قاليباف وهرمز: رسالة إيرانية تتجاوز المضيق إلى توازنات القوة
رسالة قاليباف: ما وراء عبارة «انتهى عهد الاتفاقات أحادية الجانب»
لم يطرح رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف موقفه الأخير بشأن مضيق هرمز باعتباره مجرد تعليق على ملف ملاحي أو أمني محدود، بل قدّمه بوصفه إعلانًا سياسيًا عن مرحلة جديدة في طريقة تعاطي طهران مع التفاهمات الإقليمية والدولية. فحين شدد على أن زمن الاتفاقات الأحادية قد انتهى، وربط إعادة فتح المضيق بما سماه «الترتيبات الإيرانية»، كان يبعث برسالة مزدوجة: الأولى إلى واشنطن، والثانية إلى الإقليم كله، مفادها أن إيران تريد أن تكون شريكًا مُقرِّرًا لا طرفًا يتلقى الشروط.
المؤكد من التقارير المتداولة في وسائل إعلام مصرية وإيرانية أن قاليباف نشر جزءًا من البند الخامس من مذكرة تفاهم منسوبة إلى تفاهمات أوسع تتعلق بآلية الملاحة في هرمز، وأن هذا البند استُخدم لتأكيد أن إعادة فتح المضيق لا تتم تلقائيًا أو بقرار أمريكي منفرد، بل وفق إطار تنسيقي تعتبره طهران منسجمًا مع سيادتها ودورها الأمني في الممر المائي. كما أشارت تقارير منشورة في أوائل يوليو 2026 إلى أن إيران تتحدث عن مشاورات مع سلطنة عُمان ودول الخليج بشأن هذا الترتيب.
هرمز ليس ممرا عاديا.. بل ورقة نفوذ عالمية
أهمية هذا الخطاب لا تُفهم من دون استحضار المكانة الاستثنائية لمضيق هرمز في الاقتصاد العالمي. فبحسب بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، شكّلت التدفقات عبر المضيق في 2024 والربع الأول من 2025 أكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا، ونحو خمس استهلاك العالم من النفط ومنتجاته النفطية. كما تؤكد الأونكتاد أن هرمز يمر عبره نحو ربع تجارة النفط البحرية العالمية، إلى جانب كميات مؤثرة من الغاز الطبيعي المسال والأسمدة.
لهذا السبب، فإن أي مسؤول إيراني يتحدث عن «شروط» لفتح هرمز لا يناقش فقط حركة سفن أو رسوم عبور، بل يتحدث فعليًا عن ميزان قوة يطال أسعار الطاقة، وسلاسل الإمداد، وتكاليف الشحن، وحسابات الدول المستوردة للنفط والغاز. ومن هنا تبدو لهجة قاليباف جزءًا من معادلة ردع: إذا كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها يريدون استقرار الممر، فإن طهران تريد مقابلاً سياسيًا واعترافًا بدورها في هندسة هذا الاستقرار.
قراءة سياسية: من ملف الملاحة إلى إعادة تعريف التفاوض
في الظاهر، تبدو المسألة متصلة بخلاف حول آلية إدارة الملاحة. لكن في العمق، تشير تصريحات قاليباف إلى محاولة إيرانية لإعادة تعريف مفهوم الاتفاق نفسه. فبدلًا من الصيغة التي تعلن فيها قوة دولية أن الممر أصبح مفتوحًا ثم يُطلب من الأطراف الأخرى التكيّف، تريد طهران تثبيت قاعدة مغايرة: العبور الآمن يمر عبر الاعتراف بالسيادة والتنسيق مع إيران. هذه الفكرة ظهرت بوضوح في تقارير تحدثت عن رفض إيراني لأي إطار لعبور هرمز خارج التنسيق المعتمد مع طهران.
هذا التوجه يعكس أيضًا موقع قاليباف الداخلي. فهو ليس مجرد رئيس للبرلمان، بل أحد أبرز الوجوه المؤثرة في خطاب الدولة الإيرانية بشأن الأمن القومي والتفاوض. لذلك فإن نبرته الحادة لا يمكن فصلها عن توازنات أوسع داخل النظام الإيراني، حيث يُنظر إلى هرمز باعتباره أحد أهم أوراق الضغط الاستراتيجية بعد أي تصعيد عسكري أو سياسي في الخليج. وبعض التحليلات المنشورة في الإعلام الإيراني والغربي تتعامل مع المضيق بوصفه أداة مركزية في استعادة الردع الإيراني وإجبار الخصوم على التعامل مع الوقائع الجديدة لا مع تصورات ما قبل الأزمة.
