمد على ملفات شائكة، أبرزها:

  • أمن الحدود والتنسيق الأمني بين البلدين.
  • حماية صادرات النفط العراقية في ظل حساسية مضيق هرمز.
  • ضبط السلاح داخل العراق وتعزيز سلطة الدولة.
  • توسيع التعاون الاقتصادي بما يخفف أثر الاضطرابات الإقليمية.
  • إدارة التوازن بين النفوذ الإيراني والعلاقات العراقية مع الولايات المتحدة وشركاء آخرين.

في المحصلة، تعكس زيارة قاليباف إلى بغداد اتجاهاً سياسياً واضحاً عنوانه السيادة وتقليص التدخل الخارجي، لكنها تكشف أيضاً حجم الترابط بين الأمن والسياسة والطاقة في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية. وبالنسبة لمتابعي الشأن الإقليمي في مصر، فإن ما يجري بين العراق وإيران يستحق المتابعة الدقيقة، لأن ارتداداته لا تقف عند حدود البلدين، بل تمتد إلى خريطة الاستقرار وأسواق الطاقة والتوازنات السياسية في محيط أوسع يشمل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.