ماذا يعني ذلك لمصر؟
بالنسبة للقارئ المصري، قد يبدو مضيق هرمز بعيدًا جغرافيًا، لكنه قريب جدًا اقتصاديًا. فكل اضطراب في هذا الممر ينعكس على أسعار الطاقة عالميًا، وعلى تكاليف النقل والتأمين والشحن، وهو ما يضغط على اقتصادات الدول المستوردة ويزيد كلفة الواردات. كما أن أي اضطراب ممتد في طرق التجارة والطاقة في المنطقة يظل وثيق الصلة بحسابات الملاحة الأوسع في الشرق الأوسط، بما فيها البيئة التجارية المرتبطة بقناة السويس والبحر الأحمر، حتى لو كان التأثير غير مباشر أو متفاوتًا من أزمة إلى أخرى.
ومن زاوية مصرية أيضًا، فإن ما يقوله قاليباف يذكّر بأن أمن الممرات البحرية لم يعد ملفًا فنيًا منفصلًا عن السياسة، بل أصبح عنصرًا من عناصر التفاوض الجيوسياسي. وعندما تستخدم دولة بحجم إيران لغة «مواجهة الواقع»، فهي لا تستهدف خصمًا واحدًا فقط، بل تخاطب سوق الطاقة، وشركات الشحن، والدول الخليجية، والقوى الكبرى، وحتى الاقتصادات النامية التي تدفع عادةً فاتورة الاضطراب في صورة تضخم وارتفاع تكاليف الاستيراد.
هل نحن أمام تثبيت قواعد جديدة في الخليج؟
المبالغة ستكون خطأ، لكن التقليل من دلالة التصريح سيكون خطأ أكبر. فحتى لو ظلت تفاصيل مذكرات التفاهم المتداولة غير مكتملة علنًا، فإن الثابت في الخطاب الإيراني الحالي هو الإصرار على أن إدارة المرور في هرمز لن تعود إلى ما كانت عليه قبل موجات التصعيد الأخيرة، وأن أي تفاهم لاحق يجب أن يتضمن دورًا إيرانيًا واضحًا في التنظيم والتنسيق. هذا ما تكرره طهران في أكثر من صيغة، سواء عبر البرلمان أو الخارجية أو الإعلام الرسمي القريب من مؤسسات الدولة.
لكن في المقابل، فإن هذا الموقف لا يعني بالضرورة أن إيران قادرة وحدها على فرض معادلة مستقرة طويلة الأمد. فالمضيق بطبيعته ساحة تشابك مصالح دولية هائلة، من الولايات المتحدة إلى دول الخليج إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية. لذلك يمكن النظر إلى خطاب قاليباف باعتباره محاولة لرفع سقف التفاوض وتثبيت موقع تفاوضي أفضل، بقدر ما هو تعبير عن سياسة ميدانية نهائية مكتملة الأركان. وهذه قراءة تحليلية تستند إلى طبيعة التصريحات نفسها وإلى حساسية أي ترتيبات تخص واحدًا من أهم الممرات البحرية في العالم.
خلاصة المشهد
في نهاية المطاف، لا تتوقف أهمية تصريح قاليباف عند عبارة صدامية أو منشور على منصة اجتماعية. الأهم أنه يكشف عن ذهنية سياسية إيرانية ترى أن ما بعد الأزمات ليس كما قبلها، وأن النفوذ في الخليج يجب أن يُترجم إلى قواعد تشغيل وتفاوض، لا إلى حضور رمزي فقط. وبينما تتابع القاهرة والعواصم العربية تطورات هذا الملف بحذر، يبقى الدرس الأوضح هو أن مضيق هرمز سيظل عنوانًا لاختبار القوة والسيادة والاقتصاد في لحظة إقليمية شديدة الهشاشة. وأي حديث عن فتحه أو تنظيمه ليس تفصيلًا ملاحيًا، بل جزء من الصراع على من يضع شروط الواقع الجديد في الشرق الأوسط.
نقاط أساسية
- محمد باقر قاليباف ربط فتح مضيق هرمز بما وصفه بالترتيبات الإيرانية.
- تقارير منشورة أشارت إلى الاستناد إلى البند الخامس من مذكرة تفاهم متداولة بشأن آلية الملاحة.
- هرمز يمر عبره نحو ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا وفق بيانات دولية وأمريكية.
- انعكاسات الملف لا تخص إيران وواشنطن فقط، بل تمتد إلى أسعار الطاقة والشحن والتضخم في المنطقة والعالم.